الحصار البحري الأمريكي: كيف تغيّر إيران مسارات تجارتها؟

أشارت تقارير دولية إلى أن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز زاد من أهمية موانئ بحر قزوين، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الموانئ الواقعة على الساحل الجنوبي.

ميدل ايست نيوز: مع إغلاق المسارات البحرية الإيرانية في مياه الخليج، بدأت طهران في اللجوء إلى طرق بديلة لمواصلة عمليات الاستيراد والتجارة، من بينها الموانئ الشمالية على بحر قزوين والحدود البرية مع الدول المجاورة. إلا أن هذا التحول في مسارات التجارة يأتي بتكاليف مرتفعة ويواجه تحديات كبيرة.

وبحسب خبراء ومصادر تجارية، يمكن لهذه المسارات الحفاظ على جزء من تدفق السلع، لكنها في الظروف الحالية لا تمتلك القدرة اللازمة لتحل بالكامل محل شبكة الموانئ الجنوبية الإيرانية.

تظهر المعطيات التي رصدها ميدل ايست نيوز منذ أواخر فبراير الماضي حتى تاريخ نشر هذا التقرير، أن بحر قزوين اكتسب أهمية أكبر بالنسبة إلى إيران. فهذا المسطح المائي المغلق، خلافًا للمياه الجنوبية لإيران، لا يقع بشكل مباشر في نطاق وجود القوات البحرية الأمريكية، كما يتيح الوصول إلى روسيا وشبكة النقل الشمالية. كذلك تواجه الملاحة في بحر قزوين قيودًا عسكرية أقل مقارنة بالمسارات البحرية الجنوبية.

وأعلنت شركة «ويندوارد» لتحليل البيانات البحرية أن عدد ناقلات النفط وسفن الشحن الروسية قبالة السواحل الإيرانية ارتفع بنسبة 13 في المئة، من 208 إلى 235 سفينة، خلال 164 يومًا من بدء الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026. وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد السفن الإيرانية في المياه الروسية بنسبة 7 في المئة، من 142 إلى 152 سفينة.

أكثر من 30 في المئة من الواردات عبر الموانئ الشمالية

يتزامن هذا الارتفاع مع تصريحات مسؤولين إيرانيين بشأن تحويل جزء من تجارة البلاد من المحيط الهندي إلى المسارات الروسية وبحر قزوين.

وكان مسؤول التجارة في وزارة الجهاد الزراعي الإيرانية قد قال في 21 يوليو/تموز، لوكالة «إرنا»، إن أكثر من 30 في المئة من واردات إيران تمر عبر الموانئ الشمالية. وتشكل السلع الزراعية جزءًا مهمًا من هذه الواردات، ومن بينها الحبوب والبذور الزيتية، مثل القمح والشعير العلفي والذرة العلفية، التي تدخل البلاد عبر المسارات الشمالية.

كما أشارت تقارير حديثة، نقلًا عن مسؤولين إيرانيين، إلى ارتفاع حجم ترانزيت السلع عبر بحر قزوين بنحو 70 في المئة خلال الأشهر الخمسة الماضية. وتستورد إيران عبر هذا المسار كميات كبيرة من القمح والذرة وزيت الطعام من روسيا.

بحر قزوين وتعزيز الترسانة العسكرية الإيرانية من روسيا

لكن هذا المسار البحري لا يُستخدم فقط لنقل القمح وزيت دوار الشمس أو الأعلاف. ووفق تحقيق نشرته شبكة «إن بي سي» الأمريكية في 18 أغسطس/آب، أرسلت روسيا إلى إيران عبر بحر قزوين أجزاءً للطائرات المسيّرة ومواد متفجرة بهدف تعزيز ترسانتها العسكرية.

كما أفادت «فايننشال تايمز»، استنادًا إلى مراسلات روسية مسرّبة، بأن روسيا ساعدت إيران سرًا في تطوير صواريخ كروز فرط صوتية متقدمة، في عملية وصفتها الصحيفة بأنها واحدة من أبرز عمليات نقل التكنولوجيا العسكرية الاستراتيجية المعروفة من موسكو إلى طهران.

ارتفاع تكلفة استيراد السلع الأساسية

لكن تحويل التجارة الإيرانية نحو الشمال لا يعني انتقالها من دون تكلفة. وكانت تصريحات إيرانية سابقة قد أشارت إلى عدم وجود مشكلة خطيرة في تأمين السلع الأساسية، إلا أن الحرب واضطراب طرق التجارة والعقوبات أثرت في أسعار هذه السلع.

وبحسب هذه التصريحات، فإن ارتفاع الأسعار العالمية لبعض السلع الأساسية، إلى جانب زيادة تكاليف النقل وارتفاع المخاطر التي يتحملها المستوردون، ينعكس في نهاية المطاف على أسعار المستهلكين.

كما أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بارتفاع تكاليف النقل، مشيرة إلى أن التكاليف الناجمة عن تغيير المسارات والاختناقات البرية يمكن، في بعض الحالات، أن تصل إلى ثلث سعر السلع العادية بعد وصولها إلى طهران.

وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات مركز الإحصاء الإيراني أن التضخم النقطي في مجموعة الأغذية والمشروبات والتبغ بلغ نحو 128 في المئة في أغسطس/آب 2026.

بحر قزوين لا يستطيع أن يحل محل الموانئ الجنوبية

وعلى الرغم من تزايد أهمية الموانئ الشمالية، فإن قدرة بحر قزوين لا يمكن مقارنتها بشبكة الموانئ الجنوبية الإيرانية.

وأفادت «فايننشال تايمز» بأن أكثر من 80 في المئة من حجم التجارة الإيرانية، أي ما يعادل نحو 180 مليون طن سنويًا، كان يُنقل قبل الحرب عبر البحر والموانئ الجنوبية. وأكدت الصحيفة أن حتى الزيادة الكبيرة في قدرات المسارات البرية وبحر قزوين لن تكون كافية لتحل بالكامل محل هذه الشبكة.

كما أشارت تقارير دولية إلى أن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز زاد من أهمية موانئ بحر قزوين، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الموانئ الواقعة على الساحل الجنوبي.

انخفاض مستوى مياه قزوين 30 سنتيمترًا سنويًا

وفي الوقت نفسه، تبرز مشكلة أخرى أمام التوسع في استخدام بحر قزوين، تتمثل في انخفاض مستوى مياهه.

وتشير معطيات وتقارير إلى أن مستوى المياه في بعض المناطق انخفض، منذ عام 2020، بمعدل يقارب 30 سنتيمترًا سنويًا، وهو اتجاه يمكن أن يعرّض نشاط بعض الموانئ لمشكلات أكبر خلال السنوات المقبلة.

ويحتاج توسيع التجارة عبر بحر قزوين إلى تحسين البنية التحتية للموانئ، وتوفير أسطول مناسب للمياه الضحلة، وإنشاء خطوط ملاحية منتظمة.

قزوين؛ جزء من مسار تجاري أوسع

لا تقتصر الأهمية المتزايدة لبحر قزوين على التجارة بين إيران وروسيا. فقد تحول البحر خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من «الممر الأوسط»، وهو مسار يربط آسيا بأوروبا عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين والقوقاز الجنوبي وتركيا، بما يتيح تجاوز الأراضي الروسية.

وبحسب تقرير لـ«لوموند»، ارتفع حجم البضائع المنقولة عبر هذا الممر خلال أربع سنوات من 1.5 مليون طن إلى 6 ملايين طن. ومع ذلك، لا يزال هذا الحجم أقل بنحو 30 إلى 40 مرة من حجم التجارة المنقولة عبر المسار التقليدي الذي يمر بروسيا.

وفي الوقت نفسه، تزايدت الاستثمارات في البنية التحتية لهذا المسار. فقد ارتفعت حركة الحاويات في ميناء أكتاو الكازاخستاني بنسبة 121 في المئة خلال عام 2025، فيما خصص البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية 35 مليون يورو لتحديث الميناء.

وتشير هذه التطورات إلى أن بحر قزوين لا يمثل مجرد مسار طارئ بالنسبة إلى إيران، بل تتزايد أهميته التجارية على المستوى الإقليمي أيضًا.

اعتماد إيران المتزايد على روسيا

يحمل تزايد استخدام إيران لمسار بحر قزوين تداعيات جيوسياسية أخرى، من بينها زيادة الدور الروسي في التجارة الإيرانية.

وفي 17 يناير/كانون الثاني 2025، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان معاهدة شراكة استراتيجية شاملة تمتد 20 عامًا بين البلدين، وتشمل أيضًا التعاون الدفاعي والأمني.

وتشير تحليلات وتقارير إلى أن إيران قدمت لسنوات دعمًا عسكريًا لروسيا، إلا أن مسار التعاون العسكري بدأ منذ مطلع عام 2026 يشهد زيادة في الاتجاه المعاكس أيضًا. ولم تعد روسيا تستخدم بحر قزوين لإرسال السلع التجارية إلى إيران فحسب.

وفي تحقيق نشرته «إن بي سي» في 18 أغسطس/آب، استنادًا إلى وثيقة حكومية أوروبية ومسؤول غربي، أفادت الشبكة بأن روسيا نقلت إلى إيران عبر بحر قزوين أجزاءً للطائرات المسيّرة ومواد متفجرة وذخائر.

كما ذكرت «فايننشال تايمز»، في تحقيق استند إلى مراسلات مسرّبة وسجلات سفر ووثائق براءات اختراع، أن روسيا قدمت سرًا مساعدات لإيران في تطوير تكنولوجيا صواريخ كروز فرط صوتية.

لكن هذه العلاقة ليست في اتجاه واحد. فزيادة استخدام إيران لبحر قزوين تتزامن مع تنامي أهمية هذا البحر في التجارة الإقليمية الروسية.

وتشير «لوموند» إلى أن مسارات بحر قزوين تزداد أهمية، إلى جانب التجارة الإيرانية الروسية، بالنسبة إلى دول آسيا الوسطى التي تسعى إلى نقل نفطها ومواردها المعدنية إلى أسواق أخرى من دون المرور بالأراضي الروسية.

التجارة البرية؛ مسار ثانٍ لكنه مرتفع التكلفة

إلى جانب بحر قزوين، تحاول إيران نقل جزء من تجارتها عبر الحدود البرية مع تركيا وباكستان وتركمانستان وأفغانستان، إلا أن هذه المسارات تواجه بدورها اختناقات كبيرة.

وأفادت «فايننشال تايمز» بأن واردات إيران عبر معبر غوربولاغ مع تركيا ارتفعت بنحو 250 في المئة خلال الأشهر الخمسة المنتهية في أغسطس/آب 2026. كما ارتفعت التجارة الثنائية بين إيران وتركيا بنسبة 19 في المئة خلال النصف الأول من العام، لتصل إلى 3.2 مليار دولار.

لكن ارتفاع حجم التجارة ترافق مع طوابير طويلة من الشاحنات ومشكلات جمركية.

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن نحو 3700 شاحنة كانت عالقة في إحدى الفترات على الجانب الإيراني من الحدود مع تركيا، فيما ارتفع وقت الانتظار للعبور إلى نحو 20 يومًا. كما توقفت مئات الشاحنات عند الحدود مع باكستان، وسُجلت مشكلات مماثلة عند الحدود مع أفغانستان وتركمانستان.

ارتفاع تكلفة النقل من الصين أربعة أضعاف

وتنعكس هذه المشكلات بصورة مباشرة على تكلفة الواردات أيضًا. وتشير تقديرات تجارية إلى أن نقل حاوية واحدة من الصين إلى إيران عبر الطريق البري يكلف نحو 12 ألف دولار، مقابل نحو 3 آلاف دولار للنقل البحري، أي ما يقارب أربعة أضعاف التكلفة.

كما تشير تقديرات إلى أن اضطراب النقل البحري يمكن أن يفرض على التجارة الإيرانية تكاليف إضافية تبلغ نحو 18 مليار دولار سنويًا.

وهذه الأرقام تبقى تقديرات وليست أسعارًا رسمية أو تقييمًا نهائيًا للخسائر الاقتصادية.

وتظهر البيانات والتقارير الأخيرة أن إيران تمكنت من تحويل جزء من تدفق تجارتها من المسارات الجنوبية باتجاه بحر قزوين وروسيا والحدود البرية.

لكن هذا التحول يواجه ثلاثة قيود رئيسية: انخفاض قدرة المسارات الشمالية مقارنة بالموانئ الجنوبية، وارتفاع تكاليف النقل، والاختناقات الحدودية والبنية التحتية.

وإلى جانب هذه التحديات، يمكن أن يؤدي انخفاض مستوى مياه بحر قزوين وتزايد الدور الروسي في مسارات التجارة الإيرانية إلى خلق تحديات جديدة على المدى المتوسط.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى