الصحافة الإيرانية: لماذا تتجنب أمريكا الدخول في صراع مع الحوثيين؟
يعني فتح جبهة ثانية في البحر الأحمر أن على الولايات المتحدة مراقبة اثنين من أهم ممرات الطاقة في العالم في الوقت نفسه، وهو أمر يتجاوز عمليًا قدراتها العملياتية واللوجستية.
ميدل ايست نيوز: تعود أسباب إحجام واشنطن عن الدخول المباشر في حرب مع أنصار الله إلى القيود العسكرية والاقتصادية، والاعتبارات الانتخابية، والمخاوف من اتساع نطاق الأزمة في اثنين من أهم ممرات الطاقة.
يقول حميد خوش آيند، الخبير في شؤون المنطقة، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: شهدت الأسابيع الأخيرة تقدمًا سريعًا لقوات أنصار الله في اليمن، إذ تمكنت من السيطرة على ميناء المخا وجزيرة ميون، وباتت عمليًا تفرض سيطرتها على مضيق باب المندب. ووفقًا لتقارير منشورة، أجرى ولي العهد السعودي اتصالين بالبيت الأبيض، أولهما لإبلاغه بسقوط المخا، والثاني للضغط من أجل شن غارات جوية أمريكية، إلا أن ترامب رفض ذلك.
ويطرح ذلك سؤالًا مفاده لماذا تتجنب الولايات المتحدة، التي تدعي امتلاك أقوى جيش في العالم، مواجهة المقاومة اليمنية بشكل مباشر؟ ينبغي البحث عن الإجابة في تداخل مجموعة من العوامل الاستراتيجية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والإقليمية. فالأوضاع الميدانية، والتطورات شديدة التعقيد في المنطقة، والاعتبارات الاقتصادية الداخلية للولايات المتحدة، وتراجع مخزونات الأسلحة، إلى جانب عوامل أخرى متعددة، لا تسمح لواشنطن في الوقت الراهن بالدخول في مواجهة مباشرة مع المقاومة اليمنية.
معضلة القتال على جبهتين
يتمثل السبب الأول، وربما الأهم، في محدودية الموارد العسكرية الأمريكية نتيجة الحرب مع إيران. وفي سبتمبر/أيلول 2026، دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران شهرها السابع، ولا يزال مضيق هرمز، شريانًا حيويًا يمر عبره نحو خُمس نفط العالم، مغلقًا أو شديد الخطورة. وتركز واشنطن جزءًا كبيرًا من قدراتها العسكرية الجوية والبحرية في الخليج.
وفي مثل هذه الظروف، يعني فتح جبهة ثانية في البحر الأحمر أن على الولايات المتحدة مراقبة اثنين من أهم ممرات الطاقة في العالم في الوقت نفسه، وهو أمر يتجاوز عمليًا قدراتها العملياتية واللوجستية. وقد أعلن ترامب صراحة أن أولويته تتمثل في الحفاظ على القدرة على احتواء إيران، ولم يبدِ استعدادًا لاستخدام موارده المحدودة في اليمن.
المأزق السياسي الداخلي
يتمثل العامل الثاني في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026. ومع سيطرة أنصار الله على باب المندب وتحكمهم بحركة الملاحة في البحر الأحمر، ارتفع سعر النفط عالميًا إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، ما أدى إلى عودة أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى الارتفاع. وقد خلق هذا الوضع مسارًا خطيرًا بالنسبة إلى الجمهوريين عشية الانتخابات.
فمن جهة، إذا دخلت الولايات المتحدة الحرب بشكل مباشر، فإن خطر سقوط قتلى في صفوف قواتها قد يعزز موجة مناهضة للحرب داخل البلاد. ومن جهة أخرى، إذا أغلق أنصار الله باب المندب بالكامل، فسيتعطل نحو 7% من إمدادات النفط و12% من التجارة العالمية، ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار مجددًا.
ويريد ترامب إدارة الوضع قبل الانتخابات، لا خوض حرب جديدة من شأنها تقليص فرص الجمهوريين. وقد قال حتى إنه يتوقع انتهاء الحرب مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، ولذلك يستند منطقه السياسي إلى منع أي تصعيد للتوتر قبل التصويت. وإضافة إلى ذلك، فإن التضخم، وعجز الموازنة، وإرهاق الرأي العام من الحروب الطويلة، والمخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة مجددًا، كلها عوامل تحد من قدرة المشهد السياسي الأمريكي على تحمل مغامرة عسكرية جديدة.
التفوق غير المتكافئ لأنصار الله
يتمثل السبب الثالث في التجربة غير الناجحة للغارات الجوية السابقة على أنصار الله. فقد أظهرت عمليات القصف في عام 2024 أن احتواء أنصار الله أمر شبه مستحيل. ومن دون قوات برية، وهو خيار ينطوي بدوره على تكاليف وتداعيات وتعقيدات كبيرة، لا تؤدي الغارات الجوية سوى إلى إلحاق أضرار وتكبيد تكاليف، من دون أن تتمكن من استعادة الأراضي التي فقدت السيطرة عليها.
كما أطلق أنصار الله مرارًا صواريخ مضادة للسفن باتجاه القطع البحرية الأمريكية، وتمكنوا من استنزاف جزء من اهتمام وموارد البحرية الأمريكية. وتحولت المقاومة اليمنية خلال سنوات الحرب إلى قوة فعالة غير متكافئة، قادرة على إشغال الخصم بتكلفة منخفضة.
تعقيدات الدعم الإيراني للمقاومة اليمنية
يتمثل العامل الرابع في تعقيد العلاقة بين إيران والمقاومة اليمنية. وعلى الرغم من أن دعم أنصار الله والمقاومة اليمنية ومساندتها يشكلان جزءًا ثابتًا من استراتيجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن أنصار الله يمتلك أهدافه وأولوياته وآليات اتخاذ قراره المستقلة. وبالتالي، لا يمكن اعتبار أنصار الله أداة خاضعة لسيطرة إيران، كما لا يمكن توقع أن يؤدي الضغط على طهران تلقائيًا إلى إزالة تهديد أنصار الله.
وبالمثل، فإن توجيه ضربات إلى أنصار الله لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير حسابات طهران. ويجعل هذا التباين المعادلة غامضة ومحفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى جميع الأطراف. فمن جهة، تتشتت انتباه وموارد اللاعبين الإقليميين والدوليين بين ممرّي الطاقة الحساسين، أي هرمز وباب المندب، ومن جهة أخرى، لا يمكن لأي طرف أن يضمن بقاء أي عمل عسكري محصورًا في الجبهة نفسها.
وهنا، يمكن أن يؤدي دخول الولايات المتحدة بشكل مباشر في مواجهة مع أنصار الله إلى اتساع نطاق عدم الاستقرار، وزيادة التكاليف الاقتصادية العالمية، وفتح جبهة جديدة في خضم القيود التسليحية والاقتصادية التي تواجهها واشنطن. وبالتالي، فإن تجنب المواجهة المباشرة يعكس تعقيد المشهدين الميداني والإقليمي، وغياب أي ضمانات للسيطرة على تداعياتها.
وفي نهاية المطاف، تتمثل الحقيقة في أن تداخل الأوضاع الميدانية غير المتوازنة، والتطورات شديدة التعقيد في المنطقة، والاعتبارات الاقتصادية الداخلية للولايات المتحدة، وتراجع مخزونات الأسلحة، لا يسمح للولايات المتحدة في الوقت الراهن بالدخول في مواجهة مباشرة مع المقاومة اليمنية. ولذلك، فإن المسار الأكثر ترجيحًا لواشنطن سيتمثل في مواصلة إدارة الأزمة عبر أدوات غير مباشرة، وتجنب فتح جبهة ثانية، ومحاولة منع امتداد التوتر إلى مضيقي الطاقة الحيويين.



