الصحافة الإيرانية: ما خيارات بكين إذا طال أمد إغلاق مضيق هرمز؟
أعاد التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران وتداعياته تسليط الضوء على الدور المحوري لمضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات الجيوسياسية في العالم.

ميدل ايست نيوز: أعاد التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران وتداعياته تسليط الضوء على الدور المحوري لمضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات الجيوسياسية في العالم. وتتجاوز أهمية هذا المضيق بالنسبة إلى الصين كونه مجرد مسار للنقل، إذ يرتبط مباشرة بأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي واستدامة النمو الصناعي لديها. فجزء كبير من احتياجات الصين النفطية يأتي من دول الخليج، ويُنقل القسم الأكبر من هذه الصادرات عبر مضيق هرمز إلى شرق آسيا. ومن ثم فإن أي اضطراب أو تهديد أمني في هذا المسار يمكن أن ينعكس بصورة واسعة على أسواق الطاقة وتكاليف الإنتاج والاستقرار الاقتصادي الصيني. ومع بلوغ التوترات الجيوسياسية في المنطقة مستويات غير مسبوقة وحدوث توقف كامل لحركة العبور في هذا الممر، تجد الصين نفسها أمام واقع مختلف يفرض عليها مراجعة نهجها التقليدي. وخلال العقدين الماضيين، وبفضل تسارع نموها الاقتصادي وتوسعها الصناعي، أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء معتبر من وارداتها من دول الخليج، ما يجعل أي تعطيل لعبور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز مسألة تمس أمنها الطاقوي بشكل مباشر.
وكتب الخبير في الشؤون الاقتصادية، محمد حسين عمادي، في مقال لصحيفة شرق، إن التحولات الجديدة في معادلات الطاقة، مع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي والحاجة المتزايدة إلى ضمان الوصول إلى مصادر طاقة موثوقة، أدى إلى إبراز توقعات طويلة الأمد لسوق الطاقة في خضم التطورات الجارية في الخليج. وإذا ترافقت الأزمة مع عقوبات أمريكية على الموانئ الإيرانية وتصاعد المواجهات العسكرية، وبرز سيناريو إغلاق طويل الأمد أو انعدام الأمن في مضيق هرمز، فإن الصين ستكون أكثر عرضة للضغط مقارنة بالعديد من القوى الاقتصادية الأخرى. ومن بين التداعيات المباشرة المحتملة ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، واضطرابات في سلاسل التوريد الصناعية، وضغوط على معدلات النمو الاقتصادي. وبذلك، لا تعد التطورات الأمنية في الخليج شأنًا إقليميًا فحسب، بل ترتبط مباشرة بالمصالح الاستراتيجية الصينية في مجالي الطاقة والاقتصاد. وعلى الرغم من هذا الاعتماد، اتسمت السياسة الصينية تقليديًا تجاه الأزمات الجيوسياسية بـ«الصبر الاستراتيجي» وتجنب الانخراط المباشر في النزاعات.
وسعت بكين في السنوات الأخيرة إلى تعزيز حضورها في المنطقة عبر توسيع علاقاتها الاقتصادية والاستثمار في البنية التحتية وتطوير مبادرة «الحزام والطريق»، من دون التورط في منافسات عسكرية مباشرة. غير أن تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط واحتمال تعطل مسارات الطاقة الحيوية قد يدفع الصين إلى تبني موقف أكثر فاعلية.
وفي هذا السياق، تملك الصين عدة خيارات. من أبرزها الاضطلاع بدور وسيط نشط لخفض التوترات والسعي إلى إنهاء النزاع. وقد أظهرت تجربتها في الوساطة بين إيران والسعودية وبعض التطورات الإقليمية الأخرى قدرتها على أداء دور مسؤول في حفظ الاستقرار الدولي. ويمكن أن يشمل ذلك العمل على تثبيت وقف إطلاق النار، وتشجيع الأطراف المتنازعة على الحوار، والمساهمة في إنشاء آليات أمنية إقليمية.
ويتمثل خيار آخر في الإسهام في بناء الثقة وضمان تنفيذ بعض الالتزامات والاتفاقات بين الأطراف، بالتعاون مع منظمات دولية مثل الأمم المتحدة ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية متعددة. وتمتلك الصين، بحكم علاقاتها الاقتصادية الواسعة مع دول المنطقة ومكانتها في الاقتصاد العالمي، قدرات خاصة يمكن توظيفها في المسارات الدبلوماسية لكسر الجمود الراهن.
وفي ظل تفاقم أزمة الطاقة التي تضغط كذلك على اقتصادات كبرى أخرى، بما فيها الدول الأوروبية، قد تجد المبادرة الصينية بيئة مواتية. كما يُتوقع أن ترحب دول الخليج بأي تحرك جاد من بكين في هذا الاتجاه. وفي مثل هذه الأجواء، لا يُستبعد أن تتبلور أطر تعاون دبلوماسي أوسع بين القوى الاقتصادية العالمية والإقليمية، التي ستتحمل جميعها كلفة باهظة في حال استمرار الحرب، بهدف خفض التوترات والحفاظ على استقرار سوق الطاقة. وفي غياب مقاربة أمريكية قائمة على الحكمة وبعد النظر، يمكن لتنسيق بين كبار الفاعلين الاقتصاديين بمبادرة صينية أن يسهم في احتواء الأزمة ومنع اتساعها، فضلاً عن تعزيز القوة الناعمة الصينية عالميًا وإقليميًا.
ومع توقف خمس ناقلات نفط متجهة إلى الصين في الساعات الأولى من العقوبات الجديدة، لم يعد مضيق هرمز بالنسبة إلى بكين مجرد مسار لإمدادات الطاقة، بل أصبح نقطة حساسة ومؤثرة في معادلات أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي لديها في ظل التحولات الجيوسياسية في المنطقة.
لهذا، فإن أي تغير في الوضع الأمني لهذا الممر قد يدفع بكين إلى تجاوز إطار الحذر التقليدي والصبر الاستراتيجي والصمت الدبلوماسي، نحو دور أكثر ذكاء وفاعلية في إدارة الأزمات المحتملة على المدى الطويل ومنع تداعياتها على الصين والمنطقة.
يقول مثل صيني قديم إن «المشهد الجديد يتطلب دورًا جديدًا»، وهو ما قد يدفع صانعي القرار في بكين إلى الاستفادة من حكمتهم التقليدية ومن مبادئ «فن الحرب» في مقاربة المرحلة المقبلة.



