باكستان بين اتفاقية مكة والحذر من حرب مع الحوثيين

قال مصدر في الخارجية الباكستانية إن اتفاقية مكة تنص على أن الاعتداء على أي دولة من أعضاء التحالف من أي دولة أخرى يعد اعتداء على الجميع، وحينها لا بد أن تساهم جميع دول أعضاء التحالف في الدفاع عن تلك الدولة.

ميدل ايست نيوز: مع دخول الصراع في اليمن مرحلة أكثر حساسية بعد سيطرة الحوثيين على باب المندب، تصبح السعودية أمام تحدٍ أمني واقتصادي جديد، وذلك في ظل الاضطرابات في مضيق هرمز، ما أثار تكهنات بشأن إمكانية انخراط باكستان في الحرب إلى جانب السعودية ضد الحوثيين، استناداً إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك. لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية سجاد حيدر خان قال، في 10 سبتمبر/أيلول الحالي، إن إسلام أباد لم تناقش أي استجابة عسكرية في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك، مؤكداً في الوقت ذاته استمرار التزام بلاده بالاتفاقية مع السعودية وتركيا، لكنها لا تتطلب، وفق حديثه، انخراط باكستان في الصراع في اليمن.

وجاءت هذه التصريحات بعد تحذير وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، الثلاثاء الماضي، من أنّ تحالف مكة الدفاعي الثلاثي بين باكستان والسعودية وتركيا قد يدخل حيز التنفيذ إذا امتدت تداعيات الصراع في اليمن إلى الرياض. وفي برنامج تلفزيوني على قناة “جيو نيوز” الباكستانية، أشار مقدم البرنامج شاهزيب خانزاده إلى هجمات الحوثيين على السعودية، وسأل آصف عما إذا كان من الممكن تفعيل الاتفاقية الاستراتيجية. وردّ آصف بالإيجاب، قائلاً إنه لا يوجد “أي غموض”، إذ تنص الاتفاقية على أنّ أي عدوان على طرف من الأطراف يعد بمثابة عدوان على جميع الأطراف.

وفي ظل هذا التضارب في تصريحات المسؤولين الباكستانيين، قال مصدر في الخارجية الباكستانية، لـ”العربي الجديد”، إن اتفاقية مكة تنص على أن الاعتداء على أي دولة من أعضاء التحالف من أي دولة أخرى يعد اعتداء على الجميع، وحينها لا بد أن تساهم جميع دول أعضاء التحالف في الدفاع عن تلك الدولة، لكن جماعة الحوثي جماعة إرهابية وليست دولة، لذا بإمكان السعودية أن تواجهها بمفردها. وأضاف: باكستان الآن تتعرض لحرب من حركة طالبان الباكستانية، ووراءها “طالبان” الأفغانية، فهل سنطلب من السعودية أو تركيا أن تقف إلى جانبنا؟ لا، لن نطالبهما، إذ إن “طالبان” الباكستانية جماعة محظورة، وعلى باكستان أن تتولى أمر مواجهتها، وهكذا شأن الحوثيين في اليمن.

ولفت المصدر إلى أن الصراع في اليمن له أبعاد إقليمية، فهو ناجم أو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنافس بين السعودية وإيران في المنطقة، وباكستان لا تريد الانخراط فيه، بل تحاول أن تكتفي في الوقت الراهن ببذل جهود دبلوماسية لمنع اتجاه الأمور إلى حد لا يمكن احتواؤه والتغلب عليها، معتبراً أن انخراط باكستان العسكري قد يزيد الأمور سوءاً ولن ينفع أي جهة في القضية.

باكستان تستنكر الاعتداءات على السعودية

وذكرت وكالة الأنباء السعودية (واس)، الأحد الماضي، أنّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تلقى اتصالاً هاتفياً من رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف. وأضافت أنّ شريف أعرب عن إدانة بلاده للاعتداءات التي تتعرض لها السعودية من قبل الحوثيين، و”استنكارها الشديد للانتهاكات الصارخة لسيادة أراضيها وسلامتها”، مجدداً وقوف باكستان وتضامنها الكامل مع المملكة.

وقال المحلل الأمني الباكستاني العميد المتقاعد سيد سرور خان، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن موقف الخارجية الباكستانية وتصريحات المسؤولين الآخرين التي تشي بأن باكستان لا تنخرط في الصراع، لا تعني بالضرورة أن الخيار العسكري أصبح خارج حسابات إسلام أباد، خصوصاً أن سير الأحداث يتغير بسرعة فائقة، كما أن البيئة الاستراتيجية قد تغيّرت كثيراً.

دور اتفاقية مكة

وأوضح أن الحوثيين لم يعودوا مجرد قوة يمنية لها تأثير في الداخل اليمني، بل أصبحوا في موقع يسمح لهم بالتأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو باب المندب، علاوة على ذلك فإن هجمات الحوثيين على السعودية، تحديداً على البنية التحتية النفطية، تفتح الباب أمام اعتبار المسألة تهديداًَ للأمن السعودي، وهنا يأتي دور اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وستكون باكستان مرغمة على الانخراط.

ولفت إلى أن الأهم لباكستان أيضاً موقف القوى الدولية، تحديداً الولايات المتحدة، فإسلام أباد لا بد أن تحصل على الضوء الأخضر من واشنطن قبل الانخراط في صراع إقليمي، كما أنها تراقب عن كثب مواقع دول، مثل إيران والصين وروسيا، من هذا الصراع، وبالتالي ستتبنى موقفاً تدافع فيه عن مصالح باكستان.

خيارات كثيرة لباكستان في دعم السعودية

لكن المحلل الأمني الباكستاني شفاعت علي خان رأى، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه قبل الانخراط في الصراع أو التدخّل العسكري المباشر ثمة خيارات كثيرة لباكستان لدعم السعودية، وهي أقل من التدخل العسكري المباشر، مثل: تبادل المعلومات الاستخباريّة، التعاون في الدفاع الجوي، حماية المنشآت الحيوية، التدريب والمساعدة الفنية، وربما المشاركة في تأمين الملاحة البحرية. وأكد أن هذه الخيارات، وسواها، تسمح لباكستان بالوفاء ببعض التزاماتها الأمنية إزاء السعودية، من دون الانخراط في حرب مباشرة مع الحوثيين.

وأضاف علي خان أنه مع استمرار الوضع الحالي، وفي حالة تعرّض المدن والمنشآت النفطية السعودية لهجمات الحوثيين بشكل واسع ومتكرر، مع إحكام الحوثيين قبضتهم على باب المندب، حينها سيزيد الضغط على باكستان من أجل الانخراط في الحرب مباشرة، دفاعاً عن السعودية ومصالحها، وذلك السيناريو سيكون الأصعب والأعقد وأكثر حساسية. وتابع: حينها ستكون باكستان بين فكي كماشة، فإذا لم تنخرط في الحرب سيكون ذلك عدم وفاء باتفاقية مكة، كما سيؤدي ذلك إلى استياء الرياض التي تحتاج إسلام أباد إلى دعمها المادي في ظل تراكم الديون والنقص الحاد في الميزانية، لكن إذا انخرطت في الحرب ستكون باكستان أمام جبهتين ساخنتين: إيران من جهة، والشيعة في باكستان من جهة أخرى، وسيكون احتواء الوضع في الداخل أصعب في وجه السلطات الباكستانية من احتواء الموقف إزاء إيران.

ومع سيطرة الحوثيين على باب المندب يكون الموقف قد تعقّد في وجه إسلام أباد، لكنها قد تكون نقطة تحوّل في الحسابات الباكستانية. فإذا بقيت المواجهة ضمن حدود الضربات المتبادلة، فمن المرجح أن تستمر باكستان في سياسة الاحتواء والدبلوماسية، أما إذا تمكن الحوثيون من استخدام باب المندب لفرض حصار فعلي على الملاحة السعودية، أو تكثيف الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية، حينها قد تضطر إسلام أباد إلى تطوير مقاربة أكثر انخراطاً، وإن كان من المرجح أن تبدأ بخطوات دفاعية واستخبارية قبل التفكير في تدخل قتالي مباشر.

ولفت الإعلامي الباكستاني محمد عبد الله، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن باكستان في الوقت الحالي لديها قوة كبيرة في السعودية قوامها عشرة آلاف جندي، علاوة على الدفاعات الجوية، وتلك القوة فاعلة وتؤمن ما تحتاج إليه السعودية في الوقت الحالي، كما أن إسلام أباد تراهن كثيراً على الجهود الدبلوماسية، ومن خلال تحريك طهران لإقناع الحوثيين بوقف الهجمات على السعودية.

وأضاف أن تلك الجهود بمثابة إقامة حجة على إيران، ففي المستقبل إذا انخرطت باكستان في الحرب ضد الحوثيين سيكون لديها حجة أنها حاولت من خلال طهران أن تقنع الحوثيين بوقف الهجمات على السعودية التي تربطها مع باكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك. وأضاف أن باكستان تنتظر الموقف الموحد لدول المنطقة؛ لأن السيطرة على باب المندب ليست تهديداً للسعودية ومصالحها فحسب، بل تهديد للملاحة البحرية، فإذا قامت دول المنطقة باتخاذ موقف موحد ضد الحوثيين سيسهل الأمور كثيراً لإسلام أباد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى