لماذا لم تدخل جماعة أنصار الله إلى الآن ساحة المواجهات إلى جانب إيران؟
تزداد احتمالات اتساع رقعة المواجهة لتشمل البحر الأحمر. فقد تلجأ إيران، التي ترى في جزيرة خارك نقطة رئيسية لصادراتها النفطية، إلى الاستفادة من قدرات أنصار الله للرد على أي تهديدات محتملة.

ميدل ايست نيوز: لم تدخل جماعة أنصار الله اليمنية حتى الآن بشكل جدي في الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن دخولها المحتمل إلى المواجهة قد يوجه ضربة كبيرة للاقتصاد العالمي.
ومع تصاعد التوترات النفطية نتيجة القيود المفروضة على المرور عبر مضيق هرمز، اتجهت الأنظار العالمية نحو مضيق باب المندب. يُعد هذا الممر الاستراتيجي، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ثاني أهم شريان حيوي للطاقة في العالم. ورغم أن جماعة أنصار الله لم تقدم حتى الآن على أي خطوة مباشرة في الأزمة الأخيرة، فإن إعلانها الاستعداد للتدخل دفع الأنظار إلى التوجه نحو صنعاء، وفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة للاقتصاد العالمي. ويحذر محللون من أن إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب في وقت واحد قد يعطل سلاسل الإمداد العالمية ويطلق موجة جديدة من الأزمات الاقتصادية.
ويبلغ عرض مضيق باب المندب نحو 26 كيلومترًا فقط، ويفصل اليمن عن جيبوتي وإريتريا، ويؤدي دورًا أساسيًا في التجارة الدولية. وتشير إحصاءات دولية إلى أن نحو 15 في المئة من حجم التجارة البحرية العالمية، و30 في المئة من حركة الحاويات، وما يقرب من 10 في المئة من صادرات النفط الخام تمر عبر هذا الممر. ويعبر المضيق سنويًا أكثر من 20 ألف سفينة تجارية وناقلة نفط، ما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي. ويؤدي إغلاق هذا الممر إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل، كما قد يسبب نقصًا في الطاقة في الأسواق الرئيسية. ويؤكد خبراء اقتصاديون أن مثل هذا الاضطراب، خاصة في الظروف الراهنة، سيترك آثارًا متعددة على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي، وقد يفاقم الركود العالمي.
وفي هذا السياق، فإن التهديد باحتلال جزيرة خارك من قبل قوات أجنبية وضع إيران في موقع قد يدفعها إلى الاستفادة من حلفائها الإقليميين. وأعلنت مصادر مطلعة في المجلس السياسي لجماعة أنصار الله في اليمن أن الجماعة مستعدة لتقديم دعم كامل لطهران. وقال أحد هؤلاء المسؤولين إن الحكومة الأمريكية، في سعيها لمواجهة إيران، وهو ما قيل إنه جاء بمبادرة من مسؤولين إسرائيليين، لم تحقق أهدافها وتسعى الآن إلى تبرير إخفاقاتها. وأضاف أن حق إيران في ممارسة سيادتها على مضيق هرمز يعد مبدأ مشروعًا وبديهيًا، وأن طهران استخدمت هذا الخيار للدفاع عن مصالحها. كما أعلن أن أنصار الله يقفون إلى جانب إيران، وأنهم سيدخلون، إذا لزم الأمر، في مواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية بكامل قدراتهم.
ووصف هذا المسؤول اليمني فرض السيطرة على مضيق باب المندب بأنه أحد الخيارات الجدية، محذرًا من أنه إذا تم اتخاذ هذا القرار فلن يسمح لأي سفينة أو قطعة بحرية تابعة للولايات المتحدة أو إسرائيل أو حلفائهما بالعبور. وأضاف أن الجماعة تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة متطورة ودقيقة قادرة على إيقاف هذه السفن وتدميرها. كما أشار إلى تجارب سابقة لأنصار الله، مؤكدًا أن الجماعة أثبتت من قبل قدرتها على استهداف سفن حربية أمريكية، ولن تتسامح مع أي مرور في مثل هذه الظروف. وتأتي هذه التصريحات في ظل قيام أنصار الله خلال السنوات الأخيرة بتنفيذ هجمات على سفن مرتبطة بإسرائيل.
ومن منظور جيوسياسي، فإن إغلاق مضيق باب المندب قد يعرقل مشاريع نقل وترانزيت أخرى. ومن أبرز هذه المشاريع ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الاقتصادي، الذي أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في الهند. ويهدف هذا المشروع، الذي طُرح بوصفه منافسًا لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية، إلى ربط الهند بأوروبا عبر موانئ الإمارات مثل ميناء جبل علي، بينما يمر مساره البري عبر السعودية والأردن وصولًا إلى ميناء حيفا في إسرائيل. ويهدف المشروع إلى تحويل إسرائيل إلى مركز عبور بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهو يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار الممرات البحرية مثل مضيقي هرمز وباب المندب. ويؤدي انعدام الأمن في هذه المناطق إلى تعطيل تنفيذ المشروع، كما يضعف النفوذ الاقتصادي للولايات المتحدة وحلفائها في مواجهة المنافسين الآسيويين.
وحذر محللون دوليون، بينهم خبراء في مؤسسات بحثية مثل مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، من أن أي اضطراب في مضيق باب المندب قد يدفع معدلات التضخم في أسعار الطاقة في أوروبا والولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة، وقد يسرع وتيرة الركود الاقتصادي العالمي. وعلى المستوى الاستراتيجي، قد يضع هذا الوضع قدرة واشنطن على ضمان أمن الملاحة البحرية موضع تساؤل، ويهز بنية النفوذ العالمي للولايات المتحدة. كما أن ما يعرف بمحور المقاومة بقيادة إيران قد يؤدي، عبر مثل هذه الخطوات، إلى تهديد خطط النقل الغربية وإحداث تحول في توازن القوى في الشرق الأوسط.
وفي ظل التهديدات المتبادلة، تزداد احتمالات اتساع رقعة المواجهة لتشمل البحر الأحمر. فقد تلجأ إيران، التي ترى في جزيرة خارك نقطة رئيسية لصادراتها النفطية، إلى الاستفادة من قدرات أنصار الله للرد على أي تهديدات محتملة.



