قمة منظمة شنغهاي: مشروع حلف في مواجهة أميركا

اختتمت منظمة شنغهاي للتعاون، أمس الجمعة، قمّتها في مدينة سمرقند بأوزبكستان، التي استمرت يومين، وعاد قادة الدول المنضوية فيها.

ميدل ايست نيوز: اختتمت منظمة شنغهاي للتعاون، أمس الجمعة، قمّتها في مدينة سمرقند بأوزبكستان، التي استمرت يومين، وعاد قادة الدول المنضوية فيها، والتي انضمت حديثاً، أو أخرى بصفة مراقب أو “شريكة حوار”، إلى بلدانهم، بعدما التقوا خلال القمة وعلى هامشها، لمناقشة قضايا الساعة، ومنها الحرب الروسية على أوكرانيا.

وحسب تقرير لموقع “العربي الجديد” شكّلت قمة شنغهاي، مجدداً، فرصة للقاء رؤساء دول، على رأسها الصين وروسيا، تبحث لها عن دور كـ”قوى عظمى”، في عالم أصبح أكثر من أي وقت مضى شديد الاستقطاب.

ومن دون أن يذكر كثيراً اسم أوكرانيا، كانت القمة عنواناً للكثير من التحليلات، حول مدى سرعة التقارب الروسي الصيني، في هذه اللحظة التاريخية الفارقة.

رغم ذلك، فإن الكثير مما قيل خلال القمة وعلى هامشها، فضلاً عن تاريخ المنظمة وظروف تأسيسها وتطورها، يؤكد أن الاهتمامين الصيني والروسي بالمنظمة والقمة وأجندة الحوار، يبقيان يدوران في فلك التقارب الجيوستراتيجي، لكنها يختلفان في التكتيك، ما يحول دون تشكيل “حلف” رسمي لمواجهة الغرب.

وقد لا تؤثر في ذلك، المصالح الصينية أو “الاستثمار الشخصي” الذي يضعه الرئيس الصيني شي جين بينغ بشخص نظيره الروسي فلاديمير بوتين، أو حتى الضغوط الغربية القوية على الصين. إذ تبقى للصين “براغماتيتها” الخاصة حتى الساعة، المتأتية من مصالحها المتشعبة، والتي تحول دون استفزاز الغرب على نطاق واسع، أو تغيير قواعد اللعبة بشكل دراماتيكي.

قمة منظمة شنغهاي: احتواء النفوذ الغربي

ومن منظور غربي، لا تزال منظمة شنغهاي للتعاون، التي استثمرت فيها الصين كثيراً أيضاً منذ عام 2001، منظمة ضعيفة وغير قادرة على منافسة التكتلات الغربية الكبرى. وتضمّ المنظمة، دولاً في ما ترى فيه كل من الصين وروسيا، امتداداً جغرافياً طبيعياً لها، وقادرا على “احتواء” النفوذ الغربي، وكتلة “أوراسية” تسعى الصين إلى أن تعكس من خلالها قوتها الخارجية “الصلبة”.

وتضم المنظمة بالإضافة إلى الصين وروسيا، الهند وكازاخستان وطاجكستان وقيرغستان وأوزبكستان وباكستان، ودولاً أخرى شريكة في الحوار كتركيا. كما أصبحت إيران عضواً بالمنظمة أخيراً، ما يعزّز توجهها “المعادي للغرب”، بحسب متابعين. ومنحت أخيراً، دول عربية، صفة “شريكة في الحوار”.

وأشاد الرئيس الروسي أمس، في كلمته خلال القمة، بما أسماه “مراكز نفوذ جديدة”، فيما كان أعرب له شي، الخميس، عن رغبته في أن يقوم بلداهما سوية “بدور القوى العظمى ولعب دور توجيهي لبث الاستقرار والطاقة الإيجابية في عالم تهزّه اضطرابات اجتماعية” على حد تعبيره.

ودارت معظم مصطلحات شي، حول “الأدوار التوجيهية”، و”الاستقرار” و”النظام الدولي الأكثر عدلاً”، فيما تواجه روسيا حزمة غير مسبوقة من العقوبات الدولية على خلفية حربها على أوكرانيا. وتشهد العلاقات الصينية الأميركية، تزايد المنافسة التجارية والتوترات في المحيطين الهندي والهادئ.

بيان ختامي تقليدي

ولم يخرج بيان القمة بما هو غير اعتيادي. إذ دعا المشاركون لزيادة فعالية منظمة التجارة العالمية وإجراء إصلاحات فيها، مع الأخذ بعين الاعتبار الحقائق الاقتصادية الدولية. كما أكدوا على توافقهم لتطوير التعاون الدفاعي والأمني، واعتماد قائمة مشتركة للمنظمات الإرهابية والمتطرفة. وأشاروا إلى أهمية تطبيق خطة عمل بما يخص البرنامج النووي الإيراني، وضرورة الالتزام باتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية.

ودارت عجلة التكهنات، حول مدى إمكانية أن تؤسس القمة “حلفا استراتيجيا” بين دولها، مع ما يعني ذلك من حلف “طبيعي” في وجه أميركا. كما خرجت تحليلات حول مدى حماسة بكين لإعلان مثل هذا “الحلف”، فيما تتراوح علاقاتها “المعلنة” مع موسكو بين “الصداقة بلا حدود”، و”الشراكة الاستراتيجية”.

ويرى محلّلون أن الحرب الروسية على أوكرانيا قد تكون أخّرت إعلان مثل هذا “الحلف”، فيما يذكّر آخرون بحجم التطور في التدريبات العسكرية المشتركة بين البلدين، منذ الغزو الروسي في فبراير/شباط الماضي، والتبادل التجاري الذي ارتفع، والسوق الصينية التي أصبحت متنفساً لموسكو.

وقد يكون الأكثر إيحاء للقائلين بحتمية تعزز فرص “الحلف”، لقاء شي ببوتين في القمّة، التي أرادها الرئيس الصيني أول زيارة خارجية له منذ جائحة كورونا. ولكن تبرز كوابح غير المتحمسين من دول المنظمة كثيراً لإعلان “حلف”، ليست الهند فقط من بينهم، بل حتى دول سوفييتية سابقة، ككازاخستان، المتحفظة على الغزو، وأخرى متوجسة من عودة النفوذ الروسي.

نارندرا مودي للرئيس الروسي: الآن ليس وقت الحرب

واتسمت الكثير من الكلمات التي ألقيت في القمة، بـ”الشعارات” التي تلامس أفكار الدول النامية أو العالم الثالث، فيما يسعى شي وبوتين إلى تثبيت “عالم دولي جديد”. وقال بوتين، أمس، خلال القمة، إن “الدور المتعاظم لمراكز النفوذ الجديدة يتضح بشكل متزايد”، وهو يستند إلى مبادئ “مجردة من أي أنانية”. وأضاف أن “سمعة منظمة شنغهاي في ارتفاع، وهي واحدة من بين أكبر المنظمات العالمية”. ولفت إلى أن منظمة شنغهاي “منفتحة للتعاون مع الجميع، والمساعدة في حلّ مشاكل الطاقة والغذاء المتزايدة في العالم، وحل القضايا العالمية والإقليمية”.

من جهته، دعا الرئيس الصيني إلى نظام دولي “أكثر عدلاً وعقلانية”. وقال إنه “علينا الدفاع بحزم عن النظام العالمي الذي يضع الأمم المتحدة في صلبه فضلاً عن نظام عالمي يستند إلى القانون الدولي”.

والتقى رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي أمس، الرئيس الصيني، على هامش القمّة، للمرة الأولى منذ المواجهات الحدودية الدامية منذ عام 2020 في لاداخ وبين ولاية سيكيم الهندية ومنطقة التيبت، كما التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد توتر العلاقات على خلفية انتقادات أنقرة للسياسة الهندية في كشمير.

بوتين يبرّر الحرب الأوكرانية

وكان لافتاً ما خرج عن التصوير المسجّل الذي بثته شبكة هندية، من قول مودي لبوتين على هامش القمّة، من أن “الآن ليس وقت الحرب”، فيما ردّ بوتين بأنه “أراد إنهاء الحرب (الأوكرانية) بأسرع وقت ممكن”، وبأنه “يتفهم مخاوف” الهند، وهي العبارة ذاتها التي قالها لدى لقائه شي، من دون تقديم مزيد من التوضيح. وأضاف بوتين أمام مودي، أن “الجانب الأوكراني، أعلن رفضه لمسار التفاوض، وأكد أنه يريد مواصلة أهدافه بالوسائل العسكرية، على أرض المعركة”.

ورحبّت موسكو أمس، بانضمام إيران إلى عضوية المنظمة، وذلك بعدما كان بوتين أكد أول من أمس، أن العلاقات الإيرانية الروسية “تتطور بشكل إيجابي”. من جهته، أكد الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، لنظيره الصيني، الذي التقاه على هامش القمة، أن بلاده “لن تتراجع أمام التنمر الأميركي”. واعتبر أن برنامج التعاون الاستراتيجي الشامل (مع الصين والممتد لـ25 عاماً) “مؤشر ورمز على إرادة البلدين لتوسيع شامل للعلاقات”.

من جهته، أكد الرئيس الصيني أن العلاقات مع إيران “استراتيجية وستتوسع بغض النظر عن أي تطور دولي”. وفي كلمته، دعا رئيسي المنظمة إلى “اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات الاقتصادية لمواجهة الأحادية الأميركية”.

وألقى أردوغان، الذي يشارك للمرة الأولى في قمة المنظمة، كلمة في سمرقند، قال فيها إن المنظمة “تمثّل نافذة لبلاده على آسيا”. وأضاف أن هدف تركيا “تأسيس حزام سلام في منطقتها وخارجها عبر نهج دبلوماسي مبادر”، لافتاً إلى أن “موقع تركيا يوفر إمكانيات فريدة”.

وبصفتها منظمة إقليمية، ظلّت منظمة شنغهاي للتعاون علامة مهمة لمراقبة العلاقات الروسية الصينية وتطورها عن كثب. وليست الحرب الأوكرانية وحدها مقياساً لهذه العلاقات، إذ منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، شهدت موسكو وبكين تقارباً ظلّ في تصاعد منذ ذلك الحين، وكان مصدر رصد أيضاً خلال حرب الروسية على جورجيا (2008) التي أبدت الصين قلقها منها.

وجاء ذلك علماً أن العلاقات التجارية كانت توسعّت بحدود ثمانية أضعاف خلال عقد قبل ذلك العام، مع توافق صيني روسي حول مسائل استراتيجية مثل رفض توسع حلف شمال الأطلسي ومنع الانتشار النووي أو أنظمة الدفاع الصاروخية. وبرأي كثيرين، فإن التاريخ يعيد نفسه.

لكن العلاقات الصينية الروسية المتقدمة، لا تزال بعيدة عن إنشاء “حلف” عبر بوابة منظمة شنغهاي لمواجهة الولايات المتحدة، بسبب سياسة الصين التي تمسك العصا من الوسط، بين مواصلة الشراكة الجيوستراتيجية مع روسيا، وعدم إغضاب الولايات المتحدة. كما تسير دول أخرى، بالمنظمة، بوضعية “القدمين المتباعدتين”، بحسب إيفان فيغيبوم، كما كتب على موقع مركز كارنيغي للأبحاث.

وأوّل من يفضل هذه الوضعية، بحسب رأيه، الصين نفسها، رغم مواصلتها تقديم كل “الضمانات الدبلوماسية” لبوتين في حربه، و”أنابيب الحياة” لاقتصاده في ظلّ الغزو.

ورأى الباحث أن الصين دولة “تحدّد سياستها مصلحتها فقط”، وهي “قوة أقوى من روسيا”، و”ذات مصالح متشعبة أكثر من موسكو”، ولذلك فإنها لن تدير حرباً بالوكالة لأجل الروس. واعتبر فيغيبوم أن إمكانية تشكيل مثل “حلف” عبر بوابة المنظمة، يعوقه أيضاً الاستثمار الصيني الكبير لتطوير العلاقات مع دول وسط آسيا.

والأرجح أن بلدان آسيا الوسطى لا تريد تطوير المنظمة إلى تحالف أقوى، وتريد اقتصاره على التنسيق والاستشارات لأنها تخشى خسارة علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان. وفي حين تقرّب الأوضاع في أفغانستان هذه الدول وتزيد تنسيقها في مجال الأمن والدفاع ومحاربة الإرهاب ونقل المخدرات، فإنها تقع جميعاً تحت ضغط الأوضاع المضطربة في أفغانستان.

وقال بريان هارت، الزميل الباحث في مشروع قوة الصين في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن، لـ”سي أن أن”، أن “هناك توترات في أوقات كثيرة داخل المنظمة، وقد حاولت روسيا تبدية أجندتها التي ليست دائماً متوافقة مع مصالح الصين في المنطقة”. وبرأيه، فإن المنظمة “ليست المنصّة المثالية لكي تصمّم نظاماً عالمياً جديداً”، لكنها “تظلّ منظمة مهمة، من النوع الذي تريده بكين وتأمل قيادته، وتستسيغ وجود روسيا فيه”.

ولا تجتمع دول منظمة شنغهاي، حول عقيدة عسكرية موحدة، رغم أن التعاون الأمني ظلّ أحد مهامها الرئيسية، كما لا تتكئ على تكافؤ اقتصادي بين دولها، أو تجانس سياسي بالمعني الحرفي للكلمة، فيما تشوب بعض دوله، كالهند والصين، خلافات قوية. والهند نفسها، التي تتمتع بعلاقات تاريخية مع روسيا، هي عضو في تحالف “كواد” مع اليابان وأستراليا والولايات المتحدة، الذي يهدف إلى مواجهة العسكرة الصينية في مياه الهندي والهادئ.

 

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى