استهداف أكبر مجمّعَين للصلب في إيران: ما هي مكانتهما في الاقتصاد الإيراني؟
أكدت السلطات الإيرانية، تعرض أكبر مصانع البلاد للصلب إلى هجمات أميركية وإسرائيلية

ميدل ايست نيوز: أكدت السلطات الإيرانية، تعرض أكبر مصانع البلاد للصلب إلى هجمات أميركية وإسرائيلية، في محافظتَي أصفهان وسط إيران وخوزستان جنوب غربها، ما يعني أن الحرب على إيران بدأت تدخل مرحلة جديدة باستهداف أكبر مصانعها.
أفاد نائب محافظ أصفهان للشؤون الأمنية، أكبر صالحي، بأن مجمع “فولاد مباركة” الواقع في مدينة مباركة بمحافظة أصفهان تعرض لهجوم جوي عصر اليوم الجمعة، مشيراً إلى أنّ هذا الاعتداء تسبب في وقوع أضرار مادية بالمجمع الصناعي، وفق التلفزيون الإيراني.
من جانبها، أوضحت وكالة “فارس” للأنباء أن القصف الذي استهدف “مجمع فولاد مباركة” أصفهان طاول محطة فرعية للكهرباء وخط إنتاج الفولاد السبائكي، وأشارت الوكالة إلى أن الهجوم الذي استهدف مصنع فولاذ خوزستان أصاب عنابر التخزين والمستودعات التابعة للشركة. وسبق ذلك إعلان نائب رئيس محافظة خوزستان للشؤون الأمنية، ولي الله حياتي، أن هجوماً جوياً وقع على منشآت صناعية في المحافظة، مشيراً إلى أن الطائرات المهاجمة استهدفت “شركة خوزستان لصناعات الصلب”، واصفاً الهجوم بأنه “عدواني ووحشي”. وأوضح أن المعلومات التفصيلية بشأن حجم الخسائر والأضرار ستُعلن لاحقاً بعد استكمال التقييم الميداني.
وأعلنت وزارة الصناعة والتعدين والتجارة الإيرانية أن جزءاً من معدات ومنشآت مجمّعَي “فولاد خوزستان” و”فولاد مباركة” في أصفهان قد تضرّر نتيجة الهجوم، وأن الفرق الفنية موجودة في الموقع لإجراء تقييم دقيق للخسائر. وأوضحت أنه لم تُسجَّل حتى الآن أي خسائر بشرية في “فولاد خوزستان”، بينما لا تزال التحقيقات بشأن “فولاد مباركة” مستمرة، “مع احتمال وجود شهداء ومصابين”.
إلى ذلك، أصدر مجمّع “فولاد مباركة” في أصفهان بياناً بشأن الهجوم الذي استهدف منشآته، موضحاً أن فرق السلامة والإطفاء والفرق الفنية هرعت فوراً إلى موقع الحادث وبدأت باتخاذ الإجراءات اللازمة للسيطرة على الوضع. وأكد البيان أن الحالة حالياً تحت السيطرة، فيما يواصل الخبراء فحص الجوانب الفنية وتقييم حجم الأضرار بدقة، وأضاف أن التفاصيل الكاملة والتقرير النهائي حول الحادث سيُعلَن لاحقاً بعد استكمال التحقيقات.
مصنع فولاذ مباركة
يُعدّ مجمع “فولاد مباركة” في أصفهان أكبر مصنع للصلب في الشرق الأوسط وأكبر وحدة صناعية في إيران، ويقع جنوب مدينة كركوند وجنوب غرب مدينة مباركة في محافظة أصفهان بوسط البلاد. ويُعدّ المجمع اليوم محركاً رئيسياً لعدد كبير من الصناعات المرتبطة بالقطاعَين الفوقي والتحتي للصلب.
وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة “فولاد مباركة”، سعيد زرندي، في 16 يناير/كانون الثاني 2026، إن الشركة تستهدف الانضمام إلى قائمة أكبر 20 شركة لإنتاج الصلب في العالم وتحقيق إيرادات سنوية تبلغ 15 مليار دولار، مشيراً إلى وضع ستّ استراتيجيات لتحقيق هذه الأهداف ضمن رؤية تمتد حتى عام 2036.
ويقع المجمع على بُعد 75 كيلومتراً جنوب غرب مدينة أصفهان، على مساحة تبلغ نحو 35 كيلومتراً مربعاً، منها 17 كيلومتراً مربعاً مخصّصة لصالات الإنتاج. ويضم خطوط إنتاج للصفائح الفولاذية المسطحة المدرفلة على الساخن والبارد، إضافة إلى الصفائح المطلية بالقصدير والمجلفنة والملونة، بسماكات تتراوح بين 0.18 و16 مليمتراً.
يُعدّ مجمع “فولاد مباركة” في أصفهان أكبر مصنع للصلب في الشرق الأوسط وأكبر وحدة صناعية في إيران، وهو المحرك الرئيسي لعدد كبير من الصناعات المرتبطة بالقطاعَين الفوقي والتحتي للصلب.
وتعود فكرة إنشاء المجمع إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، في فترة شهدت فيها إيران تراجعاً حاداً في عائدات النفط والعملات الأجنبية. ودخلت المرحلة الأولى من المشروع الخدمة بطاقة إنتاجية بلغت 2.4 مليون طن من الصلب سنوياً، قبل أن ترتفع إلى 4.5 ملايين طن عام 2001. وفي عام 2006 استحوذت المجموعة على مجمع “فولاد سبا”، لترتفع الطاقة الإنتاجية إلى خمسة ملايين طن من الصلب الخام سنوياً، ثم وصلت إلى 6.5 ملايين طن عام 2011 بعد شراء شركة فولاذ هرمزغان جنوبي البلاد.
وأشار المدير التنفيذي للشركة إلى أنّ المجموعة دشنت عام 2017 شركة “فولاد سنغان” في شرق إيران، ما ساهم في رفع الطاقة الإنتاجية للصلب الخام تدريجياً إلى 10.3 ملايين طن، قبل أن تصل حالياً إلى نحو 12 مليون طن سنوياً. وتُعد “فولاد مباركة” حالياً أكبر منتج للصفائح الفولاذية المسطحة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما تُعد أكبر منتج مركّز للحديد الإسفنجي في العالم بإنتاج يبلغ 12.8 مليون طن.
وتوفّر المجموعة المواد الأولية لأكثر من ثلاثة آلاف مصنع وورشة صناعية في إيران، في قطاعات الأنابيب والمقاطع المعدنية والنفط والغاز والبتروكيماويات وصناعة السيارات والمحركات الكهربائية والأجهزة المنزلية والصناعات المعدنية الخفيفة والثقيلة والبناء والصناعات الغذائية وبناء السفن والمنشآت البحرية، كما تصدّر الشركة جزءاً من منتجاتها إلى الأسواق العالمية، وتمتلك حالياً القدرة على التصدير إلى أكثر من 38 دولة.
وفي النصف الثاني من عام 2022 نجحت الشركة في إنتاج صفائح الفولاذ المقاوم للصدأ، وهو أحد أكثر المنتجات الفولاذية استخداماً، وبدأ الإنتاج التجاري الواسع لهذا المنتج منذ مطلع عام 2023 بطاقة تبلغ 50 ألف طن سنوياً، ما يساهم في توفير نحو 200 مليون دولار من العملة الصعبة سنوياً.
وتُعد مجموعة “فولاد مباركة” من الشركات القليلة في إيران التي تمتلك سلسلة إنتاج متكاملة للصلب، تمتد من تعدين خام الحديد وصولاً إلى عمليات الدرفلة وإنتاج الصفائح والمنتجات الفولاذية المطلية.
مصنع فولاذ خوزستان
تُعد شركة “فولاد خوزستان”، الواقعة في مدينة الأهواز مركز المحافظة، ثاني أكبر منتج للصلب الخام في إيران بعد شركة “فولاد مباركة” في محافظة أصفهان وسط البلاد. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع في خوزستان 3.8 ملايين طن سنوياً، إذ تنتج الشركة أصنافاً متعدّدة من المقاطع الفولاذية، وتشكل ركناً أساسياً في تزويد الصناعات الفولاذية الأخرى بالمواد الأولية.
تقوم منشآت المصنع على مساحة 8.3 كيلومترات مربعة، وتقع على بُعد 10 كيلومترات من الأهواز على طريق بندر “الإمام الخميني”، فيما يقع المقر المركزي للشركة داخل المدينة نفسها.
تأسست شركة “فولاد خوزستان” في 1967 كأول مجمع إيراني لإنتاج الحديد والصلب عبر تقنيتَي الاختزال المباشر والفرن القوسي الكهربائي. لكن افتتاحها الرسمي جرى عام 1989 على يد المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس الجمهورية.
توضح الاستراتيجية المعلنة لمجموعة “فولاد خوزستان” للأعوام 2019-2021، ورؤيتها الممتدة حتى عام 2025، أن مهمة الشركة تقوم على لعب دور محوري في التنمية الصناعية والاقتصادية لإيران وتحسين جودة الحياة، كما تشير رؤية عام 2021 إلى أن من أهداف الشركة التحول إلى واحدة من أكبر شركات الصلب المتكاملة في إيران والمنطقة.
تنتج شركة “فولاد خوزستان” ثلاثة أصناف أساسية تُعد من المواد الأولية لصناعات الحديد والصلب، هي “البيلت” (Billet) وهو منتج وسيط ذو مقطع دائري أو مربع يقل عن 230 سنتيمتراً مربعاً وبعرض يقل عن 15 سنتيمتراً، ويستخدم عادة في صناعة حديد التسليح والأسلاك. والمنتج الثاني هو البلاطة الفولاذية أو “السلاب” الذي يعد منتجاً شبه نهائي مستطيلَ الشكل ينتج عن الدرفلة أو الصب المستمر، ويُستخدم أساساً في تصنيع اللفائف والصفائح المدرفلة على الساخن.
أما المنتج الثالث فهو “البلوم الفولاذي” (Bloom)، القالب الصناعي الذي يزيد عرضه عن 15 سنتيمتراً ومساحته المقطعية عن 230 سنتيمتراً مربعاً، ويُستخدم في صناعة السكك الحديدية والتيرات والقنوات والأنابيب والمقاطع الهندسية المختلفة.
وحدة خيرآباد
وأعلن نائب رئيس محافظة الوسطى حسن قمري، أنّ وحدة صناعية في منطقة خيرآباد تعرّضت مساء اليوم الجمعة لهجوم جديد وذلك للمرّة الثالثة بعد أن كانت قد استُهدفت في الأسابيع الأخيرة، وأكد أن الهجوم لم يخلّف خسائر بشرية، داعياً المواطنين إلى عدم التوجه إلى مكان الحادث لتسهيل عمل فرق الإغاثة.
وفي ذات السياق، ذكرت وكالة “تسنيم” الإيرانية أن الجهات المختصة وجّهت تحذيرات مسبقة للوحدات الصناعية في مدينة أراك مركز المحافظة بعد صدور تهديدات من الجانب الإسرائيلي باستهداف بعض المنشآت الصناعية، مشيرة إلى اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
ودعت السلطات المحلية السكان إلى الحفاظ على الهدوء والابتعاد قدر الإمكان عن المراكز العسكرية والصناعية المدرجة على خرائط تهديد العدو، مؤكدة أن الأجهزة المعنية اتخذت ما يلزم من تدابير لضمان سلامة المواطنين.
إيرادات الشركة
أعلنت شركة “فولاد خوزستان” في تقريرها للأداء خلال 11 شهراً من العام الإيراني الذي انتهى في 21 مارس/آذار الجاري، تسجيل إيرادات مبيعات بلغت 980 ألف مليار ريال أي نحو 653 مليون دولار، حسب سعر الصرف الحر في إيران البالغ حالياً مليوناً و500 ألف ريال، مقارنةً بـ 700 ألف مليار ريال أي نحو 467 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة قدرها 41%.
وذكرت الشركة أن مبيعاتها خلال شهر فبراير/شباط الماضي وحده بلغت 98 ألفاً و20 مليار ريال نحو 65.3 مليون دولار، مسجّلةً نمواً بنسبة 23% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
وأظهر التقرير أن منتجات “البلوم” و”البيلت” ما تزال تمثل المحرك الرئيسي لإيرادات الشركة، إذ بلغ نصيبها 340 ألف مليار ريال (نحو 226.7 مليون دولار) من أصل 660 ألف مليار ريال (نحو 440 مليون دولار) من المبيعات المحلية، فيما شكّلت 180 ألف مليار ريال (نحو 120 مليون دولار) من أصل 320 ألف مليار ريال (نحو 213.3 مليون دولار) من المبيعات التصديرية.
كما ارتفع متوسط سعر بيع “البلوم” و”البيلت” في السوق المحلية بنسبة 44%، وفي الصادرات بنسبة 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما انعكس مباشرة على نمو إيرادات الشركة.



