الصحافة الإيرانية: هل تستطيع الحكومة العراقية المقبلة إعادة الاستقرار للاقتصاد؟
يحتاج العراق إلى قيادة قادرة ليس فقط على إعادة الاستقرار السياسي، بل أيضًا على تبني سياسات اقتصادية طويلة المدى وتنويع مصادر الدخل، لتأمين مستقبل اقتصادي مستقر للأجيال القادمة.

ميدل ايست نيوز: يمثل تشكيل حكومة جديدة في العراق وسط هذه الظروف خطوة ضرورية، وإن كانت معقدة، لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل وإدارة المالية العامة. فبعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر الجاري، دخل العراق مجددًا في مرحلة مألوفة من عدم اليقين السياسي. فقد فاز ائتلاف رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، بأكبر عدد من المقاعد كما كان متوقعًا، لكنه لم يحصل على الأغلبية المطلقة التي تضمن له ولاية ثانية بسهولة. هذا الوضع يضع بغداد أمام مرحلة حساسة، إذ إن المفاوضات الطويلة لتشكيل حكومة ائتلافية قد تستمر لأشهر، مما يعني تأخيرًا في تنفيذ إصلاحات اقتصادية حيوية لبلد يعتمد أكثر من 90 في المئة من إيراداته على صادرات النفط.
وقالت صحيفة دنياي اقتصاد، إن محمد شياع السوداني، الذي تولى رئاسة الحكومة العراقية منذ أواخر 2022، قدّم نفسه خلال الحملة الانتخابية كحل لمشكلات العراق الاقتصادية. تعهّد بخفض العجز وزيادة الإيرادات غير النفطية وتشجيع الشباب على العمل في القطاع الخاص. وسعى بالتوازي إلى إبرام عقود كبيرة مع شركات طاقة أمريكية لضمان تدفّق استثمارات خارجية وتعزيز علاقات بغداد مع واشنطن. لكن طريق تنفيذ هذه الوعود ليس سهلًا. فالسوداني وإن وصل إلى المنصب بدعم بعض القوى الشيعية، يواجه الآن منافسين أقوياء من داخل البيت الشيعي ذاته، ما يجعل عودته إلى رئاسة الوزراء للمرة الثانية مسارًا معقدًا. ويعني ذلك أن نجاح سياساته الاقتصادية سيتوقف بدرجة كبيرة على شكل الحكومة المقبلة وقدرتها على التوافق.
الاقتصاد العراقي تحت الضغط الخارجي
لا تقف المشكلات الاقتصادية في العراق عند حدوده الداخلية. ففي يوليو 2025، حذّر صندوق النقد الدولي من تباطؤ حاد في نمو القطاع غير النفطي، مشيرًا إلى أن الضغوط على الموازنة في ظل أسعار نفط منخفضة دفعت الحكومة إلى زيادة الاقتراض لتغطية العجز. ودعا الصندوق بغداد إلى فرض قيود عاجلة على الإنفاق غير الضروري، وإصلاح نظام الرواتب في القطاع الحكومي، ورفع الرسوم والضرائب، بما يتيح توفير التمويل اللازم للاستثمار في قطاعات غير نفطية، كتطوير منظومة الكهرباء وتحديث البنية التجارية واللوجستية. غير أن تنفيذ هذه الإصلاحات يتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا يصعب تحقيقه في ظل الانقسام القائم.
قبل الانتخابات، أبرمت بغداد عقودًا مهمة. ففي 8 أكتوبر، وقّعت شركة إكسون موبيل اتفاقًا جديدًا لتطوير حقل مجنون النفطي، بعد عامين من خروجها من العراق. كما وقّعت شركة شيفرون في أغسطس مذكرة تفاهم للاستكشاف النفطي. وتشير تقارير إلى أن مفاوضات جارية مع شركة هاليبرتون لتطوير حقل «نهر بن عمر» في جنوب العراق. وقد تكون شيفرون وإكسون ضمن الجهات المرشحة للاستحواذ على أصول شركة لوك أويل الروسية التي تخضع لعقوبات أميركية. هذه التحركات تعكس سعي السوداني إلى حشد الدعم الاقتصادي والسياسي لولاية ثانية، لكن تحقيق أهدافه مرتبط بالحكومة التي ستتولى الحكم.
ومن أبرز التحديات أمام الحكومة المقبلة إدارة التوازن بين الولايات المتحدة وإيران. فواشنطن تراقب نشاط «الحشد الشعبي» عن كثب، وفرضت عقوبات على مؤسسات مرتبطة بطهران داخل العراق. وستحتاج أي حكومة جديدة إلى اتخاذ قرارات دقيقة بشأن كيفية التعامل مع هذه الضغوط دون إشعال توتر داخلي أو خارجي.
تحديات المستقبل ومسار الإصلاح
من المتوقع أن تختار القوى السياسية رئيسًا للوزراء يستطيع إدارة علاقة العراق المعقدة مع واشنطن وطهران. لكن مصير الإصلاحات الاقتصادية ما زال غير واضح، رغم أن نسبة المشاركة البالغة 56 في المئة في الانتخابات – وهي أعلى من المتوقع – تعكس رغبة العراقيين في التغيير.
يقف العراق اليوم عند مفترق طرق حاسم. فأي قرار سياسي قد يرسم ملامح اقتصاده لسنوات طويلة. الدولة ما زالت معرضة لمجموعة واسعة من المخاطر، من ضغوط مالية وتراجع النمو غير النفطي إلى اعتماد شبه كامل على عائدات النفط وتأثير العقوبات والتجاذبات الجيوسياسية ونفوذ الجماعات المسلحة. وفي مثل هذا المشهد، يصبح تحقيق توافق سياسي بالتوازي مع تطبيق إصلاحات اقتصادية عميقة هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة.
بمعنى آخر، يحتاج العراق إلى قيادة قادرة ليس فقط على إعادة الاستقرار السياسي، بل أيضًا على تبني سياسات اقتصادية طويلة المدى وتنويع مصادر الدخل، لتأمين مستقبل اقتصادي مستقر للأجيال القادمة. وبما أن القوى السياسية ستبحث غالبًا عن رئيس وزراء يجيد إدارة علاقات العراق مع واشنطن وطهران، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستواصل الحكومة المقبلة مسار الإصلاح أم تعود الدورة إلى نقطة الصفر؟



