من باكستان إلى العراق.. هل تُحاصر إيران عبر منافذها الحدودية؟

يكتسب إغلاق المعابر البرية في إيران دلالة تتجاوز مجرد قرار إداري. فإذا تعرضت الطرق البرية والبحرية والجوية للقيود في الوقت نفسه، فستواجه البلاد وضعاً يصفه بعض الخبراء بأنه «حصار متعدد الطبقات».

ميدل ايست نيوز: في وقت تكافح فيه إيران تداعيات الحرب والعقوبات والقيود البحرية والجوية، تبرز مؤشرات جديدة على تشديد الخناق الاقتصادي المفروض على إيران. بدأت السلسلة من باكستان، والآن وصلت إلى العراق، مع إغلاق المنافذ الحدودية تباعاً، ما يزيد المخاوف من تفاقم الأوضاع المعيشية للسكان.

يقول موقع رويداد24 الإيراني في تقرير، إنه لم تكن تداعيات الحرب والضغوط المعيشية كافية، حتى جاء الحصار الاقتصادي ليضيف عبئاً جديداً على كاهل المواطنين. فقد شهدت الأشهر الأخيرة قيوداً بحرية وجوية، ويبدو أن الأمر وصل الآن إلى الحصار البري، في تطور يعزز التكهنات بدخول البلاد مرحلة جديدة من العزلة الجيوسياسية.

بدأت أحدث حلقات هذه السلسلة من العراق. فقد أفادت مصادر حكومية عراقية، نقلت وسائل إعلام بينها قناة «الجزيرة» تصريحاتها، بأن رئيس الوزراء العراقي أصدر أمراً بإغلاق منفذ الشيب الحدودي، المعروف باسم منفذ جذابة على الجانب الإيراني، مع إغلاق تدريجي لبقية المنافذ الحدودية مع إيران. ولم تقدم بغداد حتى الآن توضيحاً رسمياً شاملاً لأسباب القرار، لكن التقارير تشير إلى أن تنفيذه بدأ اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، وأنه يشمل حركة المسافرين والبضائع.

يأتي هذا التطور في وقت لا تبدو فيه الأوضاع على الحدود الشرقية للبلاد مختلفة كثيراً. فعلى الرغم من تصريحات المسؤولين الباكستانيين، ومن بينهم عاصم منير الذي زار طهران أمس، بشأن حل المشكلات الحدودية، تشير تقارير منشورة في وسائل إعلام إيرانية وباكستانية إلى استمرار القيود على المعابر الحدودية الرئيسية، وعدم استئناف حركة التجارة بصورة طبيعية. حتى وسائل الإعلام الباكستانية تحدثت عن توقف التجارة عبر معبري تفتان وغبد ـ رمدان، وتكدس آلاف الشاحنات على جانبي الحدود.

دول الجوار باتت أكثر حذراً

لا يمكن تحليل إغلاق الحدود بمعزل عن تطورات الحرب الأخيرة وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. فمنذ الحرب، تسعى دول مجاورة عديدة إلى تقليل كلفة مواجهة العقوبات الأمريكية الثانوية أو الانجرار إلى التوترات الإقليمية. وفي ظل هذه الظروف، باتت العلاقات الاقتصادية مع إيران أكثر تأثراً من أي وقت مضى بالاعتبارات الأمنية والسياسية.

قد تبدو هذه التطورات، إذا نُظر إلى كل منها على حدة، قرارات مؤقتة أو ناجمة عن مسائل فنية وأمنية. لكن دلالاتها الحقيقية تتضح عند وضعها في سياق واحد.

واجهت إيران خلال الأشهر الأخيرة قيوداً غير مسبوقة على النقل البحري. ويرى كثير من المحللين الدوليين أن الضغوط المفروضة على المسارات البحرية الإيرانية، ولا سيما في جنوب البلاد، زادت أهمية الحدود البرية بالنسبة إلى التجارة الخارجية. بل أشارت بعض التقارير صراحة إلى أن المسارات البرية عبر العراق وباكستان تحولت، بعد فرض القيود البحرية، إلى أحد الطرق الرئيسية للحفاظ على تدفق التجارة الإيرانية.

والآن، فإن إغلاق هذه المسارات البديلة نفسها يضاعف حجم المشكلة. قد يتمكن الاقتصاد الإيراني لفترة قصيرة من تعويض جزء من الضغوط عبر استخدام طرق أخرى، لكن استمرار هذا الاتجاه سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتراجع القدرة التصديرية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق الإقليمية.

ومن المهم الإشارة إلى أن العراق وباكستان ليسا مجرد دولتين جارتين لإيران. فالعراق أحد أكبر الأسواق المستقبلة للصادرات الإيرانية، فيما تمثل باكستان أحد المسارات الرئيسية للعبور التجاري في شرق البلاد. ولذلك، فإن تعطل هذين المسارين في الوقت نفسه ستكون له تداعيات تتجاوز مجرد مشكلة حدودية.

بعد البحر والجو، هل جاء دور البر؟

إلى جانب الحدود البرية، لا تزال القيود المفروضة على النقل الجوي والبحري قائمة. وقد أظهرت الحرب الأخيرة أن مواطن ضعف الاقتصاد الإيراني لا تقتصر على العقوبات المالية. فالقيود على الرحلات الجوية، وارتفاع مخاطر الملاحة البحرية، وصعوبة الوصول إلى الموانئ، والضغوط على طرق العبور، جعلت الجغرافيا الاقتصادية لإيران نفسها أحد الميادين الرئيسية للصراع.

خفضت شركات نقل دولية عديدة أنشطتها المرتبطة بإيران خلال الأشهر الماضية، فيما ارتفعت تكاليف التأمين والشحن ونقل البضائع بصورة ملحوظة. وتشير تقارير تحليلية نشرتها مراكز أبحاث ووسائل إعلام دولية إلى أن الضغط على المسارات البحرية لا يزال يُعد أحد الأدوات الرئيسية لاحتواء الاقتصاد الإيراني.

في هذه الظروف، يكتسب إغلاق المعابر البرية دلالة تتجاوز مجرد قرار إداري. فإذا تعرضت الطرق البرية والبحرية والجوية للقيود في الوقت نفسه، فستواجه البلاد وضعاً يصفه بعض الخبراء بأنه «حصار متعدد الطبقات». ولا يعني ذلك بالضرورة إغلاق جميع المنافذ بصورة كاملة، لكنه يرفع تكلفة التواصل مع العالم إلى مستوى لا تختلف آثاره الاقتصادية كثيراً عن آثار الحصار الفعلي.

الأمر لا يقتصر على مشكلة حدودية

ربما لا يكمن الخطر الأكبر في إغلاق معبر واحد أو توقف تبادل السلع لبضعة أيام، بل في تحول هذه الإجراءات إلى أمر معتاد. فقد أظهرت تجربة العقوبات السابقة أن الاقتصاد الإيراني قادر على التكيف مع كثير من القيود، لكن تراكم الضغوط ينعكس في نهاية المطاف على النمو الاقتصادي والتضخم والاستثمار والأوضاع المعيشية للمواطنين.

 

من ناحية أخرى، قد تترتب على استمرار هذا الوضع تداعيات سياسية أيضاً. فعندما يتجه جيران إيران المقربون إلى تقليص حركة العبور والتواصل عبر الحدود، تصل إلى الأسواق والجهات الاقتصادية الإقليمية رسالة مفادها أن مخاطر التعامل التجاري مع إيران آخذة في الارتفاع. وقد يضر هذا التصور بالتجارة الخارجية للبلاد، حتى بدرجة أكبر من القيود المادية نفسها.

إلى أين ينتهي هذا المسار؟

لا يمكن الجزم في الوقت الراهن بأن قراري العراق وباكستان سيشكلان سياسة مستدامة. فقد تحدث مسؤولون باكستانيون عن الطابع المؤقت للقيود، فيما لم تقدم بغداد حتى الآن توضيحاً رسمياً شاملاً.

لكن هذه القرارات لم تحدث في فراغ. فمنذ تصاعد التوترات الإقليمية واندلاع الحرب خلال الأشهر الأخيرة، تحدثت الحكومة الأمريكية علناً عن سياسة تهدف إلى زيادة الضغوط الاقتصادية وتقييد المسارات التجارية الإيرانية. ورغم عدم وجود تأكيد رسمي حتى الآن على ارتباط مباشر بين قرار بغداد وهذه الضغوط، فإن تزامن التطورات مع مساعي واشنطن لتشديد القيود على الشبكات التجارية وشبكات العبور الإيرانية عزز التكهنات بوجود ضغوط سياسية تتجاوز الاعتبارات الحدودية.

مع ذلك، لا يمكن اعتبار مجمل التطورات الأخيرة مجرد أحداث عابرة. فتزامن القيود البرية مع الضغوط البحرية والجوية يشير إلى دخول الأزمة مرحلة جديدة، لم تعد القضية الأساسية فيها تقتصر على العقوبات، بل باتت تشمل قدرة إيران على الوصول إلى شبكات التجارة والعبور الإقليمية.

إذا لم يحدث انفراج في العلاقات الخارجية والروابط الإقليمية خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، فقد يتحول إغلاق الحدود من خبر يومي إلى مؤشر على تغير موازين القوى الجيوسياسية المحيطة بإيران، وهو تغير ستظهر آثاره بصورة أكبر على موائد المواطنين وفي قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى