بين طهران وواشنطن… أين تقف بكين في المواجهة؟
يعتقد بعض المحللين الصينيين أن انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد يخفف تركيزها على احتواء الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ميدل ايست نيوز: على مدى سنوات، ومع كل تصعيد بين إيران والغرب، ربطت أطراف داخلية مصير البلاد بموسكو وبكين، واعتبرت أن الشرق يكفي إيران ولا حاجة إلى توازن بين الشرق والغرب، مستندة إلى استخدام الصين وروسيا حق النقض ضد قرارات مجلس الأمن المتعلقة بطهران. لكن السؤال المطروح اليوم هو: أين تقف الصين في المواجهة الراهنة؟
«إيران لا تملك حليفًا حقيقيًا»
كتب حساب «نيوتان-تشاينا» القريب من وسائل الإعلام الحكومية الصينية أن إيران لا تملك حليفًا حقيقيًا، مضيفًا أن حتى أقرب الدول إليها تضع مصالحها الوطنية فوق دعم طهران في الأزمات.
ولفهم موقع الصين في الصراع الإيراني الأميركي، يكفي النظر إلى المواقف الرسمية. فقد نفت بكين تقارير تحدثت عن استكمال اتفاق لبيع صواريخ مضادة للسفن من طراز CM-302 إلى إيران قبل الهجمات الأميركية الإسرائيلية المشتركة. ووصفت ماو نينغ، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، تلك التقارير بأنها جزء من حملة تضليل.
وبحسب تقرير لموقع رويداد 24، فإن هذا النفي يعني أمرين: أن الصين لا تعتزم بيع أسلحة لإيران في هذه الظروف، وأنها لا تتسامح حتى مع شائعات من هذا النوع، ما يشير إلى أن طهران لا تستطيع التعويل على بكين لتعزيز قدراتها الدفاعية بشكل مباشر.
إدانة بلا كلمة «ندين»
جاء رد الصين على الهجمات الأميركية الإسرائيلية حذرًا منذ الساعات الأولى. وأعربت وزارة الخارجية عن قلق عميق إزاء الضربات، مؤكدة ضرورة احترام سيادة إيران وأمنها ووحدة أراضيها، ودعت إلى وقف فوري للعمليات العسكرية ومنع التصعيد واستئناف الحوار والحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط.
غير أن بكين لم تصدر بيانًا مستقلًا، بل اكتفت بالرد على أسئلة الصحفيين، ولم تتضمن مواقفها إدانة صريحة للعمل العسكري. وفي جلسة لمجلس الأمن، قال المندوب الصيني إن الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفتا أهدافًا داخل إيران بصورة متهورة، ما أدى إلى تصعيد مفاجئ في التوتر الإقليمي، مشددًا على التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ورفض استخدام القوة أو التهديد بها. لكنه لم يستخدم عبارة «ندين». في المقابل، وصفت موسكو الهجمات بأنها عمل مخطط له وغير مبرر وأدانته صراحة.
لماذا تتحفظ الصين؟
أوضحت مجلة «تينك تشاينا» أن دعم إيران علنًا قد يعرّض الصين لصعوبات في التعامل مع أي قيادة جديدة محتملة في طهران إذا تغيرت الأوضاع، معتبرة أن موقف بكين يعكس انتظارًا حذرًا لتطورات المشهد.
وذكرت مؤسسة كارنيغي أن الصين تتجنب عمدًا الالتزامات الأمنية الملزمة تجاه دول ثالثة، وأن ذلك جزء من تصميمها الاستراتيجي، لا مؤشر ضعف. فمصالحها الأمنية الأساسية تتركز في شرق آسيا، ليس في مناطق بعيدة. وهي تركز على قدراتها العسكرية في محيطها الجغرافي وتقليص نقاط ضعفها هناك.
وتعد الصين أكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة، وتشتري النفط من السوق العالمية، ولا تربط سياستها في أي منطقة بدولة واحدة. ففي الشرق الأوسط، تحتفظ بعلاقات مع إيران، وفي الوقت نفسه مع السعودية والإمارات ومصر وتركيا، كما أقامت علاقات نشطة مع إسرائيل لفترة.
ظل اللقاء المرتقب بين بكين وواشنطن
تستعد الصين لاجتماع مهم مع الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يلتقي دونالد ترامب وشي جين بينغ في بكين خلال الأسابيع المقبلة، في قمة يُرجح أن تبحث تمديد الهدنة التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.
ويُعد إلغاء أو تأجيل اللقاء مكلفًا لبكين، التي تحتاج إلى تمديد الهدنة التجارية، وتقليص الدعم الأميركي لتايوان، وتخفيف قيود تصدير التكنولوجيا. ويرى محللون أن لدى الصين دوافع قوية للحفاظ على استقرار علاقاتها مع واشنطن.
هل يخدم التصعيد مصالح الصين؟
يعتقد بعض المحللين الصينيين أن انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد يخفف تركيزها على احتواء الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما قد يفتح نافذة استراتيجية لبكين، كما حدث خلال حربي العراق وأفغانستان. وتنتشر حاليًا أكبر قوة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط منذ 2003، وقد يؤدي استمرار هذا الانتشار إلى استنزاف موارد واشنطن بعيدًا عن آسيا.
لكن محللين آخرين يرفضون هذا الطرح، معتبرين أن الولايات المتحدة قادرة على العمل في عدة جبهات مستفيدة من التكنولوجيا المتقدمة وتحالفاتها.
وأشارت مجلة «ناشونال إنترست» إلى أن من أبرز دروس الحرب بالنسبة للصين هو استخدام الذكاء الاصطناعي والعمليات السيبرانية ودمج المعلومات في الحروب الحديثة، ما يشير إلى تلاشي الفاصل بين التكنولوجيا المدنية والعسكرية.
لماذا لا تخدم الحرب مصالح الصين؟
تبقى الطاقة نقطة ضعف الصين الأساسية، فهي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ويشكل الشرق الأوسط جزءًا مهمًا من سلة وارداتها. وفي السنوات الأخيرة، توجه نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيراني إلى الصين، غالبًا بخصومات ساعدت بكين على إدارة مخاطر العقوبات وتقلبات الأسعار. لكن هذا الاعتماد قد يتحول إلى نقطة ضعف في حال تفاقم الحرب.
فحتى احتمال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز قد يرفع تكاليف التأمين ويغير مسارات الناقلات ويزعزع استقرار السوق. والاقتصادات الصناعية في آسيا حساسة لارتفاع أسعار النفط، ما يجعل كلفة الطاقة مسألة سياسية داخلية بالنسبة للصين.
تداعيات «السابقة»
لفتت «ناشونال إنترست» إلى أن الصين، رغم شراكتها الاستراتيجية مع إيران، لم ترسل قوة بحرية لضمان أمن الملاحة ولم تقدم ضمانات أمنية، وهو فراغ لن يمر دون ملاحظة في المنطقة.
كما أن اغتيال قائد رفيع في هجوم خارجي مسألة حساسة للأنظمة السلطوية. وإذا أدت تطورات إيران إلى اضطراب واسع أو تغيير سياسي، فقد تلجأ بكين إلى تشديد الرقابة الداخلية وزيادة القيود الأمنية تحسبًا لأي تداعيات، وهو خيار قد يحمل كلفة داخلية.
خلص التقرير إلى أن الصين لا تقف إلى جانب إيران ولا إلى جانب الولايات المتحدة، بل إلى جانب مصالحها. فهي تعبر عن القلق بحساب، وترفض بيع السلاح وتنفي حتى الشائعات، وتحافظ على قنواتها مع واشنطن، وتنوع مصادر طاقتها، وتراقب تطورات طهران عن كثب. وفي خضم الحرب، تبدو بكين لاعبًا براغماتيًا يوازن بين الكلفة والعائد.



