الصواريخ قبل النووي: جوهر المواجهة الخفية بين واشنطن وطهران
تمثل القدرات الصاروخية الإيرانية تحدياً استراتيجياً من نوع مختلف، وتتجاوز مخاطرها بالنسبة للولايات المتحدة وحلفاءها حدود الشرق الأوسط، في ظل امتلاك طهران مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية.

ميدل ايست نيوز: في الآونة الأخيرة، حيث كان من المقرر أن تعقد الولايات المتحدة مفاوضات مع إيران في سلطنة عُمان. غير أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصلت إلى حافة الإعلان عن إلغاء هذه المحادثات على خلفية خلافات تتعلق بإصرار طهران على حصر المفاوضات حصراً ببرنامجها النووي، في حين كانت واشنطن تسعى إلى توسيع جدول الأعمال ليشمل مجموعة واسعة من القضايا. هذا الخلاف وحده يطرح تساؤلاً جوهرياً: ما القضية التي تتحفّظ إيران على مناقشتها أكثر حتى من برنامجها النووي، الذي تُعدّه في منزلة المقدّس؟
قد تكون الإجابة أبسط وأكثر وضوحاً مما يُتصوَّر. إنها تكمن في برنامج إيران للصواريخ الباليستية.
تمثل القدرات الصاروخية الإيرانية تحدياً استراتيجياً من نوع مختلف، وتتجاوز مخاطرها بالنسبة للولايات المتحدة وحلفاءها حدود الشرق الأوسط، في ظل امتلاك طهران مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية. فهذه الصواريخ، بمجرد إطلاقها، تغادر الغلاف الجوي إلى الفضاء الخارجي، ثم تعود لتدخل الغلاف الجوي مجدداً بسرعات هائلة باتجاه أهدافها، وهو مسار طيران يجعل اعتراضها مهمة بالغة الصعوبة حتى أمام أكثر أنظمة الدفاع تطوراً.
ويُعد نظام «ثاد» الأميركي (THAAD – منظومة الدفاع الجوي للارتفاعات العالية في المرحلة النهائية) النظام الوحيد القادر على اعتراض الصواريخ الباليستية وتدميرها. وقد أظهر هذا النظام قدرات عالية في الاعتراض مع نسبة إخفاق محدودة. إلا أن إيران سعت إلى تحييد هذا التفوق عبر إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ في وقت واحد خلال المواجهة التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل العام الماضي.
ورغم نشر الولايات المتحدة منظومة «ثاد» في إسرائيل، بدعم من أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، فإن بعض الصواريخ الإيرانية نجحت في اختراق الدفاعات. وعلى الرغم من أن الأضرار كانت محدودة، فإنها كانت مؤلمة بما يكفي للتأثير في حسابات كل من واشنطن وتل أبيب بشأن خطواتهما المقبلة تجاه إيران، وبالتالي في رسم ملامح المواجهة الكبرى التالية في المنطقة.
تتعامل الولايات المتحدة مع ملف الصواريخ الباليستية بجدية بالغة. وقد لخّص أحد المصادر في واشنطن هذا الموقف بعبارة صريحة خلال حديث خاص: «على إيران أن تودّع صواريخها الباليستية، أو تذهب إلى الحرب». ويعود هذا التشدد، جزئياً، إلى امتلاك إيران صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى. وفي حال انتقلت إلى امتلاك صواريخ بعيدة المدى، ربما بمساعدة تقنيات صينية أو كورية شمالية، فإن ذلك يعني أن مدناً مثل لندن قد تقع بسهولة ضمن مدى الصواريخ الإيرانية.
وعليه، يتمثل الشرط الرئيسي لواشنطن في التفكيك الكامل لبرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، بوصفه التهديد الاستراتيجي الأكثر إلحاحاً، إضافة إلى تدمير هذه المنظومات أو نقلها إلى طرف ثالث موثوق وتحت إشراف دولي. ورغم عدم وجود أرقام مؤكدة حول حجم هذا الترسانـة، تشير التقديرات إلى أن إيران تمتلك عدة آلاف من الصواريخ الباليستية، ما يثير تحديات إضافية تتعلق بالإخفاء والتحقق. فحتى في حال وافقت طهران على تفكيك البرنامج، فإن مراقبة التنفيذ الفعلي لذلك ستشكل مهمة بالغة التعقيد.
في الوقت نفسه، لا يقتصر قلق واشنطن على الصواريخ الباليستية وحدها. فإلى جانب ذلك، تواصل الولايات المتحدة الضغط من أجل فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني. ووفقاً لمؤشرات دبلوماسية متعددة، لا يزال التوقع الأميركي يتمثل في حظر كامل لأي برنامج نووي إيراني ذي مضمون فعلي، سواء كان عسكرياً أم مدنياً. وأي استثناء مدني محدود سيستوجب رقابة مكثفة ومستمرة، بما في ذلك مشاركة أميركية مباشرة في عمليات التفتيش.
كما تشمل الشروط الأميركية إنهاء التدخل الإيراني في العراق وإقليم كردستان. فقد أصبح النفوذ السياسي والمالي والأمني الذي مارسته طهران في العراق منذ عام 2003 بنداً صريحاً على جدول المفاوضات. وفي هذا السياق، تبدي إيران تحدياً واضحاً، إذ تدعم عودة حليفها رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي إلى السباق على رئاسة الحكومة، في خطوة تُعد تحدياً مباشراً لترامب. وقد ردّ الرئيس الأميركي بالتهديد بإنهاء الدعم الأميركي للعراق في حال عودة المالكي، إلا أن الكتل السياسية الشيعية العراقية المدعومة من إيران جدّدت تأييدها له.
وفي هذا الإطار، تمضي الولايات المتحدة إلى حد فرض عقوبات تستهدف بشكل خاص مسؤولين وكيانات عراقية مرتبطة بإيران أو بالحرس الثوري الإيراني أو بالميليشيات التابعة له. وتشمل هذه الإجراءات تجميد الأصول، وحظر السفر، وإدراج أسماء على لوائح الإرهاب. كما تواجه المؤسسات المالية العراقية التي تسهّل عمل هذه الشبكات مخاطر عقوبات قاسية، من بينها الإقصاء عن نظام «سويفت»، وهو ما قد يؤدي فعلياً إلى شلّ القطاع المصرفي والتجاري العراقي.
وتشمل الشروط الأميركية أيضاً ملف حقوق الإنسان والحريات المدنية داخل إيران، بما يتماشى مع مطالب الشعب الإيراني. ويتضمن ذلك الوقف الفوري لقتل المتظاهرين والمعارضين، وضمان الحريات المدنية الأساسية، وتحقيق تحسّن ملموس في أوضاع حقوق الإنسان.
وعلى الرغم من أن المخاوف النووية لا تزال قائمة، فإن الصواريخ الباليستية باتت، على ما يبدو، مصدر القلق العملياتي الأكثر إلحاحاً بالنسبة لواشنطن. فالقدرة النووية تشير إلى تصعيد محتمل في المستقبل. وحتى لو وصلت إيران إلى امتلاك سلاح نووي، فإن استخدامها له سيشكّل خياراً انتحارياً، إذ إن الرد الأميركي والإسرائيلي سيعني نهاية الجمهورية الإسلامية. أما الصواريخ الباليستية، فرغم أنها لا تُصنَّف أسلحة دمار شامل، فقد منحت إيران قدرة أكبر على بسط نفوذها الإقليمي واستخدامه كورقة ضغط في الحرب وعلى طاولة المفاوضات.
أمر واحد يبدو مؤكداً: التركيز المكثف على الصواريخ الباليستية يعكس إصرار الرئيس ترامب على الحدّ بشكل كبير من قوة إيران.
Mudar Adnan Zahran



