العقوبات على روسيا تفعّل ممر “الشمال الجنوب” مع إيران

تتحرك موسكو وطهران إلى إحياء ما يعرف بممر "الشمال الجنوب" الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي عبر الأراضي الإيرانية.

ميدل ايست نيوز: خريطة تجارية دولية جديدة تتشكل على وقع العقوبات الغربية الأخيرة على روسيا بفعل حربها على أوكرانيا، ومن قبلها العقوبات الأميركية على إيران بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي قبل نحو أربع سنوات، إذ تتحرك موسكو وطهران إلى إحياء ما يعرف بممر “الشمال الجنوب” الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي عبر الأراضي الإيرانية، في خطوة من شأنها مواكبة التغيرات الحاصلة في مسارات التجارة الروسية مع العالم، وكذلك خدمة طموحات إيران في تمدد تجارتها الخارجية، بينما قد يأتي هذا الممر على حساب قناة السويس المصرية.

يقول الخبير الاقتصادي الإيراني حسن بهشتي بور، في حديث مع “العربي الجديد“، إن الحرب الروسية على أوكرانيا أفضت إلى “تحولات أساسية” على صعيد العلاقات الإيرانية الروسية، مؤكداً أن “روسيا منذ تعرضها لعقوبات غربية واسعة تبدي رغبة أكبر من ذي قبل للتقارب مع إيران”.

يشير بهشتي بور إلى سعي روسي لتفعيل مشاريع متوقفة منذ سنوات بين البلدين، مثل ممر شمال جنوب، الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي عبر الأراضي الإيرانية، موضحاً أن اهتمام موسكو بهذا الممر الجيواستراتيجي زاد بعد الحرب الأوكرانية، فيما لم تكن تبدي من قبل اهتماماً به.

ويلفت الخبير الإيراني إلى محدد جديد آخر في تعزيز التقارب الإيراني الروسي، وهو عامل العقوبات المشتركة على كل من البلدين، موضحاً أنها تشكل دافعاً لهما للتعاون في مواجهة العقوبات الأميركية والأوروبية “الأحادية” والاستفادة من تجارب البعض في هذا المجال.

إيران تقرر خفض رسوم الترانزيت في ممر الشمال ـ الجنوب

برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات باتجاه تفعيل ممر “الشمال الجنوب”، الذي يكتسب أهمية قصوى لإيران التي تتعرض كروسيا في الوقت الراهن لعقوبات أميركية شاملة، ولا أفق واضحاً لانتهاء هذه العقوبات، في ظل تراجع الآمال بالوصول إلى تسوية لإحياء الاتفاق النووي، أقله في وقت قريب.

من تلك المؤشرات، إعلان الملاحة البحرية الإيرانية، الثلاثاء الماضي، تسجيل رقم قياسي للنقل عبر ممر “الشمال الجنوب” في الفترة من 21 مارس/آذار إلى 21 يوليو/تموز (الأشهر الأربعة الأولى من السنة الإيرانية الحالية)، كاشفة عن أن السفن الإيرانية نقلت في هذا الممر 27 ألفاً و500 حاوية بوزن 337 ألف طن.

واللافت أن مسارات النقل عبر هذا الممر توسعت خلال الشهرين الأخيرين إلى 14 مساراً باتجاه موانئ دول مختلفة، بينما كانت هذه المسارات تقتصر سابقاً على موانئ الهند والإمارات وروسيا.

وتشير الملاحة الإيرانية إلى أن أعضاء رابطة الدول المستقلة (أذربيجان، أرمينيا، بيلاروسيا، جورجيا، كازخستان، قرغيزستان، مولدوفا، روسيا، طاجيكستان، تركمنستان، أوزبكستان وأوكرانيا) تشكل الوجهات الرئيسة للنقل عبر ممر “الشمال الجنوب”، مضيفة أن الشحن يجري عبر خدمة من الباب إلى الباب، وفق ما أوردت وكالة “فارس” الإيرانية.

و”ممر الشمال – الجنوب” مشروع نقل دولي عملاق، طُرح خلال قمة الاتحاد الأوروبي في العاصمة الفنلندية هلسنكي عام 1992 كالممر التاسع من ضمن عشرة ممرات، ثم وقّعت الدول الثلاث، إيران والهند وروسيا، عام 2000 الوثيقة الأولى لإنشائه في سانت بطرسبرغ الروسية. وعام 2016، التحقت دول أخرى بالمشروع، هي: سلطنة عُمان، وتركيا، كازاخستان، أرمينيا، قرغيزستان، طاجيكستان، بيلاروسيا، أوكرانيا، سورية، وبلغاريا، إلى جانب الدول المؤسسة الثلاث.

ويتكون هذا الممر من شبكة خطوط بحرية وبرية وسكك حديدية يبلغ طولها 7200 كيلومتر، ويبدأ من بومباي في الهند ليربط المحيط الهندي ومنطقة الخليج مع بحر قزوين مروراً بإيران، ثم منها يتوجه إلى سان بطرسبرغ الروسية، ومنها إلى شمال أوروبا، وصولاً إلى العاصمة الفنلندية.

ويعتبر هذا المشروع إحدى أرخص الطرق الرابطة بين قارتي آسيا وأوروبا، وبذلك ينافس قناة السويس، حيث تتقلص تكاليف النقل عبره بمقدار 2500 دولار مقابل كل 15 طناً، فضلاً عن أن ذلك يستغرق 14 يوماً فقط، في مقابل 40 يوماً عبر طريق قناة السويس، حسب البيانات الإيرانية.

وتبادلت إيران وروسيا خلال الأشهر الماضية زيارات مكثفة بهدف توسيع التجارة عبر ممر “الشمال الجنوب”، كذلك فإن هذا الملف كان على جدول عدة لقاءات جرت بين الرئيسين الإيراني إبراهيم رئيسي، والروسي فلاديمير بوتين، سواء في طهران أو موسكو أو عواصم أخرى على هامش مشاركتهما في قمم إقليمية في آسيا الوسطى.

وتأكيداً لأهمية الممر بالنسبة إلى روسيا، في ظل تعرضها لعقوبات غربية شاملة، قال مساعد الرئيس الروسي، إيغور لويتين، خلال زيارته لطهران، أواخر أغسطس/آب الماضي، إن إيران يمكن أن تصبح طريقاً بديلاً للنقل من روسيا وإليها، وأن تتحول إلى “نقطة ثقل للنقل لروسيا”.

وأضاف مساعد بوتين أن بلاده بعد العقوبات تواجه “مشاكل” في نقل السلع من شمال غرب، والمسارات الشرقية أيضاً لا تستوعب أكثر من ذلك بسبب نقل السلع الصينية، والطريق البديل هو عبر بحر قزوين والبحر الأسود. ودعا إيران إلى توسيع شبكة الخطوط الحديدية لرفع قدرات نقل السلع الروسية عبر إيران إلى 100 مليون طن سنوياً إلى دول مثل الهند في المحيط الهندي وبحر عمان والخليج.

وتقع إيران في قلب هذا الممر، ويمكّنها هذا المشروع في حال تدشينه من التحكم بحلقة وصل حيوية بين آسيا وأوروبا، وعليه توليه طهران أهمية كبيرة، علماً أن أربعة ممرات دولية تتقاطع في إيران، هي ممر “الشمال – الجنوب”، و”الشرق – الغرب”، وجنوب آسيا، وممر النقل تراسيكا (أوروبا – القوقاز وآسيا).

ويتفرع الممر بعد وصوله إلى داخل إيران إلى الفرعين الغربي والشرقي، يصلان جنوبي إيران بالخليج وبحر عُمان بشرقها وشمالها على بحر قزوين، فضلاً عن أن شبكة كبيرة من الخطوط الحديدية والبرية الداخلية من المقرر أن تربط تقريباً جميع الحدود الإيرانية والمحافظات الإيرانية بشبكة مواصلات على طريق ممر الشمال الجنوب داخل إيران، ما يعني أن هذه الشبكة الداخلية الإيرانية تشكل حلقة وصل بين الدول الـ15 الجارة لإيران على حدودها الأربعة، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً.

ومنذ خمس سنوات تقريباً، تسعى إيران، وفق المشروع الشامل للنقل، لإنشاء 10 ممرات داخلية رئيسية تمتد من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، والعكس، بطول 21 ألف كيلومتر لربطها بشبكة النقل الدولي، وخاصة ممر الشمال الجنوب. وحسب إعلان وزارة الطرق والمواصلات الإيرانية، خلال فبراير/ شباط الماضي، حقق المشروع تقدماً بنسبة 70%.

وزاد اهتمام إيران بالمشروع في عهد الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي، الداعي إلى الاستدارة في السياسة الخارجية نحو الشرق، في ظل استمرار المشاكل والصراع مع الغرب. وفي السياق، دشّن رئيسي، في مايو/ أيار الماضي، طريق ترانزيت السكك الحديدية الذي يصل كازاخستان بتركيا وأوروبا، عبر الأراضي الإيرانية، قائلاً إن حكومته تسعى في سياستها الخارجية لتحويل البلاد إلى ممر لـ”النقل السريع والآمن وقليل الكلفة”.

كذلك، استقبلت إيران في 12 يوليو/ تموز الماضي، أول قطار شحن روسي عبر محطة “سرخس” الحديدية شمال شرقي البلاد، ثم انتقلت شحنتها عبر سكك حديدية إيرانية إلى ميناء “الشهيد رجايي” في محافظة هرمزجان المطلة على الخليج، ومن هناك إلى الهند.

الاهتمام الإيراني الروسي بتفعيل ممر “الشمال الجنوب” جزء من استراتيجية البلدين لتوسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية على وقع تعرضها معاً للعقوبات، التي قال الرئيس الروسي، في وقت سابق من الشهر الجاري إنها تقرب روسيا إلى إيران.

ما قاله بوتين، ليس مجرد كلام، فخلال مايو/أيار الماضي، أعلنت الجمارك الروسية أن حجم التجارة مع إيران ارتفع أخيراً بنسبة 81.7% لتصل قيمته إلى أكثر من 4 مليارات دولار سنوياً.

وتميل التجارة الثنائية لمصلحة روسيا، حيث يبلغ حجم صادراتها إلى إيران أكثر من 3 مليارات دولارات، فيما تصل قيمة الصادرات الإيرانية إلى روسيا نحو مليار دولار. وتخطط إيران وروسيا لزيادة التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار سنوياً خلال الفترة القليلة المقبلة.

ووقّعت شركة النفط الوطنية الإيرانية في التاسع عشر من الشهر الماضي على أكبر استثمار أجنبي في تاريخ إيران، تمثل بمذكرة تفاهم للاستثمار الروسي في صناعة النفط والغاز الإيرانية بقيمة 40 مليار دولار.

إلى ذلك، تسعى إيران وروسيا لتحييد الدولار من التجارة الثنائية، إذ قال الرئيس الروسي في لقاء مع المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، خلال زيارته لطهران في يوليو/تموز الماضي، إن طهران وموسكو بصدد استبدال العملات الوطنية مكان الدولار في علاقاتهما التجارية، مضيفاً أنّهما يخططان لإيجاد آليات وأساليب بهذا الشأن.

وبعيد تصريحات بوتين، أعلن مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية، مهدي صفري، الأربعاء الماضي، أنّ طهران وموسكو تعملان على إنشاء نظام مالي بديل لـ”سويفت” للتبادل المالي، مشيراً إلى أنّهما على وشك اتفاق بهذا الخصوص. وكشف محافظ البنك المركزي الإيراني، علي صالح أبادي، عن بدء إيران وروسيا التعامل بالروبل الروسي مقابل الريال الإيراني في التجارة الثنائية، واصفاً الأمر بأنّه “حدث كبير”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى