كابل واحد كشف المستور.. إلى أي مدى يصمد الإنترنت الإيراني؟

إذا كان انقطاع خط ألياف ضوئية واحد في أرمينيا قادراً على التأثير في جودة حياة وأعمال ملايين الإيرانيين، فليس واضحاً على أي أساس يستند شعار الردع وقطع الكابلات البحرية الذي يروج له المتشددون.

ميدل ايست نيوز: شهدت شبكة الإنترنت في إيران اضطراباً وتباطؤاً شديدين مساء الثلاثاء، ما أعاد المستخدمين الإيرانيين مرة أخرى إلى تجربة متكررة ومزعجة تتمثل في عدم استقرار الشبكة. وعلى الرغم من أن المسؤولين عرّفوا انقطاع كابل الألياف الضوئية في أرمينيا بأنه العامل الرئيسي وراء المشكلة، فإن هذا الحادث البسيط يطرح تساؤلات جدية ومهمة حول الادعاءات المتعلقة بقدرة شبكة الإنترنت في البلاد على الصمود، والتناقضات في سياسات إدارة تكنولوجيا المعلومات.

ومنذ مساء الثلاثاء، أظهرت تقارير متعددة من المستخدمين تراجعاً حاداً في جودة الإنترنت وسرعته. وعلى الرغم من أن اضطراب الليلة الماضية لم يكن يعني انقطاع الشبكة بالكامل، فإنه تسبب في خلل ملحوظ في الوصول إلى الإنترنت، وهي حالة غامضة اختبرها المستخدم الإيراني مراراً، وغالباً ما لا يستطيع معها التمييز بين الحجب، أو اضطراب لدى مشغّل الاتصالات، أو خلل فني، أو انقطاع في المسارات الدولية.

وبعد عدة ساعات، أعلن بهزاد أكبري، الرئيس التنفيذي لشركة البنية التحتية للاتصالات، عبر حسابه على منصة «إكس»، أن السبب يعود إلى «انقطاع كابل الألياف الضوئية داخل الأراضي الأرمنية». وفي نهاية المطاف، أُعلن أن المشكلة عولجت عند الساعة 00:55 بعد منتصف الليل، وأن «الشبكة عادت إلى حالتها المستقرة». لكن هل تنتهي القصة بهذه البساطة؟

لغز «المسارات البديلة».. أين اختفت سعة الـ10 تيرابت؟

في هندسة وإدارة شبكات الاتصالات الكبيرة، هناك مبدأ بسيط لكنه حيوي، يتمثل في التكرار (Redundancy) ووجود مسارات احتياطية. وقد يؤدي انقطاع أحد مسارات الألياف الدولية إلى إعادة توزيع حركة البيانات أو التسبب في بعض التأخير، لكنه لا ينبغي بأي حال أن يؤدي إلى تراجع جودة شبكة دولة بأكملها بهذا الشكل.

ويأتي ذلك في وقت تحدث فيه مسؤولو وزارة الاتصالات مراراً عن زيادة سعة شبكة البيانات في إيران بنسبة 50% ووصولها إلى أكثر من 10 تيرابت في الثانية، كما أشادوا بتطوير شبكات الألياف الضوئية بين المدن.

وهنا تحديداً يكمن التناقض: كيف يمكن لدولة تقول إنها طورت عشرات الآلاف من الكيلومترات من شبكات الألياف الضوئية ورفعت سعة الشبكة إلى مستويات غير مسبوقة، أن تظهر بهذه الدرجة من الهشاشة أمام انقطاع خط اتصال واحد في دولة مجاورة؟ إن تطوير الشبكة الداخلية من دون تنويع مسارات الخروج وتأمين مسارات دولية احتياطية، لا يعد أكثر من استعراض دعائي، وليس آلية دفاعية حقيقية.

«حرب الكابلات».. عندما نقع نحن في فخ التهديدات التي نطلقها!

ومن النقاط اللافتة والمثيرة للتأمل في هذه القضية، تزامن الاضطراب مع الخطاب الذي تتبناه وسائل الإعلام الرسمية والمحافظة بشأن «حرب البنية التحتية». ففي الأشهر الأخيرة، ركزت وسائل إعلام مثل «تسنيم» و«فارس» وصحيفة «كيهان» بشكل خاص على «هشاشة كابلات الإنترنت في الخليج ومضيق هرمز»، بل تحدثت عن إمكانية قطع الكابلات الإقليمية باعتبارها أداة للضغط الجيوسياسي وسلاحاً في الحرب.

لكن حادثة مساء الثلاثاء كشفت حقيقة مريرة، وأظهرت أن الدولة التي تريد استخدام «حرب الكابلات» أداة للضغط على الآخرين، عليها أولاً أن تتأكد من أن بنيتها التحتية الرقمية لا يمكن أن تتوقف بمجرد انقطاع كابل واحد.

وإذا كان انقطاع خط ألياف ضوئية واحد في أرمينيا قادراً على التأثير في جودة حياة وأعمال ملايين الإيرانيين، فليس واضحاً على أي أساس يستند شعار الردع في الفضاء الرقمي.

تناقض في الحوكمة: الحاجة إلى VPN لسماع أخبار عودة الإنترنت!

تظهر الصلة بين المشكلات الفنية والمفارقة المريرة في إدارة الاتصالات في إيران بوضوح في طريقة اطلاع المسؤولين المواطنين على أسباب الاضطراب. فقد اختار الرئيس التنفيذي لشركة البنية التحتية للاتصالات منصة «إكس» لشرح سبب انقطاع الإنترنت، وهي المنصة نفسها التي حجبتها قرارات واضعي السياسات في البلاد.

وهذا يعني أن المواطن الإيراني، لكي يعرف سبب بطء الإنترنت لديه، عليه أولاً استخدام أداة لتجاوز الحجب، وهي أداة تعد في حد ذاتها أحد أسباب انخفاض سرعة الشبكة وتراجع أمنها، ثم الدخول إلى منصة محظورة لقراءة رسالة مسؤول حكومي. ويكشف هذا السلوك عن فجوة عميقة بين سياسات الحجب واحتياجات المواطنين الأساسية إلى المعلومات في البلاد.

«الشبكة مستقرة».. لكن ماذا تقول تجربة المستخدم؟

قد تكون عبارة «الشبكة مستقرة» صحيحة على الورق، ومن منظور المؤشرات الفنية التي تعتمدها شركة البنية التحتية، مثل بقاء الروابط في حالة تشغيل، لكن الاستقرار الحقيقي للشبكة يقاس بتجربة المستخدم الفعلية، وليس بالأرقام الإدارية الجامدة.

وبالنسبة إلى مستخدم يواجه مشكلة في فتح صفحة على الإنترنت، أو إجراء معاملة مصرفية، أو إرسال ملف، أو حتى إجراء مكالمة فيديو بسيطة، فإن الحديث عن استقرار الشبكة لا يعني شيئاً. وإذا كانت وزارة الاتصالات تريد كسب ثقة الجمهور، فعليها، بدلاً من إصدار بيانات عامة، نشر بيانات شفافة. فعلى سبيل المثال، ينبغي أن توضح نسبة حركة البيانات في البلاد التي كانت تعتمد على المسار عبر أرمينيا، والسرعة التي دخلت بها السعة البديلة إلى الخدمة، وحجم الأضرار التي لحقت بالأعمال الرقمية.

وفي ظل التوترات الإقليمية التي تشهدها البلاد، لم يعد الإنترنت أداة ترفيهية أو خدمة ثانوية فحسب، بل أصبح شرياناً حيوياً للاقتصاد والخدمات العامة والإعلام وأمن المجتمع.

وقد انتهى اضطراب الليلة الماضية ظاهرياً بعد إعادة كابل الألياف الضوئية عبر أرمينيا إلى الخدمة عند الساعة 00:55 بعد منتصف الليل، لكن جوهر القضية لا يزال قائماً: إلى أي مدى تعتمد شبكة الاتصالات الإيرانية، في مواجهة المخاطر الحقيقية، على الحظ وعلى مسارات أحادية ومصادر ارتباط محدودة؟ ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد إحصاء عدد كيلومترات الألياف الضوئية المسجلة على الورق.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى