العقوبات الأمريكية تصل إلى تركيا.. تضييق جديد على التجارة والتمويل الإيراني

أعلن وزير الخزانة والمالية التركي أن أنقرة أخذت في الاعتبار الإخطارات الأخيرة الصادرة عن واشنطن بشأن الأنشطة التجارية المرتبطة بإيران.

ميدل ايست نيوز: اقتربت الضغوط الأمريكية على إيران خطوة أخرى من حدود طهران التجارية. فبعد فرض عقوبات على بنك تركي وشركتين تابعتين له، أعلن وزير الخزانة والمالية التركي أن أنقرة أخذت في الاعتبار الإخطارات الأخيرة الصادرة عن واشنطن بشأن الأنشطة التجارية المرتبطة بإيران، في موقف قد يشير إلى زيادة حساسية تركيا تجاه مخاطر التعاون المالي والتجاري مع إيران.

ودخل الضغط الاقتصادي الأمريكي على إيران مرحلة جديدة، وهذه المرة استهدفت عقوبات واشنطن بنكاً تركياً وشركتين تابعتين له. ويستهدف هذا الإجراء، من جهة، مسارات تحويل الأموال المرتبطة بالتجارة الإيرانية، ومن جهة أخرى، يوجه رسالة مباشرة إلى البنوك والمؤسسات المالية في الدول المجاورة لإيران.

وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية الجمعة فرض عقوبات على بنك «غولدن غلوبال ياتيريم بانكاسي» الاستثماري، ومقره إسطنبول، وشركة «غولدن غلوبال بورتفوي يانيتيمي» لإدارة الأصول، وشركة «غولدن غلوبال فارليك كيرالاما» لتأجير الأصول.

وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية، أدت هذه المؤسسات الثلاث دوراً في تسهيل التجارة بين الصين وإيران. وتزعم واشنطن أن البنك كان جزءاً من شبكة ساعدت في نقل عائدات النفط الإيرانية من الصين إلى تركيا.

ولا تقتصر أهمية هذا الإجراء على حجم البنك المستهدف. فبأصول بلغت نحو 516.6 مليون دولار في عام 2025، لا يُعد «غولدن غلوبال» بنكاً كبيراً في تركيا، ويحتل المرتبة الخامسة والثلاثين بين بنوك البلاد. ومع ذلك، فهذه هي المرة الأولى في الحملة الأمريكية الحالية للعقوبات التي يستهدف فيها بنك في إحدى الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بشكل مباشر بعقوبات أمريكية.

وفي غضون ذلك، أعلن وزير الخزانة والمالية التركي أن أنقرة أخذت في الاعتبار الإخطارات الأخيرة الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية بشأن الأنشطة التجارية المرتبطة بإيران. وشدد محمد شيمشك على أن حصة إيران من إمدادات الغاز الطبيعي لتركيا محدودة نسبياً، وأن بلاده خفضت اعتمادها على إيران من خلال استثمارات واسعة في التخزين ومصادر بديلة.

وفي الوقت نفسه، دعا شيمشك القطاع المالي والجهات الاقتصادية الأخرى في تركيا إلى تنفيذ أنشطتها بما يتوافق بالكامل مع القوانين واللوائح الوطنية، في موقف قد يعكس مساعي أنقرة لإدارة مخاطر العقوبات الثانوية الأمريكية، بالتزامن مع الحفاظ على علاقاتها التجارية مع إيران.

مسار عائدات النفط تحت مجهر واشنطن

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أن «غولدن غلوبال» ساعد شبكة «المصارف الظل» الإيرانية على نقل عائدات النفط من الصين إلى تركيا. وبحسب المزاعم الأمريكية، كان من الممكن لاحقاً تحويل هذه الأموال إلى نقد وذهب عبر شركات الصرافة.

كما زعمت وزارة الخزانة أن البنك قدم عن علم خدمات مصرفية مراسلة إلى مؤسسات مالية إيرانية، ومكّنها من إجراء معاملات مع إيران.

ومن بين الأسماء التي أشارت إليها الولايات المتحدة أيضاً رجل الأعمال التركي «سيتكي أيان» وشركات تابعة له. وكان أيان وشركاته قد فُرضت عليهم عقوبات أمريكية في وقت سابق، في عام 2022.

ونفى «غولدن غلوبال» هذه الاتهامات، مؤكداً أنه التزم بجميع المتطلبات القانونية واللوائح المحلية والدولية، وأن الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في قرار مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) لم يكونوا من عملاء البنك. كما قال «غولدن غلوبال» إنه لم تكن له أي صلة مباشرة أو غير مباشرة بهؤلاء الأشخاص والكيانات.

رسالة أمريكية إلى تركيا

يمكن النظر إلى فرض عقوبات على بنك تركي باعتباره يتجاوز إجراءً محدوداً يستهدف مؤسسة مالية بعينها. ويرى مياد مالكي، خبير العقوبات في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن رسالة واشنطن إلى أنقرة واضحة: مع تضييق المسارات المالية والتجارية في الخليج، يمكن أن تصبح تركيا أحد المسارات الرئيسية لتحويل الأموال المرتبطة بالتجارة الإيرانية.

وبحسب مالكي، لا يتمثل الأثر الرئيسي لهذه العقوبات في إقصاء بنك صغير، وإنما في إثارة المخاوف لدى بنوك أخرى تتعامل مع هذه المؤسسة أو مع شبكات مماثلة. وبهذا المعنى، يمكن لواشنطن أن تسعى إلى زيادة تكلفة التعاون المالي مع إيران بالنسبة إلى البنوك الأخرى أيضاً.

ويأتي هذا النهج في إطار سياسة وصفها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأنها «هجوم اقتصادي» على العلاقات المالية الإيرانية حول العالم. كما قال بيسنت إن الولايات المتحدة قد تفرض عقوبات على بنك آخر الأسبوع المقبل.

ضغوط مالية بالتزامن مع الضغط على مضيق هرمز

جاء فرض العقوبات على البنك التركي في وقت تزيد فيه الولايات المتحدة بالتزامن ضغوطها على صادرات النفط الإيرانية. وزعم بيسنت أن الحصار الأمريكي لمضيق هرمز حال دون وصول جزء من شحنات النفط الخام الإيراني إلى الصين، بالتزامن مع زيادة الضغوط على طهران وبكين.

وتُعد الصين من أهم مشتري النفط الإيراني، فيما تمثل عائدات صادرات النفط أهمية كبيرة للاقتصاد الإيراني. ولذلك تحاول واشنطن، من خلال استهداف صادرات النفط والمسارات المالية في الوقت نفسه، تضييق دائرة الضغوط على عائدات إيران.

وفي هذا الإطار، حاولت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي أيضاً فرض قيود على فروع «بنك مصر» في الإمارات، ومنعت هذه الفروع، بسبب علاقاتها مع إيران، من إجراء معاملات بالدولار الأمريكي. وأُرجئ تنفيذ هذه القيود لمدة 30 يوماً، ولا تشمل اللوائح في الوقت الراهن المقر الرئيسي لبنك مصر أو فروعه في مناطق أخرى.

العقوبات.. مزيد من الضغط أم مزيد من المخاطر؟

رغم تصاعد الضغوط المالية، تثار شكوك بشأن مدى فعالية هذه الإجراءات. ويرى برت إريكسون، المدير الأول في شركة «أبسيديان ريسك أدفايزرز» للاستشارات وخبير العقوبات، أن فرض العقوبات على «غولدن غلوبال» قد يزيد الضغط على إيران، لكن زيادة الضغط الاقتصادي لا تعني بالضرورة تغيير نتيجة الحرب.

ومن وجهة نظره، إذا لم يتمكن الضغط الاقتصادي من تغيير مسار تمويل الحرب بشكل ملموس، فقد يكون هناك احتمال لرد إيراني مضاد، وهو رد قد يؤدي، في حال استهداف مسارات الطاقة والتجارة في المنطقة، إلى تكبيد الاقتصاد العالمي تكاليف أكبر.

وبذلك، يمكن اعتبار الإجراء الأمريكي الأخير جزءاً من مساعي واشنطن لإغلاق المسارات المالية المحيطة بإيران، وهي مسارات تمتد الآن من بنوك تركية صغيرة إلى فروع بنوك كبيرة في الإمارات. وربما لا تكمن الأهمية الرئيسية لهذه العقوبات في حجم «غولدن غلوبال»، وإنما في الرسالة الموجهة إلى المؤسسات المالية الأخرى العاملة في التجارة مع إيران، ومفادها أن نطاق مخاطر التعاون المالي مع طهران آخذ في الاتساع.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى