الصحافة الإيرانية: ملاحظات اقتصادية في ظروف حربية

ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل حرب شاملة ضد البنى الاقتصادية الإيرانية، حرب قد تكون آثارها في حال عدم إدارتها بشكل صحيح أعمق وأكثر استدامة من خسائر الميدان.

ميدل ايست نيوز: إذا نظرنا إلى الحرب فقط في ساحة المعركة العسكرية فإننا نغفل واحدة من أهم ساحات الصراع: الاقتصاد. ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل حرب شاملة ضد البنى الاقتصادية الإيرانية، حرب قد تكون آثارها في حال عدم إدارتها بشكل صحيح أعمق وأكثر استدامة من خسائر الميدان.

وكتبت صحيفة شرق الإيرانية، أن إيران حاولت الاعتماد على أدواتها الجيوسياسية، وخاصة موقعها الاستراتيجي في مضيق هرمز، لإيصال رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن أمن الطاقة لا يمكن ضمانه دون مراعاة مصالح طهران. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل توجد إلى جانب هذا التحرك عالي المخاطر على المستوى الدولي خطة لتعزيز صمود الاقتصاد الداخلي؟

في المقابل، تستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل بدقة النقطة الأكثر هشاشة: الاقتصاد الإيراني، ليس عبر الشعارات بل عبر ضرب مباشر للبنية التحتية والإنتاج والمعيشة. والنتيجة صورة مقلقة لاقتصاد يواجه في الوقت نفسه الحرب والعقوبات والتدمير الواسع.

مدن جريحة وميزانيات فارغة

إن تدمير الأحياء والمناطق السكنية ليس مجرد أزمة إنسانية، بل أزمة مالية شاملة. الحكومة والبلديات تعلن عن دفع تعويضات، لكن من أين تأتي الموارد؟ في اقتصاد كان يعاني أصلًا من عجز مزمن في الميزانية وضغوط تضخمية، فإن الالتزامات الجديدة تعني عمليًا تعميق الفجوة المالية.

الحقيقة أن عجز الموازنة لم يعد احتمالًا، بل واقعًا يتشكل. تكاليف إعادة الإعمار، وتعويض الأضرار، والدعم الاجتماعي تتزايد، بينما تتراجع موارد الدولة، خاصة في ظروف الحرب. وهذا يدفع الحكومة نحو خيارات صعبة: خفض الإنفاق، الاقتراض، أو التوسع النقدي. والتجربة تشير إلى أن الخيار الأخير يؤدي في النهاية إلى تضخم حاد وتراجع القوة الشرائية.

استهداف البنية التحتية.. شلل اقتصادي

الهجمات على القطاعات البحرية والجوية والسككية تحمل رسالة واضحة: شلّ الشرايين الاقتصادية. الأمر لا يتعلق بتدمير منشآت فقط، بل بإرباك التصدير والاستيراد والعبور التجاري، أي تقليص الإيرادات ورفع التكاليف وضياع فرص يصعب تعويضها.

إعادة بناء هذه البنى التحتية تحتاج إلى مليارات الدولارات، وهو ما يزيد بدوره من عجز الموازنة. وكل يوم تأخير في إعادة الإعمار يعني تعميق الركود وتراجع القدرة الاقتصادية.

ضرب الصناعات الكبرى.. استهداف أعمدة الاقتصاد

استهداف صناعات مثل فولاذ خوزستان وفولاذ مباركة ليس عشوائيًا، بل قرار محسوب، لأنها تشكل أعمدة الإنتاج وتوفير العملة الأجنبية. أي ضرر فيها يعني ضرب سلسلة كاملة من الصناعات والتوظيف والإيرادات.

تراجع الإنتاج والصادرات في هذه القطاعات ينعكس مباشرة على دخل الدولة ويعمّق الفجوة المالية، ما يجعل الحرب ترفع النفقات وتقلل الإيرادات في آن واحد، وهو مزيج خطير لأي اقتصاد.

موجة بطالة قادمة وضغط على الضمان الاجتماعي

النتيجة الطبيعية هي ارتفاع البطالة. إغلاق أو تقليص عمل المنشآت الإنتاجية يعني فقدان وظائف، ما يضع الضمان الاجتماعي في خط المواجهة مع زيادة طلبات التأمين ضد البطالة.

هذا يضيف عبئًا ماليًا جديدًا على الحكومة وصناديق التأمين، ليعود في النهاية إلى النقطة نفسها: عجز الموازنة.

التجربة الأخيرة.. ناقوس خطر مبكر

تشير الأشهر الأخيرة من العام الإيراني المنتهي في 21 مارس 2026 إلى أن بوادر هذا الضغط المالي كانت موجودة مسبقًا، حيث اضطرت الحكومة الإيرانية في الشهرين الأخيرين من العام إلى السحب من صندوق التنمية الوطني لتأمين تمويل دعم السلع للأسر، ما يعكس محدودية الموارد في الميزانية الجارية.

ومع إضافة تكاليف الحرب وإعادة الإعمار والدعم الاجتماعي، يطرح سؤال أكثر إلحاحًا: هل الموارد الحالية قادرة على تغطية هذا الحجم من الالتزامات؟

الحكومة في مأزق.. ضرورة موازنة تكميلية

في هذه الظروف، يُطرح خيار تقديم «مشروع موازنة تكميلية» إلى البرلمان الإيراني كأحد الحلول الواقعية، بحيث تتم إعادة تقييم الأرقام المالية، وتحديد مصادر جديدة، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق استنادًا إلى الوضع الطارئ الناتج عن الحرب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى