تقرير إيراني: أزمة الإنترنت كبدت الاقتصاد الرقمي خسائر تصل إلى 3.9 مليارات دولار
سعى تقرير جمعية البلوك تشين الإيرانية إلى توجيه تحذير أوسع لصناع القرار، مفاده أن الاقتصاد الرقمي لا يمكن إدارته بمنطق الصناعات التقليدية.

ميدل ايست نيوز: كشف التقرير الجديد الصادر عن جمعية البلوك تشين الإيرانية بشأن «مرونة الاقتصاد الرقمي في أزمة الإنترنت بين عامي 2025 و2026» أن الوثيقة لا تقتصر على كونها تقريرًا نقابيًا أو تحذيرًا إعلاميًا فحسب، بل تقدم صورة نادرة لأبعاد أزمة الإنترنت في إيران على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبنية التحتية. وسعى التقرير، بالاستناد إلى بيانات ميدانية واستطلاعات لقطاع الأعمال وتحليل الاتجاهات الاقتصادية، إلى إظهار كيف تحولت اضطرابات الإنترنت الواسعة خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر الأزمات كلفةً على الاقتصاد الرقمي الإيراني.
ووفقًا للتقرير الذي أورده موقع اقتصاد أونلاين، فإن نحو 74 يومًا من الاضطرابات والقيود على الاتصالات تسببت بخسائر مباشرة وغير مباشرة تراوحت بين 1.7 و3.9 مليارات دولار للاقتصاد الرقمي الإيراني، وهو رقم يبدو صادمًا حتى وفق أكثر التقديرات تحفظًا. إلا أن أهمية التقرير لا تقتصر على حجم الخسائر، بل تتجلى أيضًا في محاولته رسم تفاصيل الأضرار في مختلف قطاعات الاقتصاد الرقمي، وإظهار سلسلة التأثيرات التي خلفتها أزمة الإنترنت على مجمل المنظومة التكنولوجية في إيران.
كيف جرى احتساب الخسائر بمئات آلاف المليارات؟
وأوضح التقرير، في أحد أبرز أقسامه، تقديرات الخسائر ضمن سيناريوهات متعددة، مبينًا أن نطاق الأضرار لم يقتصر على المتاجر الإلكترونية أو الشركات الناشئة الصغيرة. ووفق هذه التقديرات، فإن جزءًا من الخسائر نتج مباشرة عن توقف المبيعات، وتراجع المعاملات المالية، وانخفاض الإعلانات الرقمية، وتعطل الخدمات الإلكترونية، بينما ارتبط الجزء الآخر بخسائر غير مباشرة مثل تراجع ثقة المستخدمين، وهجرة رؤوس الأموال، وخروج الكفاءات المتخصصة، وتوقف المشاريع التطويرية.
واعتمدت جمعية البلوك تشين الإيرانية ثلاثة سيناريوهات مختلفة لتقدير الخسائر: الحد الأدنى، والسيناريو المتوسط، والحد الأقصى. ففي السيناريو الأدنى، قُدّرت الخسائر بمئات آلاف المليارات من التومانات، بينما ارتفع الرقم في السيناريو الأعلى إلى نحو 700 تريليون تومان. وأشار التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الخسائر غير قابل للتعويض أساسًا، إذ إن الاقتصاد الرقمي يختلف عن الصناعات التقليدية التي تستطيع استئناف دورة الإنتاج بعد انتهاء الأزمات، بينما يؤدي فقدان المستخدمين، وتراجع ترتيب المواقع في محركات البحث، وانخفاض ثقة الجمهور، وهجرة العملاء، إلى آثار طويلة الأمد وربما دائمة.
أي القطاعات الرقمية تعرضت لأكبر الأضرار؟
وتناول التقرير، في جدول تحليلي آخر، القطاعات الأكثر تضررًا من أزمة الإنترنت، مشيرًا إلى أن الأضرار الأكبر طالت الشركات المعتمدة على شبكات التواصل الاجتماعي، والمتاجر الإلكترونية، وشركات التكنولوجيا المالية، ومنصات الخدمات الرقمية، ووسائل الإعلام الإلكترونية، والشركات العاملة في تصدير الخدمات التكنولوجية.
ووفق البيانات الواردة في التقرير، واجه العديد من الأعمال التجارية الإلكترونية انخفاضًا في المبيعات تجاوز 50 إلى 70 بالمئة، فيما فقدت بعض المنصات الخدمية جزءًا مهمًا من عملائها بسبب اضطرابات الوصول أو تراجع جودة الاتصالات. وفي قطاع التكنولوجيا المالية وخدمات الدفع الإلكتروني، أدى انخفاض المعاملات وتعطل الخدمات المالية الرقمية إلى توقف جزء من أنشطة الشركات عمليًا. كما تعرضت وسائل الإعلام الإلكترونية ومنتجو المحتوى لتراجع حاد في عدد الزيارات والإيرادات الإعلانية ومستوى تفاعل الجمهور.
ولفت التقرير إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة شكلت النسبة الأكبر من المتضررين، إذ تملك الشركات الكبرى قدرًا من الإمكانات المالية والبنية التحتية يسمح لها بإدارة الأزمات نسبيًا، في حين أن كثيرًا من الشركات الناشئة لا تستطيع تحمل أسابيع متواصلة من الاضطرابات. وحذر التقرير من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى إقصاء تدريجي لجزء مهم من منظومة الشركات الناشئة في البلاد.
إنترنت غير المستقر وموجة جديدة من تقليص الوظائف
وأشار التقرير إلى أن أزمة الإنترنت لم تقتصر على تراجع إيرادات الشركات، بل امتدت إلى سوق العمل، حيث أوقفت العديد من شركات التكنولوجيا عمليات التوظيف أو لجأت إلى تسريح موظفين بهدف خفض النفقات، وذلك في وقت كان الاقتصاد الرقمي يُعد خلال السنوات الأخيرة أحد المجالات القليلة القادرة على توليد فرص عمل للكفاءات المتخصصة والمتعلمة.
وأوضح التقرير أن الأزمة باتت مرتبطة بشكل مباشر بمسألة هجرة الكفاءات، في ظل تنامي حالة عدم اليقين بشأن استقرار البنية التحتية للإنترنت، ما دفع عددًا من المبرمجين ومحللي البيانات ومديري المنتجات والخبراء التقنيين إلى التفكير في الهجرة أو العمل مع أسواق خارجية. ولفت إلى أن هذه الظاهرة لا تعني فقط خروج الأفراد، بل تشمل أيضًا انتقال رؤوس الأموال والأفكار والقدرات الإنتاجية المعرفية إلى الخارج.
إعادة تعريف مفهوم المرونة في عصر أزمات الإنترنت
وأعاد التقرير تعريف مفهوم «المرونة» في قطاع التكنولوجيا، موضحًا أن المفهوم كان حتى سنوات قليلة يقتصر على الأمن السيبراني واستقرار الخوادم والتصدي للهجمات الإلكترونية، إلا أن القضية الأساسية اليوم أصبحت تتمثل في ضمان وصول مستقر وقابل للتنبؤ إلى الإنترنت العالمي. وأشار إلى أن العديد من الشركات اضطرت لتصميم بنى اتصالات بديلة، أو نقل جزء من خدماتها إلى خارج البلاد، أو تعديل نماذج أعمالها لمواصلة النشاط.
تآكل الثقة… خسارة يصعب تعويضها
وأكد التقرير أن تآكل الثقة يمثل ربما أخطر الخسائر بعيدة المدى الناجمة عن أزمة الإنترنت، موضحًا أن كثيرًا من الشركات أنفقت خلال السنوات الماضية مبالغ ضخمة على جذب الجمهور، والإعلانات الرقمية، وتطوير العلامات التجارية، وتحسين مواقعها في محركات البحث، إلا أن الاضطرابات الواسعة والطويلة أدت إلى ضياع قسم من هذه الاستثمارات عمليًا. وأضاف أن المستخدم الذي يواجه مرارًا مشكلات في الدفع أو انقطاع الخدمات أو بطء الاتصال، غالبًا ما يتجه نهائيًا إلى خدمات بديلة.
تحذير لصناع القرار: الاقتصاد الرقمي لا يُدار بعقلية تقليدية
وسعى تقرير جمعية البلوك تشين الإيرانية أيضًا إلى توجيه تحذير أوسع لصناع القرار، مفاده أن الاقتصاد الرقمي لا يمكن إدارته بمنطق الصناعات التقليدية. ففي الاقتصاد التقليدي قد يكون من الممكن تعويض توقف الإنتاج لعدة أيام، أما في الاقتصاد الرقمي فإن كل ساعة من الاضطراب قد تؤدي إلى خسارة عملاء، وتراجع موثوقية العلامة التجارية، والخروج من المنافسة في السوق.
مستقبل الاقتصاد الرقمي الإيراني في ظل أزمة الإنترنت
واختتم التقرير بتقديم صورة لاقتصاد يفقد تدريجيًا ميزته التنافسية تحت ضغط القيود المفروضة على الاتصالات. اقتصاد كان يُفترض أن يؤدي دورًا محوريًا في نمو الناتج المحلي الإجمالي، وخلق فرص العمل، وتطوير التكنولوجيا، لكنه بات اليوم يصارع من أجل البقاء. وربما لهذا السبب، لم يعد العاملون في هذا القطاع يتحدثون فقط عن سرعة الإنترنت أو جودة الاتصال، بل أصبحوا يتحدثون عن «الأمن الاقتصادي».
وأكد التقرير أن الإنترنت في عالم اليوم لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل تحول إلى جزء من الشريان الحيوي للاقتصاد، وعندما يتعرض هذا الشريان للاضطراب، فإن الأضرار لا تقتصر على عدد من التطبيقات أو الشركات الناشئة، بل تمتد تكلفتها إلى الاقتصاد بأكمله.



