موازنة العراق 2027 وسط الأزمات: عجز قياسي ونزاع مبكر على حصة كردستان

تتجه الحكومة العراقية نحو إعداد موازنة 2027 وسط ضغوط مالية واقتصادية متشابكة، يتصدرها عجز محتمل يتجاوز 60 تريليون دينار وتقلبات الصادرات النفطية.

ميدل ايست نيوز: تتجه الحكومة العراقية نحو إعداد موازنة 2027 وسط ضغوط مالية واقتصادية متشابكة، يتصدرها عجز محتمل يتجاوز 60 تريليون دينار وتقلبات الصادرات النفطية، بالتوازي مع خلاف مبكر بشأن حصة إقليم كردستان، الذي يطالب برفعها إلى 14 بالمئة استنادا إلى نتائج التعداد السكاني، ما يضع الموازنة أمام اختبار مالي وسياسي مزدوج.

مسؤولية مشتركة

ويقول سيف المنصوري، عضو ائتلاف الاعمار والتنمية، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس (17 أيلول سبتمبر 2026)، إن “الإطار التنسيقي ليس الجهة الوحيدة التي تناقش قانون الموازنة، وإنما تشترك جميع القوى في مناقشته خلال اجتماعات ائتلاف إدارة الدولة، الذي يفسح المجال أمام الحكومة لإعداد الموازنة ومناقشتها داخل مؤسسات الدولة، سواء في الحكومة أو البرلمان”.

ويضيف، أنه “مع الحديث عن عجز قد يتجاوز 60 تريليون دينار، فإن التعامل مع موازنة 2027 يجب أن يكون بمنطق واقعي ومسؤول، فالأولوية لا تتمثل في زيادة الإنفاق ثم البحث عن مصادر لتمويله، وإنما في مراجعة أبواب الإنفاق وتقليل الهدر والنفقات غير الضرورية وتعظيم الإيرادات غير النفطية”.

ويتابع المنصوري، أن “الحكومة أعلنت أن موازنة 2027 ستكون موازنة برامج وليست موازنة عامة بالطريقة التقليدية السابقة، وذلك يعني ارتباط الإنفاق ببرامج ومشاريع وأهداف محددة، مع إمكانية أكبر لمتابعة ما ينفق وما يتحقق مقابله”.

إرسال الموازنة

وتدخل موازنة 2027 مرحلة الإعداد بعد عامين من غياب موازنة اتحادية نافذة بجداول مصادق عليها، إذ لم تقر جداول موازنة 2025، فيما لم تقر موازنة مستقلة لعام 2026، رغم إقرار قانون الموازنة الثلاثية للأعوام 2023 و2024 و2025. ودفع ذلك وزارة المالية إلى اعتماد آلية الصرف المؤقت بنسبة 1/12، استناداً إلى قانون الإدارة المالية، لتأمين الرواتب والنفقات الحاكمة.

وكشف عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، الثلاثاء (15 أيلول سبتمبر) عن عزم وزارة المالية إرسال مشروع موازنة 2027 إلى مجلس النواب في 15 تشرين الأول المقبل، بالتزامن مع تحذيرات اقتصادية من عجز مالي قد يتجاوز 60 تريليون دينار.

حصة الإقليم

أما بشأن الاقتراض لسد العجز، فيرى المنصوري أنه “يمكن اللجوء إليه عند الضرورة وضمن حدود مدروسة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة دائمة لتمويل الإنفاق الجاري”.

وفي ملف حصة إقليم كردستان، يؤكد، أن “نتائج التعداد السكاني يجب أن تكون أحد الأسس الرئيسية في تحديد الحصص، باعتبارها تمثل أحدث البيانات السكانية الرسمية، فإذا كانت نتائج التعداد تعطي الإقليم نسبة تقارب 14 بالمئة من السكان، فمن الطبيعي أن تكون هذه النسبة حاضرة بقوة في النقاش”.

ويبين عضو ائتلاف الإعمار والتنمية، أن “حصة الإقليم في الموازنة ليست مجرد رقم سكاني، وإنما ترتبط أيضا بالإيرادات والالتزامات والنفقات السيادية وآلية احتساب التخصيصات، لذا الموقف المتوازن يتمثل في اعتماد التعداد مرجعية سكانية، مع ربط الاستحقاقات المالية بالتزامات الطرفين، لتكون هناك حقوق واضحة مقابل واجبات واضحة”.

ضمان التصويت

وعن ضمان تمرير الموازنة، يرى المنصوري أن “الضمان السياسي الحقيقي يتمثل في حسم الملفات الخلافية قبل وصولها إلى البرلمان، بدلاً من انتظار مرحلة التصويت وبدء المساومات”، مشدداً على ضرورة “التوصل إلى اتفاق مبكر بشأن حجم الإنفاق والعجز وحصة الإقليم والإيرادات النفطية وغير النفطية وآلية تنفيذ موازنة البرامج”.

ويواصل، أن “موازنة البرامج يمكن أن تساعد على تجاوز الخلافات التقليدية، لأنها تجعل النقاش أكثر ارتباطا بطبيعة البرنامج وكلفته والهدف منه ونسبة الإنجاز المتحققة، وعليه المطلوب من القوى السياسية التعامل مع موازنة 2027 باعتبارها خطة مالية وتنموية للدولة، وليس مجرد أرقام قابلة للتجاذب السياسي”.

وأوضح المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، أمس الأربعاء، أن الصورة النهائية للموازنة لم تتضح بعد، بانتظار إقرارها في مجلس الوزراء وإحالتها إلى البرلمان، مشيراً إلى أن أبرز مفاتيحها ستتمثل في سعر برميل النفط المفترض، وكميات التصدير، وحجم العجز والاقتراض، إلى جانب توزيع الإنفاق بين الجانبين التشغيلي والاستثماري.

الحذر من المبالغة

بدوره، يقول الباحث بالشأن الاقتصادي أحمد عيد، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، إن “بناء الموازنة، ولا سيما موازنة 2027 في الظروف الحالية، على أسس آمنة، يتطلب أولاً عدم المبالغة في تقدير الإيرادات النفطية، واعتماد سعر نفط تحفظي وحجم صادرات قابل للتحقق، في ظل مشكلات التصدير وتراجع مستوى الصادرات النفطية إلى حد كبير”.

ويعتبر، أن “أي مبالغة في تقدير الإيرادات في هذه الظروف ستحول العجز المقدر إلى فجوة أكبر عند الشروع بتنفيذ الموازنة، فإذا تجاوز العجز 60 تريليون دينار، فلن يكون ذلك وضعاً مالياً مستداماً، خصوصاً مع ارتفاع الالتزامات الثابتة للدولة المتمثلة بالرواتب والموازنات التشغيلية”.

وتأتي الموازنة وسط تداعيات الحرب وأزمة هرمز والاضطرابات الإقليمية وانعكاساتها على التجارة والنقل والطاقة وأسعار النفط وكلفة الاستيراد وسلاسل التجهيز، ما يضع الحكومة أمام معادلة الحفاظ على الانضباط المالي وتمويل الالتزامات الأساسية، مقابل حماية المشاريع الاستثمارية والقطاعات القادرة على تحريك الاقتصاد.

تعطل الصادرات

وينبه الخبير عيد إلى أن “الخطر الأكبر على العراق لا يتمثل في انخفاض أسعار النفط بحد ذاته، وإنما في التراجع الكبير بكميات التصدير، لأن انخفاض الأسعار يمكن تعويضه، في حين يمثل تعطل الصادرات المشكلة الأكبر نتيجة فقدان البراميل المصدرة والإيرادات المتأتية منها”.

ويشير إلى أن “الأزمة أثبتت حاجة العراق إلى منافذ تصدير بديلة وتخزين مالي قادر على امتصاص الصدمات، إلى جانب اتباع سياسة حكيمة في التعامل مع الأزمة”.

ويردف، أن “تقليص اعتماد الدولة على النفط لا يمكن تحقيقه من دون إصلاح الضرائب والكمارك ومنافذ التجارة، فضلاً عن تهيئة الصناعة والزراعة والقطاع الخاص الذي يعده الرافد الأكبر، وتحقيق ذلك يمكن أن يسهم في معالجة الكثير من المشكلات”.

ويشدد عيد على “ضرورة إعطاء الأولوية للحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية، مع حماية المشاريع الاستثمارية المنتجة وعدم التضحية بها بالكامل لصالح الإنفاق الجاري”.

وبرز ملف حصة إقليم كردستان بوصفه أحد محاور النقاش المبكر، إذ أعلنت حكومة الإقليم رفضها اعتماد نسبة 12.67 بالمئة في موازنة 2027، وطالبت برفعها إلى 14 بالمئة استناداً إلى نتائج التعداد السكاني، إلى جانب ضمان رواتب موظفي الإقليم وفصلها عن الخلافات السياسية.

وبذلك، تصل موازنة 2027 إلى طاولة القرار محملة بملفين متوازيين: موارد نفطية تواجه متغيرات يصعب ضمانها، واستحقاقات داخلية تتطلب اتفاقاً سياسياً ومالياً مبكراً، لتصبح المعضلة أبعد من صياغة أرقام جديدة إلى كيفية بناء موازنة تستطيع الصمود أمام عام غير مستقر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى