أدوية السرطان الإيرانية تباع في العراق رغم نقص كبير في إيران.. ما القصة؟
تشهد إيران نقصاً حاداً في أدوية السرطان وارتفاعاً كبيراً في أسعارها، وتعقّد الأزمة أكثرَ حقيقةُ ظهور النسخ الأصلية في العراق مقابل تداول عبوات مزيّفة داخل السوق الإيرانية.

ميدل ايست نيوز: تشهد إيران نقصاً حاداً في أدوية السرطان، فقد قفزت أسعارها إلى ما بين 150 و250 مليون تومان (1500–2500 دولار). في الوقت نفسه تكشف الإحصاءات أنه خلال صيف هذا العام جرى ضبط أكثر من 93 ألف علبة من الأدوية المهرّبة. هذا التضارب بين ندرتها وازدهار تهريبها يثير قلق المرضى، خصوصاً أن هذه الأدوية تمثل آخر أمل لهم. وما يزيد الصورة تعقيداً أن النسخ الأصلية ظهرت في صيدليات العراق، بينما تبيّن أن جزءاً مما يُباع في السوق السوداء داخل إيران ليس سوى عبوات مملوءة بالماء المقطّر.
وقال موقع فرارو في تقرير له، إن فيمارا (Femara) يعد من أهم أدوية العلاج الكيميائي المستخدمة في علاج سرطان الثدي. ويُعتبر هذا الدواء حيوياً بالنسبة لإيران، إذ تظهر الإحصاءات الرسمية أن اثنتين من النساء في إيران تُشخّصان بسرطان الثدي كل ساعة، أي نحو 19 ألف امرأة سنوياً. وإذا وُجد فمارا في صيدليات إيران، فإن سعره يقترب من مليونين و200 ألف تومان، لكنه غير متوافر. في المقابل، عُثر على نسخ تحمل باركوداً إيرانياً في صيدليات العراق، تُباع بسعر يقارب 9 ملايين تومان.
وكشفت وكالة مهر الإيرانية في تحقيق لها، عن قيام بعض السماسرة ببيع ماء مقطر على أنه دواء للسرطان، وبأسعار باهظة. ويكشف ذلك عن خيوط مهمة في ما يتعلق بالتهريب وتهديد صحة المرضى. فكيف يقوم المهربون بإخراج الدواء من إيران، وما الذي يعنيه ذلك للمجتمع؟
من ورش تحت الأرض إلى الشاحنات: رحلة الدواء المغشوشة
تتبّع مسار الأدوية السرطانية المغشوشة أوصل المفتشين إلى ورشة تحت الأرض في مدينة شيراز. لم تكن هذه المرة الأولى. ففي ديسمبر 2023 أوقفت السلطات الإيرانية شاحنة تحمل أدوية مهرّبة في طرقات محافظة خراسان الجنوبية. وقال حسن شجاعي نسب، قائد شرطة المحافظة، إن «الأدوية كانت مخفية بين البضائع، وتم ضبط أكثر من 730 ألف علبة من الأدوية النادرة والغالية». وقدّرت القيمة المالية للشحنة بنحو 20 مليار تومان.
الأدوية المخصصة وحلّ لغز التهريب العكسي
تحدث هذه الوقائع رغم أن معظم الأدوية السرطانية في إيران تُوزّع بنظام الحصص، وغالباً عبر الصيدليات الحكومية. وهنا يبرز السؤال: كيف تتحول هذه الأدوية إلى سلع للتهريب العكسي؟ هناك أيضاً نظام رقابي يعتمد على الباركود لتتبع الدواء. لكن العقدة تبدأ عند لحظة تسليم الدواء للمريض، إذ يتوقف حينها الإشراف الرقابي.
يوضح نقي شهابي مجد، مساعد رئيس منظمة الغذاء والدواء للشؤون الإدارية والمالية، بأن مسار الدواء يُراقب من الإنتاج أو الاستيراد وحتى تسليمه للمريض، لكن بعد ذلك يصبح التحكم محدوداً. ويضيف أن بعض الأشخاص يحصلون على الدواء عبر وصفات مزورة. ومع هذا، تتعقّد المشكلة عند الاطلاع على الإحصاءات الرسمية. فقد أعلن مدير إدارة التفتيش والشكاوى في منظمة الغذاء والدواء الإيرانية أنه «في صيف 2025 تم ضبط 93 ألفاً و342 علبة دواء مهرّبة في إيراة، بقيمة 244 مليار ريال». وهذا يعني أن هناك ثغرة حقيقية تجعل النظام الرقابي غير كاف. فكيف يتم تجاوز النظام؟ وكيف ينتهي الدواء في صيدليات الدول المجاورة بدلاً من المرضى الإيرانيين؟
ومن بين ما يجب التوقف عنده أيضاً، سرقة أدوية العلاج الكيميائي من المستشفيات. في تقرير لصحيفة «اعتماد» نُشر في مارس 2024، كُشف عن سرقات حدثت في مستشفيين حكوميين على الأقل، وفتحت بشأنها ملفات قضائية. أوضح التقرير أن هذه السرقات ليست أمراً جديداً ولا محدوداً.
متهم آخر: الصيدليات
عنصر آخر يُشتبه في دخوله في عملية التهريب قبل وصول الدواء للمريض، وهو بعض الصيدليات. يقول محمد منفرد، نائب رئيس نقابة الصيادلة الإيرانيين: «تقول الصيدليات إن الدواء الذي يكون نادراً اليوم قد لا يكون نادراً غداً، ويجب توزيع الدواء بالطريقة التي نراها مناسبة. هناك صيدلية لم يمضِ على تأسيسها سوى عام واحد، سُلّمت لها أدوية بقيمة 60 مليار تومان، ولا نعرف أين ذهبت هذه الأدوية».
بعيداً عن صحة مرضى السرطان، فإن هذه الأدوية تُستورد أو تُنتج تحت تأثير العقوبات وبدعم من العملة التفضيلية بسعر 28 ألفاً و500 تومان. أي أن خروج أي دواء من الشبكة الرسمية يعني هدراً لموارد إيران المحدودة من العملة الصعبة، وهي موارد كان ينبغي أن تُستخدم لعلاج المرضى. ويؤدي تسرب هذه الأدوية إلى خارج القنوات الرسمية إلى ضغط أكبر على النظام الصحي، وزيادة في الأسعار وشحّ أكبر، وهو نقص يصيب في النهاية الأمل الأخير لمرضى السرطان مباشرة.



