جامعة سمنان.. حادثة غامضة تكشف توترات متراكمة بين الطلاب الإيرانيين والعراقيين

 لا تزال حادثة سمنان من أبرز الموضوعات المتداولة في الأوساط الإعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات بشأن ملابساتها وأبعادها.

ميدل ايست نيوز: لا تزال حادثة سمنان من أبرز الموضوعات المتداولة في الأوساط الإعلامية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات بشأن ملابساتها وأبعادها. بدأت القصة مساء الأحد (6 أيلول/ سبتمبر)  عندما شهدت الشوارع المحيطة بالسكن الجامعي الخاص «نيكان» في سمنان تجمعًا لعدد من الشباب والطلاب الإيرانيين.

وانتشرت سريعًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قصيرة تظهر تجمعًا أمام السكن، فيما سُمعت في بعضها هتافات حادة موجهة إلى المقيمين فيه.

وفي المقابل، نشرت وسائل إعلام عراقية، بينها موقع «بغداد اليوم»، رواية تحدثت عن تعرض السكن لهجوم من أكثر من 150 شخصًا، وسرقة ممتلكات شخصية والاعتداء على عدد من الطلاب العراقيين وإصابتهم. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من جميع هذه الادعاءات.

وكان موقع «رويداد 24» قد أجرى، أمس، مقابلة مع رحمان معرفت، رئيس العلاقات العامة في جامعة سمنان، حول الحادثة، حيث شدد على عدم مشاركة أي طالب إيراني في الجامعة في الواقعة. ويُفهم من هذا التصريح أن الجامعة تنفي كذلك الروايات التي ربطت الحادثة بادعاء تعرض طالبة دكتوراه لاعتداء من جانب طلاب عراقيين.

وفي ظل التوتر الذي رافق الحادثة، تدخلت الأجهزة القضائية والأمنية في محافظة سمنان. وأعلن رئيس السلطة القضائية في المحافظة التعرف على شخصين على الأقل من المشاركين في الاشتباك واستدعاؤهما، مؤكدًا استمرار التحقيقات لكشف ملابسات الواقعة واتخاذ الإجراءات بحق من يثبت تورطه في الإخلال بالأمن.

كما نفى مسؤولون قضائيون ما وصفوه بالادعاءات المبالغ فيها التي نشرتها بعض وسائل الإعلام، وشددوا على ضرورة الاعتماد على التقارير الرسمية.

وفي الوقت نفسه، أعلنت السفارة العراقية في طهران إرسال وفد إلى سمنان لتقييم الأوضاع وإجراء محادثات مع مسؤولي الجامعة والمساهمة في احتواء التوتر. وانتهت هذه التحركات، بحسب ما أُعلن، إلى منح الطلاب العراقيين إجازة دراسية لمدة شهر، في خطوة هدفت إلى تخفيف التوتر وتهيئة الظروف لعودة الهدوء إلى المدينة.

لكن بعيدًا عن المواقف الرسمية، لا تزال بعض تفاصيل الحادثة محل تساؤل، ولا سيما بشأن الشرارة الأولى التي أدت إلى تجمع المحتجين أمام السكن.

وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي روايات مختلفة حول بداية الواقعة. وتزعم إحدى الروايات أن الحادثة بدأت إثر مشادة أو إساءة لفظية يُقال إن طلابًا عراقيين وجهوها إلى امرأة إيرانية، قبل أن يتطور الأمر بعد تدخل زوجها وبعض الحاضرين. إلا أن هذه الرواية لم تُثبت بصورة مستقلة، ولا تتطابق بالضرورة مع الرواية الرسمية التي قدمتها الجامعة.

الفجوة بين الرواية الرسمية وما يتداوله الطلاب

يبرز في هذه القضية تباين واضح بين الرواية الرسمية وما يتم تداوله في أوساط بعض الطلاب على شبكات التواصل الاجتماعي.

فبحسب روايات غير مؤكدة، كانت هناك مزاعم بشأن مضايقة أو تعرض عدد من الطلاب العراقيين لفتاة إيرانية، وهو ما قيل إنه كان الشرارة الأولى للتجمعات. في المقابل، نفت العلاقات العامة في جامعة سمنان، وكذلك بيانات صادرة عن قنوات مرتبطة بالمجلس النقابي الطلابي، بشكل قاطع رواية «التعرض لطالبة».

ووفقًا لبيان المجلس النقابي، فإن الاشتباك الأول وقع بين عدد من الطلاب الدوليين وبعض سكان المدينة في موقع آخر، قبل أن يمتد الخلاف لبضع دقائق إلى محيط السكن بسبب موقعه داخل المدينة.

وفي المقابل، تظهر من خلال المحادثات المتداولة في بعض مجموعات طلاب جامعة سمنان على «تلغرام» حالة من عدم الاقتناع بالرواية الرسمية لدى عدد من الطلاب الإيرانيين. وتشير هذه النقاشات إلى أن بعض الطلاب يعتقدون بوجود واقعة سابقة أو سلوك استفزازي ربما أسهم في اندلاع التوتر.

غير أن هذه النقاشات، شأنها شأن الروايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تشكل دليلًا مستقلًا على وقوع حادثة محددة، ولا يمكن الجزم من خلالها بصحة الاتهامات الموجهة إلى أي طرف.

وتشير رسائل متداولة في مجموعات طلابية إلى أن موضوع شكاوى سابقة من مضايقات يُنسب بعضها إلى طلاب عراقيين كان حاضرًا في النقاشات الطلابية خلال الأشهر الماضية. كما تفيد بعض هذه الرسائل بأن ممثلين عن المجلس النقابي سبق أن طرحوا شكاوى تتعلق بهذا الموضوع أمام مسؤولي الجامعة وطالبوا باتخاذ إجراءات انضباطية.

ومنذ الساعات الأولى من مساء الأحد، تصاعد النقاش في هذه المجموعات حول الحادثة، قبل أن تتطور الأحداث إلى تجمع أمام السكن الخاص بالطلاب الدوليين ووقوع اشتباك بين محتجين وطلاب عراقيين.

وبعد صدور بيان العلاقات العامة في الجامعة، عبّر عدد من المشاركين في تلك النقاشات عن عدم اقتناعهم بالرواية الرسمية، وربطوا ذلك بما وصفوه بشكاوى سابقة. وفي مرحلة لاحقة، أُغلقت إمكانية الدردشة في إحدى مجموعات الطلاب لفترة من الوقت، بحسب ما تم تداوله.

وتكشف هذه المعطيات، بصرف النظر عن مدى صحة كل رواية، عن وجود فجوة في الثقة بين شريحة من الطلاب وإدارة الجامعة، وهي فجوة قد تكون مرتبطة، وفق بعض الطلاب، بتراكم شكاوى ومطالب لم يشعروا بأنها عولجت بالشكل الكافي.

شكاوى من التمييز.. روايات تحتاج إلى مزيد من التحقق

ولا تبدو حادثة سكن «نيكان»، وفق ما يتداوله بعض الطلاب، منفصلة تمامًا عن أجواء شهدتها جامعة سمنان خلال الأشهر الماضية. غير أن كثيرًا من التفاصيل المتعلقة بهذه الشكاوى تستند إلى روايات طلابية ومنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، ولا تتوافر بشأنها، في النص المتداول، أدلة مستقلة كافية.

ويتحدث بعض الطلاب الإيرانيين عن وجود فوارق في مستوى الخدمات والمرافق السكنية بين الطلاب المحليين وغير المحليين، كما يشتكون من اختلاف طريقة تطبيق بعض القواعد والضوابط داخل الجامعة.

ومن بين الأمثلة التي يطرحها الطلاب ما يتعلق بدخول سيارات الأجرة عبر التطبيقات إلى الحرم الجامعي وقواعد التدخين، إذ يقول بعضهم إن هذه القواعد تُطبق بصرامة أكبر على الطلاب الإيرانيين مقارنة بالطلاب الأجانب. وهذه الادعاءات بدورها تحتاج إلى توثيق مستقل ومقارنة فعلية في طريقة تطبيق اللوائح.

كما تتداول بعض الطالبات روايات عن تعرضهن، بحسب قولهن، لنظرات أو مضايقات من جانب بعض الطلاب العراقيين، إضافة إلى مزاعم عن تصوير طالبات من دون إذنهن. ولا يمكن اعتبار هذه الروايات، من دون تحقيق مستقل أو توثيق رسمي، إثباتًا على وجود نمط عام من السلوك بين الطلاب العراقيين.

ويثير بعض الطلاب كذلك مسألة القبول المتزايد للطلاب الدوليين، معتبرين أن الجامعة تعطي أولوية لجذب الموارد المالية من خلال توسيع برامج الطلاب الأجانب. ويرى هؤلاء أن ذلك قد يؤثر في البيئة الأكاديمية والخدمات الجامعية.

كما يشكو بعض الطلاب من ارتفاع أسعار بعض الخدمات والمنتجات في مرافق الجامعة، ويربطون ذلك بوجود الطلاب الأجانب، إلا أن هذه العلاقة تبقى، وفق المعطيات المتاحة، ادعاءً يحتاج إلى بيانات اقتصادية أو إدارية لإثباته.

التعايش الثقافي ومسؤولية إدارة الجامعة

وفي خضم هذه التوترات، ينبغي أيضًا التمييز بين الانتقادات الموجهة إلى سلوك أفراد وبين التعميم على مجموعة كاملة من الطلاب أو المواطنين. كما أن بعض الخطابات التي ظهرت في أعقاب الحادثة وتضمنت عبارات عنصرية أو معادية للأجانب لا يمكن تبريرها، بصرف النظر عن خلفيات التوتر.

وفي المقابل، فإن إدارة التعايش بين الطلاب من خلفيات مختلفة تتطلب وجود قواعد واضحة، وآليات فعالة لتقديم الشكاوى، وتطبيقًا متساويًا للأنظمة على الجميع، إلى جانب توفير برامج تساعد على الاندماج والتفاهم الثقافي.

ومن شأن غياب هذه الآليات أو عدم ثقة الطلاب بفاعليتها أن يزيد من احتمالات تحول الخلافات الفردية إلى توترات أوسع.

وتجدر الإشارة كذلك إلى أن بعض النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي ربطت، بصورة عامة، بين حضور عراقيين في إيران خلال الأشهر الماضية وبين تطورات سياسية وأمنية داخل البلاد. ولا توجد، وفق المعطيات الواردة في هذا التقرير، صلة مباشرة مثبتة بين هذه المسألة وحادثة جامعة سمنان، إلا أن مثل هذه النقاشات قد تكون أسهمت في زيادة حساسية الخطاب المتداول حول الطلاب العراقيين.

وفي نهاية المطاف، تطرح حادثة سمنان مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز تفاصيل الاشتباك نفسه، ولا سيما بشأن قدرة الجامعات على إدارة التنوع الطلابي ومعالجة الشكاوى قبل تحولها إلى أزمات.

وتشير الأحداث إلى أهمية ضمان تطبيق الأنظمة بصورة متساوية على جميع الطلاب، ومعالجة أي شكاوى تتعلق بالمضايقات أو التمييز عبر قنوات رسمية وشفافة، إلى جانب تجنب التعامل مع الروايات غير الموثقة باعتبارها حقائق ثابتة.

ففي بيئة تشهد تراكمًا للتوتر وعدم الثقة، يمكن لحادثة محدودة، مهما كانت أسبابها، أن تتسع سريعًا إذا لم تُدار بصورة شفافة، وقد تتحول من خلاف محلي إلى قضية ذات أبعاد اجتماعية وإعلامية وحتى دبلوماسية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى