الصحافة الإيرانية: معاهدة الشراكة مع موسكو.. وعود بلا تنفيذ وعلاقات لم ترق إلى مستوى التحالف

لا يبحث زعيم الكرملين في طهران عن «صديق»، بل عن تأمين مصالح روسيا. كما هو الحال مع واشنطن وتل أبيب وبكين ونيودلهي وأنقرة والدول العربية وأوروبا، فهو يتبع المنطق نفسه.

ميدل ايست نيوز: يستند المؤمنون بتحالف طهران وموسكو إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين إيران وروسيا، وهي المعاهدة التي وقعها البلدان في يناير 2025، وكان من المقرر أن توسع العلاقات بين طهران وموسكو في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية والطاقة والتكنولوجيا. ومن اللافت أن عنوانها هو «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» وليس التحالف.

تقول صحيفة توسعه إيراني، إنه حتى نص المعاهدة يؤكد على «الاحترام المتبادل للمصالح الوطنية والمصالح الأمنية» للبلدين، وهي عبارة تُظهر، على الأقل ظاهرياً، أن طهران وموسكو دولتان مستقلتان، لكل منهما مصالح وطنية مستقلة.

لكن المؤسف أن المسألة تكتسب أهمية أكبر عندما نقارن الأداء الاقتصادي للبلدين بالخطاب السياسي بشأن العلاقات بين طهران وموسكو.

ويتوجه وزير الاقتصاد الإيراني حالياً إلى روسيا لوضع اللمسات النهائية على «مذكرات التفاهم السابقة». وهذه العبارة بحد ذاتها تثير تساؤلاً: إذا كانت العلاقات الاقتصادية بين البلدين استراتيجية ووثيقة إلى هذا الحد خلال السنوات الماضية، فلماذا لا يزال جزء مهم من المشاريع والاتفاقيات في مرحلة مذكرات التفاهم أو المفاوضات أو استكمال الإجراءات النهائية؟

من مذكرة التفاهم إلى التنفيذ.. مسافة بحجم علاقة استراتيجية

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك مشروع خط سكك حديد رشت-آستارا، في إطار ممر النقل الدولي الشمال-الجنوب، وهو المشروع الذي يُطرح منذ سنوات باعتباره أحد أبرز رموز التعاون الاقتصادي بين إيران وروسيا.

ومع ذلك، حتى في عام 2026، تحدث مسؤولون إيرانيون عن أن العقد التنفيذي للمشروع بات على أعتاب التوقيع. ويأتي ذلك رغم مرور سنوات على الحديث عن الأهمية الاستراتيجية لممر الشمال-الجنوب والدور الروسي في استكماله.

ولا تقتصر هذه الفجوة بين «إعلان الاتفاق» و«تنفيذ الاتفاق» على مشروع رشت-آستارا. فمن إنشاء آليات مالية مستقلة واستخدام العملات الوطنية، إلى تطوير التجارة والاستثمار والنقل والطاقة، طُرحت خلال السنوات الماضية وعود مماثلة مراراً.

وحتى في عام 2022، جرى تقديم إطلاق آلية للتعامل بالريال والروبل باعتبارها خطوة لتقليل الاعتماد على الدولار. والآن، بعد أربعة أعوام، لا يزال وزير الاقتصاد الإيراني يتحدث عن ضرورة تطوير العلاقات المالية وإيجاد انفراجات.

وهذا لا يعني أن إيران غير مهمة بالنسبة إلى روسيا. فروسيا واحدة من أهم جيران إيران وقوة عالمية كبرى، ويمكن للتعاون بين طهران وموسكو في مختلف المجالات، شريطة أن يكون عادلاً، أن يحقق فوائد مهمة لكلا الطرفين. لكن أهمية هذه العلاقة تحديداً تفرض التأكيد على أن «العلاقات بين البلدين يجب ألا تُقيّم استناداً إلى المجاملات السياسية، بل بناءً على المصالح الحقيقية والقابلة للقياس».

وفي هذا الإطار، يتمثل أكبر خطأ تحليلي في الخلط بين المصالح المشتركة لإيران وروسيا و«المصالح المتطابقة».

فروسيا، في الوقت الذي تدعي فيه التعاون مع إيران، تدير علاقاتها مع ترامب ونتنياهو أيضاً على أساس مصالحها. لماذا؟

لو طرحنا هذا السؤال على فلاديمير بوتين نفسه، لأجاب بابتسامته الشهيرة: السياسة الخارجية لموسكو لا تخضع للسياسة الخارجية لطهران. وهو بالتأكيد على حق. لكن السؤال هنا هو: لماذا ينبغي دائماً تعريف السياسة الخارجية لطهران على أساس السياسة الخارجية لموسكو؟

أبرمنا اتفاقاً نقدياً مع روسيا وألغينا الدولار بالكامل

كان محمد رضا فرزين، الرئيس السابق للبنك المركزي الإيراني، قد قال في 25 نوفمبر 2024، خلال المؤتمر السنوي الحادي عشر للمصرفية الحديثة وأنظمة الدفع: «اتفقنا مع البنك المركزي الروسي على أن يكون أساس التسوية لدينا سعر الصرف في السوق التوافقية وسعر الصرف العائم، وهم وافقوا على تنفيذ ذلك. لقد جهزنا هذا النظام للعمل مع روسيا تقريباً. ونأمل أن نتمكن من المضي قدماً في تنفيذ ذلك مع دول أخرى أيضاً في المستقبل».

فكيف يتحدث وزير الاقتصاد الحالي، في 7 سبتمبر 2026، عند وصوله إلى موسكو، عن الجهود المبذولة لوضع اللمسات النهائية على مذكرات التفاهم السابقة بين البلدين وتطوير العلاقات المالية؟

ألم تكن هناك، وفقاً لما قاله فرزين، اتفاقيات مالية قد أُبرمت مع موسكو، بحيث يحتاج الأمر الآن مجدداً إلى توجه مدني زاده إلى العاصمة الروسية لإبرام اتفاق؟

إن إلقاء نظرة سريعة على هذين التصريحين يكشف بوضوح أن العلاقة مع إيران بالنسبة إلى الكرملين تشكل جزءاً من منظومة أكبر، تشمل علاقاته مع الصين والولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية وتركيا والهند ودول الخليج وإسرائيل.

خلاصة: موسكو ليست شريكاً لطهران.. بل تسعى وراء مصالحها

الحقيقة هي أن إيران وروسيا لم تكونا قط حليفتين، ووفقاً للمنطق الواقعي في العلاقات الدولية، ليس من المفترض أساساً أن تكون العلاقة بين طهران وموسكو على هذا النحو.

ولا يبحث زعيم الكرملين في طهران عن «صديق»، بل عن تأمين مصالح روسيا. وكما هو الحال مع واشنطن وتل أبيب وبكين ونيودلهي وأنقرة والدول العربية وأوروبا، فإنه يتبع المنطق نفسه.

لذلك، فإن تعاون موسكو مع طهران في قضية ما لا يعني أنها مستعدة في قضية أخرى للتضحية بمصالحها من أجل إيران.

لكن القضية الأساسية ليست سلوك روسيا، بل نظرة طهران إلى موسكو. فقد وقع الخطأ الاستراتيجي عندما اعتبرت الجمهورية الإسلامية، من خلال اعتماد سياسة «التوجه نحو الشرق»، بكين وموسكو شريكين لها!

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر + خمسة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى