العلاقة بين الحوثيين وإيران: شركاء أم سيد ووكيل؟

لقد صُوّرت علاقة الحوثيين بإيران بشكل خاطئ في واشنطن على أنها مجرد علاقة وكالة بسيطة، لكن الأدلة تشير إلى شراكة أكثر تعقيداً.

ميدل ايست نيوز: لقد صُوّرت علاقة الحوثيين بإيران بشكل خاطئ في واشنطن على أنها مجرد علاقة وكالة بسيطة، لكن الأدلة تشير إلى شراكة أكثر تعقيداً. تقدم إيران الأسلحة والتدريب والمعلومات الاستخباراتية، ومع ذلك يحتفظ الحوثيون بأصول مستقلة، وآليات لاتخاذ القرار بصورة ذاتية، وقاعدة إيرادات مستدامة. وقد تصرفت الجماعة خلافاً لتفضيلات طهران عندما اقتضت مصالحها الخاصة ذلك، كما يتضح من الهدن الأحادية والإخطارات اللاحقة بالضربات.

وحسب مقال بمجلة ذ ناشونال إنترست، نقله موقع “ميرو” لذلك، لا يمكن اختزال العلاقة بين الحوثيين وإيران في علاقة سيد وعبد. إن السياسة الأمريكية التي تتعامل مع اليمن بوصفه ملفاً فرعياً من ملف إيران ستسيء قراءة التهديد، وستستخدم أدوات الضغط الخاطئة. فالضغط على طهران لا يترجم بصورة موثوقة إلى ضبط النفس في صنعاء، كما أظهرت المصالحة السعودية الإيرانية عام 2023، عندما استمرت هجمات الحوثيين.

ينبغي أن تقوم المقاربة السليمة على تقويض سلاسل الإمداد المحددة، والتعامل مع اليمن وفقاً لشروطه الخاصة، وتعزيز هيكل الهدنة الذي ترعاه الأمم المتحدة، واستهداف مصادر التمويل المستقلة، وأخذ الجهات الداعمة غير الإيرانية، مثل الصين، في الاعتبار. إن فهم الحوثيين بوصفهم حركة يمنية لها تاريخها وحساباتها الخاصة ليس موقفاً أكثر ليونة، بل هو الأكثر دقة. وفقط من خلال هذا الوضوح يمكن بلورة سياسة مستدامة تعالج في آن واحد الصلة الإيرانية والقدرة المستقلة للجماعة على تهديد الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي.

واشنطن تسيء قراءة تهديد الحوثيين

منذ أن بدأ الحوثيون استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر عام 2023، أثبتت الجماعة اليمنية المسلحة أنها لم تعد مجرد مصدر إزعاج إقليمي. ففي الأسبوع الماضي، أكدت الضربات التي نفذتها الجماعة ضد السعودية وأنابيب النفط التابعة لها، إلى جانب سيطرتها على ميناء المخا وعدة جزر بالقرب من مضيق باب المندب، حجم التهديد الذي تمثله على التجارة الدولية وأمن الطاقة. ومع ذلك، ظل الإطار التحليلي الافتراضي في واشنطن بسيطاً بصورة لافتة: الحوثيون وكلاء لإيران، وبالتالي فإن الضغط على طهران يمثل ضغطاً على صنعاء.

وعبّر وزير الخارجية ماركو روبيو عن هذا الرأي بعد أن أسفرت ضربات الحوثيين الصاروخية عن إصابة 73 شخصاً في السعودية، واصفاً الجماعة بأنها «عملاء ووكلاء للإيرانيين»، ومشيراً إلى وجود «يد إيرانية» وراء تلك الهجمات. ويبدو هذا الإطار مريحاً لأنه ينسجم مع نموذج تحليلي مألوف، جرى تطويره في التعامل مع حزب الله وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، كما يسمح لصانعي السياسات بالتعامل مع اليمن بوصفه ملفاً فرعياً من ملف إيران الأوسع.

لكن هذا الإطار غير دقيق، ولا يمكن بناء سياسة أمريكية سليمة عليه. فإيران تزود الحوثيين بالسلاح، وتدربهم، وتنسق معهم، وتستحق هذه العلاقة بالفعل التدقيق. ومع ذلك، تمتلك الجماعة أصولاً مستقلة، وهيكلاً مستقلاً لاتخاذ القرار، وقاعدة إيرادات خاصة بها، وسجلاً حافلاً بالتصرف خلافاً لتفضيلات طهران عندما تقتضي مصالحها ذلك. إن اعتبار الحوثيين مجرد أداة للإرادة الإيرانية يسيء فهم التهديد، ويوجه السياسة الأمريكية نحو الأدوات الخاطئة.

علاقة الحوثيين بإيران تتجاوز تصنيف الوكيل

تشير لجنة العلاقات الخارجية إلى أن الحرس الثوري الإيراني يزود الحوثيين بالأسلحة والتدريب والمعلومات الاستخباراتية، وأن عملية الاستيلاء التي جرت في يوليو/تموز 2025 وحدها أسفرت عن اعتراض نحو 750 طناً من الذخائر الإيرانية، بما في ذلك مكونات الطائرات المسيّرة، ورؤوس الصواريخ، وأنظمة الرادار، وكانت في طريقها إلى الجماعة. وقد كان هذا الدعم حاسماً في تمكين الحوثيين من تنفيذ ضربات بعيدة المدى بالصواريخ والطائرات المسيّرة في البحر الأحمر وضد إسرائيل.

كما تصف مجموعة الأزمات الدولية الحوثيين بأنهم جزء لا يتجزأ من «محور المقاومة» الإيراني، ومنسقون مع طهران بشأن التوقيت والرسائل، بما في ذلك دخولهم المباشر في هجمات ضد إسرائيل في مارس/آذار 2026، بعد تقييمهم أن الوضع الإقليمي لإيران قد تراجع.

إيران تزود الحوثيين بالأسلحة، لكنها لا تسيطر عليهم

ومع ذلك، لا يرقى أي من ذلك إلى إثبات وجود علاقة وكالة شبيهة بالعلاقة بين إيران وحزب الله. ومن المهم أن تشير لجنة العلاقات الخارجية إلى أن إيران لم تنشئ جماعة الحوثيين، وأنهم ينتمون إلى تقليد إسلامي مختلف؛ فالزيدية تختلف عن المذهب الشيعي الاثني عشري السائد في إيران. ولذلك، من الأفضل فهم الحوثيين بوصفهم شريكاً «غير رسمي» لإيران، لا تابعاً مباشراً لها.

وتوصلت دراسة أعدتها مؤسسة راند عام 2020 إلى استنتاج مشابه بعد فحص مسار العلاقة بين الطرفين. وحتى بعد أن زادت إيران استثماراتها في اليمن منذ عام 2015، ظلت العلاقة «تجارية إلى حد كبير». وعندما أسس حسين الحوثي الجماعة في تسعينيات القرن الماضي، كانت أولوياتها تتركز بدرجة كبيرة على القضايا المحلية ومواجهة التهميش السياسي للزيديين في ظل حكم علي عبد الله صالح. ومنذ ذلك الحين، أبدت الجماعة اهتماماً محدوداً بتبني أيديولوجية الثورة الإيرانية.

أدلة على استقلال الحوثيين

تأتي إحدى أوضح الحالات التي تتحدى إطار «الوكيل» من الباحثة في معهد بروكينغز أليسون ماينور، التي تجادل مباشرة بأن وصف الحوثيين بأنهم وكلاء إيرانيون «يقدم تصوراً خاطئاً للتهديد بصورة أساسية»، ويقوض فرص وضع سياسة فعالة. وتشير إلى حالات تؤكد استقلالية الحوثيين، منها إعلانهم وقف إطلاق نار أحادياً مع السعودية عام 2019، في وقت كانت فيه إيران تفضل التصعيد، فضلاً عن إفادتهم بأنهم أبلغوا إيران بضربتهم بالطائرات المسيّرة على تل أبيب في يوليو/تموز 2024، ولكن بعد تنفيذها.

كما نوّع الحوثيون مصادر إمدادهم بالأسلحة من خلال الحصول على مكونات صينية وتطوير قدرات تصنيع محلية، بدلاً من الاعتماد على إيران وحدها. وتؤكد ماينور أيضاً المرونة الهيكلية للجماعة، إذ تعمل ضمن شبكة لامركزية تضم أكثر من عشر مجموعات متحالفة، وتنسق مباشرة مع ميليشيات عراقية، بل وحتى مع حركة الشباب الصومالية، بما قد يؤدي إلى توليد حالة من عدم الاستقرار لا تستطيع أي توجيهات إيرانية تنظيمها بمفردها.

تمويل العمليات الحوثية من إيرادات مستقلة

يمتد هذا الاستقلال إلى القاعدة الاقتصادية التي تسمح للحوثيين بالتصرف من دون الحاجة إلى إذن من طهران. وتوثق تقارير نُشرت هذا الشهر حول «آلة المال التابعة للوكلاء الإيرانيين» أن الحوثيين بنوا شبكة مالية خاصة بهم تُقدّر بمليارات الدولارات، من خلال فرض الضرائب على الوقود، وتحقيق إيرادات الموانئ، وممارسة أنشطة التهريب، وقد أثبتت هذه الشبكة قدرتها على الصمود رغم سنوات من العقوبات الأمريكية. ويؤكد تحليل مؤسسة راند النقطة نفسها، إذ منح الدخل المستقل الناتج عن ضرائب الموانئ واستخراج الريوع قيادة الحوثيين، تاريخياً، قدراً من الاستقلال لم تكن لتتمتع به جماعة تعتمد كلياً على أموال راعيها.

وربما تكون الأدلة الأكثر صلة بالسياسة ذات طبيعة سلوكية. فقد أظهر الحوثيون أنهم لا يتراجعون ببساطة عندما تطلب منهم إيران ذلك. وأفادت تحقيقات أجرتها رويترز عام 2025 بأن مسؤولين حوثيين أبلغوا الوكالة مباشرة أنهم لن «يخفضوا» مستوى الهجمات استجابةً للضغط العسكري الأمريكي أو مناشدات الوسطاء الإيرانيين، رابطين حملتهم بتفسيرهم الخاص للحرب في غزة.

وتضيف ماينور بُعداً هيكلياً إلى الحجة نفسها، إذ ترى أن اتفاق التطبيع السعودي الإيراني لعام 2023، الذي اعتُبر في واشنطن وسيلة لتفكيك جماعة الحوثيين عبر تحسين العلاقات مع طهران، لم يؤدِّ عملياً إلى تقليص هجمات الحوثيين في البحر الأحمر في وقت لاحق من العام نفسه. أما ما نجح فعلياً في التأثير على التدخل السعودي في اليمن، فكان هدنة منفصلة توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022، وجرت مفاوضاتها مباشرة مع الجماعة. وإذا كانت الدبلوماسية الإيرانية لا تستطيع تغيير سلوك الحوثيين، فإن السياسة الأمريكية التي تعتمد على الضغط على إيران لكبحهم تقوم على أداة نفوذ وهمية.

لماذا تُعد العلاقة بين الحوثيين وإيران تعاقدية؟

ينطبق المنطق نفسه على قراءة روبيو لـ«اليد الإيرانية» في الضربات الأخيرة ضد السعودية. فال ofحوثيون لا يحتاجون إلى أمر إيراني لاستهداف أهداف سعودية، نظراً إلى أن التحالف الذي تقوده السعودية شنّ غارات على اليمن منذ عام 2015، بالتوازي مع فرض حصار بحري واسع. ويكفي عقد كامل من الحرب التي شُنت ضدهم على أرضهم لتفسير دوافعهم إلى القتال. إن اعتبار كل ضربة من هذا النوع إشارة إيرانية يمحو حرب الحوثيين الخاصة وأسبابهم الذاتية للاستمرار في المواجهة.

وتعزز الجذور الأعمق للجماعة هذه الصورة؛ فهي استجابة محلية لتهميش الدولة اليمنية، وهو تهميش أدى إلى سلسلة من الحروب بينها وبين الحكومة اليمنية، وليست مشروعاً مستورداً من طهران. ويجعل مايكل روبين، من معهد أمريكان إنتربرايز، هذه النقطة محوراً لحجته القائلة إن الحوثيين قد يتجاوزون الجمهورية الإسلامية نفسها. فهو يصف حركة تستند إلى «تركيبة قبلية وزيدية» ذات تاريخ يمتد لقرون، وتستفيد حالياً من إنتاج محلي للطائرات المسيّرة والصواريخ، وإلى حد ما من المساعدة الصينية أيضاً. وسواء اتفق المرء مع جميع عناصر هذه الحجة أم لا، فإنها تلتقط خطراً حقيقياً في واشنطن، يتمثل في افتراض أن انهيار النظام الإيراني أو استنزافه سيؤدي تلقائياً إلى تحييد تهديد الحوثيين.

أخذ استقلال الحوثيين في الاعتبار في السياسة الأمريكية

إذا كان الحوثيون مجرد دمى في يد إيران، لكانت الوصفة السياسية واضحة: التوصل إلى تفاهم مع طهران، وعندها ستنسجم صنعاء مع ذلك. لكن هذه هي النظرية التي اختبرها التقارب السعودي الإيراني عام 2023 تحديداً، وتشير الأدلة المذكورة أعلاه إلى أنها لم تنجح.

وينبغي أن تقوم المقاربة الأمريكية السليمة، بدلاً من ذلك، على مسارين. فمن جهة، يجب مواصلة تقويض سلاسل الإمداد المحددة، ومنها شحنات الحرس الثوري الإيراني التي تحتوي على مكونات الصواريخ وأنظمة الرادار، لأن هذه المواد توسع فعلياً نطاق الأهداف التي يستطيع الحوثيون استهدافها ومدى ضرباتهم. ومن جهة أخرى، ينبغي التعامل مع الوضع في اليمن وفقاً لشروطه الخاصة، من خلال تعزيز هيكل الهدنة الذي تتوسط فيه الأمم المتحدة، والذي ساهم فعلياً في كبح العنف، ومعالجة الموارد المالية المستقلة للجماعة وشبكات التهريب التابعة لها، وأخذ الجهات الداعمة غير الإيرانية، ولا سيما الصين، على محمل الجد.

إن النظر إلى الحوثيين بوضوح بوصفهم حركة يمنية لها تاريخها واقتصادها وحساباتها الخاصة، والتي تستفيد فعلياً من شراكتها مع إيران، لا يمثل موقفاً أكثر ليونة تجاه التهديد، بل هو التصور الأكثر دقة، ويمكن أن يشكل أساساً لسياسة أمريكية مستدامة تجاه اليمن.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى