“لا أخشى الموت”.. قصة ملهمة لإيرانية واجهت السرطان 8 مرات
"يجب ألا ننسى أن الحياة هدية، لكن ما يقلقني اليوم ليس الموت، بل أن تفقد مصابة أملها بالشفاء ليس لسبب سوى أن الدواء لم يصل في وقته"
ميدل ايست نيوز: في شقة صغيرة وسط العاصمة الإيرانية طهران، تقف الخمسينية ليندا برنجي أمام المرآة وتنظر إلى رأسها الأملس بعد أن تساقط شعرها كله جراء تلقيها جرعات العلاج الكيميائي، فلم تحزن لخسارته، وبدلا من ذلك تلتفت إلى زوجها محسن، فأمسكت مشطا وبدأت تمشط شعر رأسه، وتقول: “إذا أخذ المرض مني شعري انتقمت منه بالعناية بشعر رفيق الدرب”.
لم يكن هذا المشهد سوى فصل قصير جدا من حكاية طويلة بدأت قبل نحو 21 عاما، حين كانت ليندا في الـ٣٢ من عمرها، معلمة للغة العربية، ومتزوجة منذ عام واحد، لكنها ما زالت تحمل في جسدها ذاكرة ٨ إصابات بالسرطان، وبعددها معارك مع العلاج، ثم عودات إلى الحياة.
تروي ليندا معاناتها مع سرطان الثدي مستذكرة الكتلة الصغيرة التي شعرت بها عام 2005 في ثديها الأيسر، لكنها لم تعرها اهتماما حتى إن وزنها بدأ ينخفض دون سبب، فظنت هي ومن حولها أن مرده إلى النشاط الزائد، وعندما ذهبت أخيرا إلى الطبيب كانت الكتلة قد كبرت وكان المرض قد انتقل إلى الأنسجة المجاورة.
صدمة قاسية
ومضت تروي: “كانت صدمة التشخيص قاسية، لكنني عدت إلى البيت وشرعت في الرقص وتحريك خصلات شعري في الهواء، فظن البعض أنني فقدت عقلي، فقلت لهم إنه مع بدء رحلة العلاج لن أستطيع القيام بالكثير من الأمور، فدعوني وشأني لكي أرقص بقدر المستطاع بدلا من البكاء”.
لكن الأقسى كان ما سمعته ليندا ذات مرة من أحد الأطباء بأنها لن تعيش سوى أيام معدودة، لكنها رفضت أن تكتب نهايتها على لسان أحد، قائلة: “لم أعد مستعدة لأن أسمح لرقم أو توقع أن يقرر مصيري”، فقررت أن تخوض معركة الإرادة رغم الضربات الموجعة التي كانت تسدد لجسمها مع كل جرعة كيميائية تتلقاها.
وبعد مضي ٤ سنوات على الشفاء الأول، عاد المرض من جديد مصوبا سهامه نحو الغدد الليمفاوية، فخضعت من جديد لجراحة وعلاج إشعاعي، لكنها كانت قد تعلمت الكشف المبكر وعادت إلى الحياة بسرعة. وتكرر الأمر بعد ٣ سنوات حين انتشر السرطان إلى الرئة، وهنا فقد الطبيب أمله وكان صريحا: “لم يعد لدينا ما نفعله، ولا يمكن التعويل كثيرا على العلاج”، لكنها لم تستسلم، فحدث ما وصفته بأنه “خارج حسابات العلم”.
ثم تصمت قليلا قبل أن تواصل: “كان من الممكن أن أموت مع تلقي الجرعة الأولى من العلاج، لكنني عشت بعدها 20 عاما، وأعتبر كل هذه السنوات هدية وفرصة قيمة كان يمكن ألا تكون”، وبعد الرئة انتشر المرض إلى ثديها الثاني وأعضاء أخرى ٥ مرات، حتى صارت تعرف من تغير رائحة جسمها أن المرض عاد قبل أن يؤكده الأطباء، مؤكدة أن سرطان الثدي وراثي في عائلتها، وأن الصدمات الكبيرة -سواء كانت حزنا عميقا أو فرحا هائلا- تؤثر في مساره.

معركة العلاج
لكن المعركة لم تكن فقط مع الخلايا السرطانية، بل مع الوصول إلى الدواء؛ إذ تتذكر الأيام الأولى من إصابتها حين كانت بعض أصناف الأدوية المستوردة تختفي أحيانا من صيدليات طهران، فيضطر ذوو المرضى إلى البحث عنها في مدن أو محافظات أخرى، أو استيرادها من الخارج، إلى أن بدأت الشركات الإيرانية بحلول عام 2013 استيراد المواد الأولية وتصنيعها محليا، فصار الدواء متوفرا بشكل دائم.
بيد أنه إثر تشديد العقوبات منذ عامين بدأت الأدوية تغيب عن الصيدليات، وفق برنجي، التي أكدت أنه عقب فرض الحصار البحري والجوي مؤخرا، وقطع إمدادات المواد الأولية، صار تأمين الدواء صعبا جدا، مضيفة أن “المشكلة ليست فقط في عدم توفر الدواء، بل في عدم وصوله في الوقت المناسب”، والأدهى هو أن باب الاستيراد الفردي من الخارج أُغلق منذ أشهر بسبب الحصار.
وإذ تشير إلى أن الأسعار تضاعفت عدة مرات، وأن تكلفة الفحوصات والتصوير الإشعاعي ارتفعت أكثر من ٥ أضعاف خلال عامين فقط، تصف ليندا واقع المرضى تحت الحصار في بلادها هذه الأيام بجملة واحدة: “صراع غير متكافئ بين أجسام الأبرياء والخلايا السرطانية”.
الأكثر شيوعا
ليست حكاية ليندا سوى نافذة صغيرة على مشهد أوسع في إيران، فسرطان الثدي في هذا البلد ليس قصة فردية، بل ملف صحي واجتماعي كبير تتقاطع فيه أرقام الإصابات مع برامج الكشف المبكر، وتتشابك فيه معاناة المصابات مع العقوبات والحصار وارتفاع تكاليف العلاج.
من جانبه، يقدم المتحدث السابق باسم وزارة الصحة الإيرانية كيانوش جهانبور قراءة لواقع المرض والبرامج الوطنية والتحديات التي تواجهها المنظومة الصحية في بلاده، معتبرا سرطان الثدي من أكثر أنواع هذا المرض شيوعا، ومؤكدا أن وزارة الصحة تنفذ منذ نحو عقدين خطة وطنية للكشف المبكر على جميع مستويات شبكة الرعاية الصحية في الأرياف والمدن.
وفي حديثه للجزيرة نت، يكشف جهانبور أن نسبة التغطية المسجلة في السجلات الإلكترونية تبلغ نحو 25%، لكنه يستدرك بأن التغطية الحقيقية أعلى من ذلك؛ لأن كثيرا من الناس يجرون فحوصات الكشف المبكر في القطاع الخاص خارج المنظومة الحكومية، مؤكدا إطلاق حملات تعليمية وتشخيصية دورية، إلى جانب حملات التوعية بالرعاية الذاتية والتجهيز المستمر لمراكز التشخيص والعلاج على جميع المستويات.
ويشير إلى أن سرطان الثدي في إيران يظهر قبل معدل العمر العالمي بنحو عقد كامل، مضيفا أن البيانات الوطنية تظهر تزايدا مستمرا في عدد الحالات المكتشفة خلال السنوات الماضية، وهو تزايد تعكسه عوامل متعددة، بعضها مرتبط بزيادة الوعي والكشف المبكر، والبعض الآخر مرتبط بالتحولات الصحية والاجتماعية وأسلوب الحياة والتلوث وعوامل أخرى.

العقوبات والحصار
ويوضح جهانبور أن البرنامج الوطني للكشف المبكر يستهدف النساء من سن 30 إلى 69 عاما، وأن المستوى الأول منه مجاني، بينما تتحمل المصابة جزءا من الكلفة في المراحل التالية من العلاج، كما يكشف عن إصابة نحو 19 ألف إيرانية بسرطان الثدي سنويا، ما يعادل إصابة واحدة كل 28 دقيقة تقريبا.
وتابع جهانبور أنه مع تشديد العقوبات خلال السنوات الأخيرة، لا سيما عقب فرض الحصار البحري مؤخرا، تواجه بلاده ضغوطا كبيرة في استيراد المواد الأولية للعلاج ومستلزمات الطب النووي والعلاج الإشعاعي، ناهيك عن الارتفاع الهائل في الكلفة؛ إذ تضاعفت النفقات المتعلقة بوصول الأجهزة العلاجية والتشخيصية، ما يجعل الحصول على تقنيات التشخيص والعلاج أمرا باهظا يهدد اقتصاد الأسرة واستمرار مسار العلاج وصحة بقية أفرادها.
وانطلاقا من التحديات التي أشار إليها جهانبور، توضح ليندا أنها تحولت بعد مرضها إلى ناشطة توعوية، فراحت تشارك تجاربها عبر منصات التواصل الاجتماعي تحت وسم “السرطان قابل للعلاج”، وتقدم النصائح للمرأة الإيرانية حول المرض، ولا سيما سرطان الثدي، وتدل المصابات على الأطباء، وتتواصل مع مؤسسات خيرية لجمع المساعدات المالية للمرضى من ذوي الدخل المحدود.
تنظر ليندا إلى السماء وتقول إنه: “يجب ألا ننسى أن الحياة هدية، لكن ما يقلقني اليوم ليس الموت، بل أن تفقد مصابة أملها بالشفاء ليس لسبب سوى أن الدواء لم يصل في وقته”، وهي شهادة مريرة بحق أولئك المرضى الذين يصارعون الألم وصعوبة تلقي العلاج تحت الحصار على حد سواء.



