التصعيد الإسرائيلي الإيراني: جمود انتخابي يغذي مقامرة مميتة
تضع نتائج الانتخابات الإسرائيلية نتنياهو أمام مأزق ائتلافي، وسط مخاوف من استغلال المرحلة الانتقالية لتوسيع المواجهة مع إيران، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية أميركية.

ميدل ايست نيوز: تشير النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية إلى أن معسكر بنيامين نتنياهو لا يمتلك أغلبية برلمانية، في حين لا تملك المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت ائتلافاً قادراً على تشكيل حكومة مستقرة. وفي وقت تدرس فيه واشنطن احتمال شن ضربات جديدة على إيران، بينما يفتح نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس قناة للتواصل مع طهران، تضع مرحلة تصريف الأعمال القادة الإسرائيليين أمام اختبار صعب: هل يختارون ضبط النفس أم يخاطرون بتصعيد قد تترتب عليه عواقب وخيمة؟
وحسب مقال بمنتدى الشرق الأوسط أفاد به موقع “ميرو” أفرزت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول مشهداً سياسياً غير مألوف، إذ وضعت البلاد أمام معادلة برلمانية معقدة. فمع فرز معظم الأصوات العادية بحلول 29 أكتوبر/تشرين الأول، منحت التقديرات الأولية معسكر بنيامين نتنياهو 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعداً، من أصل 120 مقعداً في الكنيست.
ولا يمتلك أي من المعسكرين القدرة على تشكيل حكومة بمفرده، في حين لم تُحتسب بعد جميع الأصوات الواردة في المظاريف المزدوجة. وقد تتغير الأرقام النهائية، لكن السؤال الأساسي بات واضحاً: هل ستحدّ المرحلة الانتقالية من قدرة إسرائيل على استخدام القوة، أم أنها قد تتيح للقادة نافذة زمنية قصيرة لاتخاذ قرارات ربما يتجنبونها بمجرد انطلاق مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي؟
هل يستطيع نتنياهو توسيع الحرب ضد إيران قبل تشكيل الحكومة؟
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الصراع مع إيران لم ينتهِ بعد. فقد بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما في 28 فبراير/شباط، لكن الجهود الرامية إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار لم تفضِ إلى تسوية دائمة. ولا تزال الهجمات المتقطعة والتهديدات والمبادرات الدبلوماسية ترسم ملامح المواجهة.
وتدرس واشنطن مواصلة العمل العسكري، بالتزامن مع تقارير تفيد بأن نائب الرئيس جيه دي فانس فتح قناة اتصال مع محسن رضائي، أحد كبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين. وبذلك، لا تقتصر أهمية مرحلة حكومة تصريف الأعمال في إسرائيل على المشهد السياسي الداخلي، بل قد تمتد إلى توقيت أي جولة جديدة من المواجهة وتداعياتها السياسية.
ويرى بعض المراقبين الإقليميين أن المرحلة الانتقالية قد تشكل فرصة محتملة لتصعيد عسكري. لكنهم لا يؤكدون أن نتنياهو اتخذ قراراً بالهجوم، ولا يزعمون أن الحكومات العربية تتبنى تقييماً موحداً للموقف. وتقوم حجتهم على أن حسابات قائد لا يمتلك ائتلافاً حكومياً مستقراً قد تختلف عن حسابات قائد يخضع لضغوط المفاوضات اليومية مع شركائه السياسيين.
فإذا اعتقد نتنياهو أن المسار الدبلوماسي قد يفضي إلى احتفاظ إيران بقدراتها النووية والصاروخية، فقد يرى في المرحلة الحالية فرصة للتحرك قبل أن تفرض عليه الحكومة الجديدة قيوداً سياسية. غير أن هذا الاحتمال لم يثبت حتى الآن، إذ لا تتوافر أدلة علنية تؤكد اتخاذ قرار بالهجوم أو تحديد موعد له.
في المقابل، ثمة أسباب وجيهة للتشكيك في أن مرحلة تصريف الأعمال ستسهّل التصعيد. فقد يؤدي أي هجوم إلى رد إيراني يستهدف إسرائيل والقوات الأميركية والبنية التحتية في دول الخليج والملاحة البحرية، كما قد يقوض الجهود الدبلوماسية ويترك الحكومة المقبلة أمام حرب أوسع نطاقاً.
ويحتاج معسكر نتنياهو إلى ثمانية مقاعد إضافية لتأمين الأغلبية البرلمانية، لكن حساباته السياسية متباينة. فمن جهة، قد يسهم العمل العسكري في توحيد الإسرائيليين خلف القيادة السياسية، ومن جهة أخرى، قد يثير اتهامات باستغلال ملف الأمن القومي للتأثير في مفاوضات تشكيل الحكومة. وستتوقف التداعيات على طبيعة العملية العسكرية، وحجم الرد الإيراني، وموقف الرأي العام الإسرائيلي.
القانون يفرض قيوداً على حكومة تصريف الأعمال
لا يجعل القانون الإسرائيلي حكومة تصريف الأعمال عاجزة عن اتخاذ القرارات الأمنية والعسكرية. فبموجب المادة 40 من القانون الأساسي: الحكومة، يتطلب إعلان الحرب أو الشروع في عملية عسكرية واسعة يُرجح بدرجة شبه مؤكدة أن تؤدي إلى حرب، صدور قرار عن الحكومة. ويجوز للحكومة تفويض هذه الصلاحية إلى لجنة وزارية، بما في ذلك المجلس الوزاري الأمني، وفقاً للشروط التي يحددها القانون.
وبالتالي، لا يملك رئيس الوزراء صلاحية إطلاق حملة عسكرية واسعة بقرار منفرد. كما أن تولي الحكومة مهام تصريف الأعمال لا يعفيها من واجب التحفظ في اتخاذ القرارات، ولا سيما عندما تكون لتلك القرارات تداعيات طويلة الأمد قد تقيّد الحكومة التي ستخلفها أو تضعها أمام أمر واقع يصعب التراجع عنه.
وينبغي أن يستند النقاش إلى هذا التمييز: فحكومة تصريف الأعمال تحتفظ بصلاحية التعامل مع التهديدات الأمنية العاجلة، لكنها لا تحصل على استثناء قانوني أو صلاحيات إضافية تلقائياً. وقد تتراجع فاعلية الرقابة البرلمانية خلال المرحلة الانتقالية، كما قد لا تمارس لجان الكنيست مهامها بصورة كاملة. ومع ذلك، تظل الحكومة مسؤولة عن قراراتها بموجب القوانين السارية.
لذلك، لا يتعلق السؤال بمدى امتلاك نتنياهو صلاحية اتخاذ قرار عسكري فحسب، بل بكيفية تأثير الظروف السياسية الراهنة في حساباته المتعلقة بالمخاطر والمكاسب وتوقيت التحرك.
مفاوضات الائتلاف قد تفضي إلى حكومة وحدة
يبلغ مجموع مقاعد المعارضة المتوقعة، وعددها 48، ومقاعد الأحزاب العربية، وعددها 19، نحو 67 مقعداً، أي أكثر من الحد الأدنى المطلوب لتشكيل أغلبية برلمانية، وهو 61 مقعداً. لكن هذه الأرقام لا تعني أن هناك حكومة جاهزة للتشكيل.
فعدد من قادة المعارضة يرفضون الاستعانة بالأحزاب العربية لتشكيل ائتلاف حكومي، في حين تعهد نتنياهو لشركائه من الأحزاب اليمينية والدينية بعدم التخلي عنهم. وبعد المصادقة على النتائج، سيجري الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مشاورات مع ممثلي الأحزاب قبل تكليف أحد المرشحين بتشكيل الحكومة.
وقد تفضي المفاوضات إلى تشكيل حكومة وحدة، أو حكومة أقلية، أو حدوث انشقاقات داخل المعسكرات السياسية، أو حتى الذهاب إلى انتخابات جديدة. ومن ثم، فإن الجمود السياسي القائم حقيقي، لكنه لا يعني وجود فراغ دستوري.
وتقوم فرضية التصعيد على حسابات بسيطة: قد يرى نتنياهو أن كلفة اتخاذ خطوة عسكرية في الوقت الراهن أقل من كلفة الدخول في مفاوضات ائتلافية، حيث يمكن لكل طرف أن يفرض شروطاً ويطالب بتنازلات. وقد تؤدي عملية عسكرية ناجحة إلى تغيير أولويات النقاش السياسي، ودفع أحزاب المعارضة إلى تأييد تشكيل حكومة طوارئ، فضلاً عن تعزيز حجة نتنياهو بأن الأمن القومي ينبغي أن يتقدم على الخلافات السياسية.
لكن الاحتمال المعاكس قائم أيضاً. فإذا أخفقت العملية، أو أسفرت عن خسائر كبيرة، أو أدت إلى هجمات متواصلة على المدن الإسرائيلية، فقد تتراجع ثقة الجمهور بالقيادة السياسية وتزداد صعوبة التعاون بين الأحزاب. فالأزمات العسكرية لا تؤدي بالضرورة إلى توحيد الصفوف.
تغييرات في البنتاغون وقناة اتصال مع طهران
أضافت إقالة اللواء بريت سيلفيا من منصبه في وزارة الدفاع الأميركية مزيداً من الغموض إلى المشهد. وكان سيلفيا يشغل منصب مدير الاستراتيجية والخطط والسياسات في هيئة الأركان المشتركة، وهو موقع يرتبط بالتخطيط العسكري. ولم يقدم البنتاغون تفسيراً علنياً لقرار الإقالة.
وقد أثار توقيت القرار، بالتزامن مع دراسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمال استئناف الضربات على إيران، اهتماماً في المنطقة. لكن تزامن الأحداث لا يشكل دليلاً على وجود علاقة سببية بينها. فالتقارير المتاحة لا تثبت أن سيلفيا عارض عملية عسكرية، أو أنه أُقيل لإسكاته، أو أن مغادرته منصبه تشير إلى اتخاذ قرار بشن هجوم. لذلك، يستحق الأمر المتابعة، لكنه لا يبرر الحديث عن ضربة وشيكة.
وفي موازاة ذلك، تثير قناة الاتصال الدبلوماسية مع طهران تساؤلات بشأن طبيعة التحركات الأميركية. فقد أفاد موقع «أكسيوس» بأن فانس بعث برسالة إلى رضائي مفادها أن المفاوضات الرامية إلى تجنب الضربات الأميركية ينبغي أن تتناول البرنامج النووي الإيراني. فيما وصف ترامب الاتصال بعبارات ذات طابع إنساني، مشيراً إلى أنه يتعلق بإمدادات مخصصة لمساعدة المحتاجين.
وتشير هذه الروايات إلى أن واشنطن تُبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران، بالتزامن مع استمرار الضغوط العسكرية. لكنها لا تكشف تفاصيل الاتصالات كاملة، ولا تثبت أن التوصل إلى اتفاق بات وشيكاً. فالسعي إلى التفاوض لا يتعارض بالضرورة مع الاستعداد العسكري، إذ تلجأ الحكومات أحياناً إلى المسارين بالتوازي لتعزيز موقعها التفاوضي.
وبالنسبة إلى إسرائيل، قد تختلف الحسابات الأميركية والإسرائيلية بشأن النتيجة المقبولة لأي اتفاق. فقد يؤدي تفاهم مؤقت إلى وقف القتال، لكنه قد يترك الخلافات المتعلقة بتخصيب اليورانيوم والبرنامج الصاروخي والعقوبات والأمن البحري من دون حل.
وقد يخشى القادة الإسرائيليون أن يمنح وقف إطلاق النار المؤقت إيران فرصة لإعادة بناء ترسانتها، في حين قد ترى واشنطن أن استئناف الضربات سيؤدي إلى توسيع نطاق الصراع من دون ضمان التوصل إلى تسوية دائمة. وتعكس هذه المواقف المحتملة اختلافاً في التقديرات، لا دليلاً على قرب حدوث انقسام بين الحليفين.
أما الادعاء بأن نتنياهو قد يشن هجوماً بهدف إفشال قناة الاتصال التي فتحها فانس، فيحتاج إلى أدلة لا تتوافر علناً حتى الآن.
انتخابات التجديد النصفي ومخاطر الرد الإيراني في الخليج
يزيد الاستحقاق الانتخابي الأميركي من الضغوط السياسية، لكنه لا يحسم اتجاه القرارات. فمن المقرر إجراء انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، ويجعل تأثير أسعار الطاقة أي تصعيد عسكري مسألة حساسة سياسياً. وقد تجاوز سعر خام برنت 115 دولاراً للبرميل في 28 أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن يتراجع مع تجدد الجهود الدبلوماسية.
ومن شأن أي عملية عسكرية جديدة أن تزيد احتمالات الرد الإيراني وتعطيل إمدادات الطاقة. ومع ذلك، قد ترى الإدارة الأميركية أن الضغط العسكري ضروري إذا أخفقت المفاوضات. فالانتخابات تؤثر في حسابات صانعي القرار، لكنها لا تشكل حق نقض مطلقاً على العمل العسكري، كما لا تثبت أن أي تحرك إسرائيلي سيكون منسقاً مع واشنطن.
أما الحكومات العربية، فتواجه حسابات مختلفة. فالسعودية والإمارات تنظران بقلق إلى القدرات العسكرية الإيرانية، لكنهما تخشيان في الوقت نفسه التعرض لردود إيرانية قد تستهدف منشآت الطاقة والموانئ وخطوط الملاحة البحرية.
وتظل مصر عرضة لتداعيات أي اضطراب في البحر الأحمر وقناة السويس، فيما يتعين على الأردن أخذ احتمال عبور الصواريخ والطائرات المسيّرة أجواءه في الحسبان. وقد يتحول العراق إلى ساحة مواجهة إذا تبادلت الفصائل المسلحة الموالية لإيران والقوات الأميركية الهجمات. أما لبنان، فيخشى أن يؤدي توسيع نطاق الضربات إلى دخول حزب الله في مواجهة جديدة مع إسرائيل.
وتختلف مصالح هذه الدول وتقديراتها للمخاطر، ولا تتوافر أدلة على أن المنطقة تتبنى موقفاً موحداً بشأن احتمال شن هجوم جديد أو أنها ترحب به.
التصعيد بين إسرائيل وإيران لا يزال احتمالاً غير محسوم
تبدو مخاطر التصعيد واضحة. ففي 29 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه المنطقة الشرقية في المملكة. ولا يثبت الإعلان وحده الوجهة النهائية للصاروخ أو الهدف الذي كان يستهدفه، لكنه يوضح كيف يمكن أن تمتد تداعيات الصراع إلى دول خارج دائرة المواجهة المباشرة.
وقد تهدد الضربات الجديدة البنية التحتية للطاقة وحركة الملاحة ومسارات الطيران، فضلاً عن احتمال إثارة ردود انتقامية، من دون أن تسهم بالضرورة في حل الخلاف بشأن البرنامج النووي الإيراني. كذلك، فإن الادعاءات بأن حملة عسكرية قصيرة يمكن أن تعيد القدرات الإيرانية إلى الوراء لعدد محدد من السنوات، تحتاج إلى أدلة فنية مستقلة.
وتتمثل المؤشرات الأكثر أهمية لمتابعة تطورات الموقف في التغييرات الملموسة، مثل تحركات القوات، وتعليمات الدفاع المدني، وقرارات مجلس الأمن القومي، والإعلانات الرسمية المؤكدة، والتقارير الموثوقة بشأن المفاوضات.
أما التصريحات السياسية والإقالات والتحذيرات، فقد تعكس حالة من الاستعجال، لكنها قد تكون أيضاً جزءاً من سياسة الردع أو الحسابات الداخلية. وإذا لم تبدأ حملة عسكرية واسعة بحلول منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، فلن يعني ذلك بالضرورة نجاح الدبلوماسية أو أن القادة قرروا التخلي نهائياً عن خيار التصعيد. بل سيعني فقط أن قراراً من هذا النوع لم يُتخذ خلال تلك الفترة.
ويمكن للحكومة الإسرائيلية المؤقتة التعامل مع التهديدات الأمنية العاجلة، لكنها تظل ملزمة بمراعاة القيود القانونية والسياسية المرتبطة بمرحلة تصريف الأعمال. كما أن التغييرات في البنتاغون واتصالات فانس مع طهران تزيد من حالة الغموض، من دون أن تثبت وجود قرار أميركي أو إسرائيلي بشن هجوم جديد.
في المقابل، تواجه الحكومات العربية مخاطر لا تملك السيطرة عليها، فيما تتباين مصالحها وحساباتها. ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كان القادة الإسرائيليون سيعتبرون العمل العسكري خياراً أكثر أماناً من مواصلة الضغوط والرهان على مسار دبلوماسي لم تكتمل ملامحه بعد.
وإلى أن تظهر أدلة واضحة على اتخاذ قرار بالهجوم، لا يوجد ما يبرر الحديث عن عدّ تنازلي مؤكد. لكن تزامن مرحلة انتقال سياسي هشة في إسرائيل مع مفترق طرق استراتيجي بالغ الخطورة يضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة.



