شح السيولة يعمّق ركود الأسواق العراقية
تشهد الأسواق العراقية ارتفاعاً في الأسعار وركوداً متصاعداً في المبيعات منذ أيام، وسط تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتأخر صرف رواتب الموظفين.

ميدل ايست نيوز: تشهد الأسواق العراقية ارتفاعاً في الأسعار وركوداً متصاعداً في المبيعات منذ أيام، وسط تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتأخر صرف رواتب الموظفين، في وقت تستمر فيه الضغوط على الأسعار الأساسية قبيل حلول شهر رمضان.
ومع اعتماد أكثر من 60% من الاستهلاك الأسري على الدخل الثابت للموظفين والمتقاعدين، أدى تأخر الرواتب إلى تراجع واضح في الطلب، ما أثر على حركة البيع والشراء ودفع العديد من التجار إلى تقليص كميات البضائع المعروضة خشية الخسائر.
وأظهرت بيانات رسمية في وقت سابق، أن معدل التضخم السنوي في العراق بلغ نحو 1.5% بحلول نهاية عام 2025، ما يجعل مستويات الأسعار شبه مستقرة مقارنة بدول أخرى، لكن ذلك لا يعكس الارتفاع الملحوظ في كلفة السلع الأساسية في الأسواق اليومية، وهو ما يشعر به المواطنون في مشترياتهم اليومية، ولا سيّما المواد الغذائية والخدمية.
مراقبة الأسواق
أعلن وزير التجارة، أثير الغريري، مساء أول من أمس، عن خطة حكومية متكاملة تهدف إلى خفض أسعار المواد الغذائية الأساسية خلال فترة شهر رمضان المقبل، مؤكداً أن الحكومة لن تسمح بأي استغلال للمواطنين أو التلاعب بقوتهم اليومي،
وجاء ذلك خلال جولة تفقدية أجراها الوزير في عدد من أسواق بغداد لمتابعة حركة الأسعار، إذ شدّد على أنّ أسعار السلع ستنخفض في شهر رمضان ولن ترتفع، متحدثاً بثقة عن قدرة الحكومة على كبح أي موجات غلاء موسمية.
وأوضح الغريري أن الإجراءات الحكومية الصارمة، ولا سيّما التحركات الميدانية للفرق الرقابية، تهدف إلى قطع الطريق أمام ضعاف النفوس الذين يحاولون استغلال الظروف الاقتصادية أو التشويش على القرارات الحكومية، نافياً في الوقت ذاته وجود أي زيادات حديثة في الرسوم الجمركية على المواد الغذائية أو الطبية.
وأشار الغريري إلى أنّ البلاد تمر بمرحلة انتقالية تاريخية لتنظيم القطاع التجاري، عبر تفعيل نظام التعرفة الجمركية ونظام الأسيكودا (نظام جمركي عالمي مؤتمت)، لمكافحة الفواتير الوهمية وتهريب الأموال، مؤكداً أن الأيام المقبلة ستشهد توضيحات مفصلة بشأن التعرفة الجديدة، مع استمرار الوجود الميداني للوزارة لضمان استقرار الأسعار.
ركود واسع
قال التاجر عمر حماد محمود، إنّ الأسواق المحلية تشهد ركوداً اقتصادياً واضحاً منذ أيام نتيجة تداخل عوامل عدّة؛ في مقدمتها نقص السيولة النقدية وتأخر صرف رواتب الموظفين، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية.
وبيّن محمود، لـ”العربي الجديد”، أن ضعف السيولة انعكس مباشرةً على القدرة الشرائية للمواطنين، إذ تراجعت حركة الشراء على نحوٍ ملحوظ، وانخفضت مبيعات التجار إلى مستويات متدنية مقارنة بالفترات السابقة، الأمر الذي دفع العديد منهم إلى تقليص كميات البضائع المعروضة خشية الخسائر.
وأضاف محمود أن الأسواق تشهد انتعاشاً محدوداً ومؤقتاً خلال فترة استلام رواتب الموظفين، لا يستمر سوى أيام قليلة، قبل أن تعود حالة الركود والتذبذب، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، وأكد أن قلة الأرباح الحالية وعدم توفر السيولة النقدية الكافية حرما التجار من إعادة تنشيط أعمالهم بالشكل المطلوب، وأسهما في انكماش الأسواق وتأثر مختلف حلقات النشاط التجاري.
ضعف القدرة الشرائية
عبّر عدد من المواطنين لـ”العربي الجديد”، عن معاناتهم من تأخر صرف رواتبهم الشهرية، مؤكدين أن هذا التأخير انعكس مباشرةً على قدرتهم على تلبية متطلبات الحياة اليومية.
وقال المتقاعد أبو علي (63 عاماً) إن تأخر الرواتب وارتفاع الأسعار ضاعفا من معاناة شريحة المتقاعدين، موضحاً أن الراتب التقاعدي أصبح بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، خاصة أن شهر رمضان على الأبواب، وأشار إلى أنّ أغلب المتقاعدين يعتمدون كلياً على هذا الدخل الثابت، ومع أي تأخير يضطرون إلى تقليص مصروفاتهم والاقتصار على الضروريات، بل واللجوء أحياناً إلى الاستدانة.
من جانبه، أوضح أحمد كريم (41 عاماً)، أن تأخر صرف الرواتب خلال الفترة الماضية انعكس مباشرةً على استقرار عائلته المعيشي، مؤكداً أن الراتب الشهري هو المصدر الأساسي لتغطية الإيجار وفواتير الخدمات والمواد الغذائية.
اختلالات إدارة السيولة
أفاد الخبير الاقتصادي كريم الحلو، بأنّ أزمة تأخر الرواتب جاءت نتيجة شح السيولة المالية لدى الحكومة والمصارف الحكومية، ما دفع وزارة المالية إلى اللجوء لاحقاً إلى خيار المناقلة بين الوزارات والدوائر لتأمين رواتب شهر يناير/ كانون الثاني، والمناقلة يقصد بها نقل مبالغ مالية مخصّصة لجهة معينة أو غرض معين، وتحويلها لصرفها في جهة أخرى أو لغرض آخر.
وبيّن الحلو، لـ”العربي الجديد”، أنّ تأخر صرف الرواتب أدى إلى دخول الأسواق في حالة ركود ملحوظة، مع تباطؤ الدورة النقدية وتأثر أصحاب المحالّ والتجار الصغار مباشرةً، وأوضح أن الاعتماد على المناقلة شكّل معالجة مؤقتة لتجاوز الأزمة الآنية، لكنه كشف في الوقت ذاته عن اختلالات في إدارة السيولة والتدفقات المالية.
وشدد الحلو على أن انتظام صرف الرواتب في مواعيدها المحددة يعد عاملاً أساسياً في حماية السوق من الركود، وأن أي خلل مماثل قد يؤدي إلى اضطراب اقتصادي واجتماعي أوسع.



