إيران.. قفزة تتجاوز 50% في مؤشر مدخلات البناء تدفع رخص الإنشاء إلى أدنى مستوياتها
يرتبط قطاع البناء الإيراني مباشرة بنحو 150 مهنة، ويتصل بشكل غير مباشر بأكثر من 40 في المئة من العاملين في البلاد؛ ما يعني أن ركوده يفاقم معدلات البطالة ويمتد أثره إلى قطاعات اقتصادية أخرى.

ميدل ايست نيوز: يواجه سوق مواد البناء في إيران موجة تضخم غير مسبوقة دفعت قطاع البناء إلى وضع يُجمع كثير من العاملين فيه على وصفه بأنه «أعمق ركود يشهده العقد الأخير».
ووفق بيانات مركز الإحصاء الإيراني، ارتفع مؤشر أسعار مدخلات البناء في طهران خلال العام الماضي بأكثر من 50 في المئة، وهي قفزة لم ترفع تكاليف البناء فحسب، بل دفعت أيضاً وتيرة إصدار رخص البناء والأنشطة العمرانية في عموم البلاد إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات.
وخلال صيف هذا العام، ارتفع متوسط أسعار مختلف المواد مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق بنسبة 44 في المئة. ويُظهر أحدث تقرير لمركز الإحصاء أن مؤشر أسعار مدخلات البناء السكني في طهران بلغ في الصيف مستوى 173.0، مسجلاً نمواً نسبته 6.3 في المئة عن الربع السابق و43.6 في المئة مقارنة بصيف العام الماضي. كما ارتفع متوسط المؤشر خلال الفصول الأربعة الماضية بنسبة 36.7 في المئة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.
وعلى مستوى المجموعات التنفيذية، حققت فئة «الحديد والصلب، حديد التسليح، مقاطع الأبواب والنوافذ والحواجز» أعلى معدل تضخم فصلي بنسبة 10.8 في المئة، في حين لم يطرأ أي تغيير على «تكلفة استئجار الآليات». ويشير ذلك بوضوح إلى أن المحرك الرئيسي لارتفاع التكاليف يرتبط مباشرة بالمواد الأساسية والمواد الأولية.
زيادة غير مسبوقة في المجموعات الأساسية للمدخلات
تكشف قراءة تفصيلية لأسعار الصيف عن قفزات استثنائية في عدد من مجموعات مواد البناء في إيران. فقد سجلت مجموعة «الخشب» أعلى تضخم سنوي بنسبة 72.8 في المئة، بينما جاءت «الزجاج» في أدنى القائمة بزيادة سنوية بلغت 21.3 في المئة. ومع ذلك، يكاد لا يخلو أي قطاع من وطأة هذه الزيادات.
وسجلت مجموعة «الإسمنت والخرسانة والركام» ارتفاعاً بنسبة 4.9 في المئة مقارنة بالربع السابق، وبـ45.7 في المئة مقارنة بصيف العام الماضي. كما ارتفع متوسط مؤشرها خلال الفصول الأربعة الأخيرة بنسبة 48.3 في المئة على أساس سنوي.
كما شهدت مجموعات أخرى معدلات تضخم ثقيلة، من بينها: الجبس وأعمال الجبس بزيادة سنوية 62.0 في المئة، والبلوك والسقوف والطوب بـ55.0 في المئة، والموزاييك والرخام والسراميك بـ43.1 في المئة، والحجر بـ40.5 في المئة، والحديد ومواد التسليح بـ25.4 في المئة، ومواد العزل والبيتومين والأسفلت بـ51.4 في المئة، والتمديدات والأدوات الصحية بـ40.4 في المئة، والتجهيزات الميكانيكية والعزل الحراري بـ34.2 في المئة، وأعمال الدهان بـ35.5 في المئة، فيما بلغ مؤشر مجموعة الخدمات 211.7 بزيادة سنوية 48.6 في المئة.
وتكشف هذه الأرقام أن تضخم مدخلات البناء يمضي بوتيرة تتجاوز التضخم العام في الاقتصاد، ما يجعله عائقاً حقيقياً أمام استمرار المشاريع العمرانية والسكنية في البلاد.
وتشير البيانات الرسمية وروايات العاملين في القطاع إلى أن قفزة أسعار المدخلات جعلت البناء في العديد من المناطق «غير ذي جدوى اقتصادية». وأكد خشايار باقر بور، المدير التنفيذي لاتحاد التعاونيات العمرانية في طهران، أن اعتماد قطاع البناء على الخارج لا يتجاوز 5 إلى 10 في المئة— وغالباً يتعلق بآليات وتجهيزات متخصصة— إلا أن التضخم المحلي دفع القطاع إلى مستوى غير مسبوق من الركود. وأضاف أن ركود سوق الإسكان يتفاقم منذ عامين، وأن حجم المعاملات في ربيع هذا العام كان أقل بنحو النصف مقارنة بربيع 2024.
ومع أن 30 في المئة من التكلفة النهائية للسكن مرتبطة بمدخلات البناء والأجور، فإن ارتفاع أسعار هذه المدخلات وحده كفيل برفع كلفة البناء بنسبة لا تقل عن 14 في المئة. كما أسهم انخفاض الإنتاج نتيجة تراجع الطلب النهائي، وانقطاع الكهرباء والغاز عن المصانع، ونقص العمالة بسبب حملات التعامل مع العمال المهاجرين، في زيادة تكاليف إنتاج مواد البناء.
وتُظهر بيانات الربيع لعام 2025 أن البلديات في أنحاء إيران لم تصدر سوى 29 ألفاً و295 رخصة بناء، وهو رقم أقل بنسبة 27.8 في المئة مقارنة بشتاء العام الماضي، وبنسبة 22.7 في المئة مقارنة بربيع العام السابق. أما في طهران، فبلغ عدد الرخص 1,332 فقط، مسجلاً تراجعاً بنسبة 35.1 في المئة عن الربع السابق، وبنسبة 18.9 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
والأهم من ذلك أن قطاع البناء الإيراني يرتبط مباشرة بنحو 150 مهنة، ويتصل بشكل غير مباشر بأكثر من 40 في المئة من العاملين في البلاد؛ ما يعني أن ركوده يفاقم معدلات البطالة ويمتد أثره إلى قطاعات اقتصادية أخرى.



