ورقة بحثية: نموذج إقليمي لإدارة أمن مضيق هرمز

قال البروفيسور والخبير الاقتصادي هاشم بسران أن الاعتماد على الحلول العسكرية لضمان أمن هذا الممر ليس مكلفاً فحسب، بل غير مستدام وغير عملي.

ميدل ايست نيوز: تخيّم ظروف أمنية غير مسبوقة على مضيق هرمز عقب الهجوم الأمريكي على إيران، فيما قدّم عدد من الاقتصاديين نموذجاً اقتصادياً قالوا إنه قادر على إعادة الأمن إلى هذا الممر الحيوي. وأشار البروفيسور هاشم بسران، مع عدد من زملائه، في ورقة بحثية إلى أن الاعتماد على الحلول العسكرية لضمان أمن هذا الممر ليس مكلفاً فحسب، بل غير مستدام وغير عملي. وبيّن أن النظام الأمني في الخليج لطالما تأثر بالقوى الخارجية، حيث لعبت الولايات المتحدة الدور الرئيسي في العقود الأخيرة، وهو حضور يفرض تكاليف باهظة تتحملها بعض الدول، بينما تستفيد دول أخرى من مزاياه، ما أدى إلى ظاهرة «الركوب المجاني». ويقوم المقترح الرئيسي للورقة على إنشاء إطار إقليمي تتولى فيه الدول الساحلية بشكل مشترك تأمين المضيق، مع تمويل التكاليف عبر خدمات مثل الإرشاد البحري وإدارة حركة المرور، بما يحقق خفضاً في التكاليف وتوزيعاً أكثر عدالة للأعباء المالية، ويعزز التعاون الإقليمي ويزيد من استقرار أسواق الطاقة.

وتناول هاشم بسران، وهو اقتصادي إيراني، في نص تحليلي مسألة الأمن وإدارة حركة المرور في مضيق هرمز، إلى جانب الاقتصادي الإيراني مسعود كارشناس وران سميث، أستاذ جامعة لندن، حيث خلصوا إلى ضرورة الانتقال من الحلول العسكرية المكلفة وغير المستقرة إلى إطار مؤسسي واقتصادي تُدار فيه أمنيات المضيق إقليمياً، ويتم تمويلها عبر آليات خدمية مثل فرض رسوم مقابل العبور.

وأظهر الباحثون أن القيود الحالية على عبور السفن من مضيق هرمز فرضت تكاليف كبيرة على الاقتصاد العالمي، وأن محاولة إزالة هذه القيود عبر العمل العسكري ليست فقط باهظة التكلفة، بل غير مرجحة عملياً. وأوضحوا أن ضمان الأمن بالقوة يتطلب من الولايات المتحدة إما تغيير النظام في إيران أو احتواءه بالكامل، وهو أمر كلّف تريليونات الدولارات في تجارب مثل العراق وأفغانستان دون ضمان النجاح. كما أن إيران، من حيث عدد السكان والمساحة والقدرات العسكرية، تفوق العراق عام 2003، ما يجعل أي تدخل عسكري واسع محفوفاً بعدم اليقين. وخلصوا إلى أن الحل يكمن في خلق حوافز تدفع إيران إلى تسهيل عبور السفن بدلاً من محاولة إقصاء دورها.

وشكّل تقييد أو تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، عقب الهجوم الثاني للولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، نقطة تحول جيوسياسية عكست انتقال إيران من سياسة ضبط النفس النسبي إلى استخدام نشط لأداتها الجغرافية. وعلى خلاف المراحل السابقة التي لم تستثمر فيها إيران بالكامل قدرتها على التحكم بالمضيق، أدى الهجوم المباشر إلى تفعيل دورها كفاعل مهيمن في هذا الممر الحيوي، ما تسبب في اضطراب تدفقات الطاقة العالمية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين وزيادة حالة عدم اليقين في أسواق النفط. كما أفرز هذا الوضع واقعاً جديداً لا يمكن عكسه بسهولة عبر القوة العسكرية، بل يتطلب استجابات مؤسسية واقتصادية ودبلوماسية.

النظام الأمني لمضيق هرمز عبر التاريخ

واستعرض بسران وزملاؤه تطور النظام الأمني في الخليج، مشيرين إلى أنه نتاج مسار طويل من التحولات الجيوسياسية. ففي القرن السابع عشر، كانت السيطرة بيد قوى أوروبية مثل البرتغال، قبل أن يتغير الوضع مع استعادة الصفويين لهرمز بدعم بريطاني. وفي القرن التاسع عشر، أصبحت بريطانيا القوة البحرية المهيمنة في الخليج، ورسّخت نظاماً أمنياً أحادياً عبر اتفاقيات مثل معاهدة 1820. ومع تصاعد أهمية النفط في أوائل القرن العشرين، ازداد اهتمام بريطانيا بالمنطقة، وأصبح التحكم في موارد النفط الإيرانية جزءاً من نفوذها.

وأظهر تأميم النفط الإيراني عام 1951، وما تبعه من انقلاب 1953 بدعم بريطاني أمريكي، الترابط بين أمن الملاحة وموارد الطاقة والتدخلات السياسية الخارجية. وبعد تراجع النفوذ البريطاني عقب الحرب العالمية الثانية وانسحابه من الخليج عام 1971، نشأ فراغ أمني سعت الولايات المتحدة إلى ملئه عبر سياسة «العمودين» بالاعتماد على إيران في عهد الشاه والسعودية. غير أن هذه السياسة انهارت مع ثورة 1979، ما دفع واشنطن إلى تعزيز حضورها العسكري المباشر تدريجياً، خصوصاً خلال الحرب العراقية الإيرانية وما بعدها، ليتحول لاحقاً إلى نظام أمني خارجي مستقر تقوده الولايات المتحدة، بينما تستفيد منه دول المنطقة وقوى أخرى.

تكاليف الحضور الأمريكي

وأظهرت الدراسة أن تكاليف النظام الأمني القائم على الحضور الأمريكي مرتفعة للغاية، حتى وإن كانت غير ظاهرة بشكل مباشر. إذ تتراوح النفقات التشغيلية السنوية بين 10 و30 مليار دولار، بينما تصل التكاليف الاستراتيجية الإجمالية إلى ما بين 60 و120 مليار دولار سنوياً. وعند احتسابها لكل برميل نفط، تتراوح بين نحو 1.4 و16.8 دولاراً، ما يعكس أن أمن الطاقة يمثل جزءاً مهماً من التكلفة الحقيقية للنفط. ومع ذلك، تتحمل هذه التكاليف بشكل أساسي الخزانة الأمريكية، في حين تتوزع المنافع على نطاق واسع بين الدول المستهلكة والمنتجة، ما يخلق مشكلة «الركوب المجاني»، حيث تستفيد دول مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي دون مساهمة متكافئة في التكاليف، وهو ما يثير تساؤلات حول استدامة وعدالة هذا النظام.

مقترح نظام بديل

وطرح الباحثون نموذجاً بديلاً قائماً على تقديم خدمات أمنية مقابل رسوم، موضحين أن مضيق هرمز يختلف قانونياً عن قنوات مثل السويس وبنما كونه ممراً طبيعياً لا يجوز فرض رسوم عبور مباشرة عليه، وفق القانون الدولي. إلا أنه يمكن استلهام تجربة المضائق التركية وفرض رسوم مقابل خدمات مثل الإرشاد البحري والسلامة والإنقاذ وإدارة المرور، وهي رسوم تُعد قانونية لأنها مقابل خدمات وليس تقييداً لحرية الملاحة. ويُعد هذا النموذج مجدياً اقتصادياً، إذ يمكن حتى لرسوم منخفضة أن تحقق إيرادات كبيرة، نظراً لعبور نحو خمس تجارة النفط العالمية عبر المضيق، حيث يمكن أن تدر رسوماً سنوية بنحو 4.3 مليار دولار، بمتوسط لا يتجاوز 58 سنتاً للبرميل.

واقترح الباحثون أيضاً إنشاء نظام أمني إقليمي تشارك فيه الدول الساحلية، بما فيها إيران والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي، عبر هيئة بحرية مشتركة ودوريات منسقة وتبادل للمعلومات. ويرى الباحثون أن هذا النموذج سيخفض التكاليف، ويعزز الملكية الإقليمية للأمن، ويقلل الاعتماد على القوى الخارجية، كما يحد من ظاهرة الركوب المجاني من خلال تحميل المستفيدين جزءاً من التكاليف. وأشاروا إلى أن هذا الإطار قد يسهم في خفض التوترات الإقليمية، ودمج الاقتصاد الإيراني بشكل أكبر في النظام العالمي، وتعزيز استقرار أسواق الطاقة، بما ينعكس على استقرار أسعار النفط.

وخلصت الدراسة إلى أن أمن مضيق هرمز يمثل ركناً أساسياً في نظام الطاقة العالمي، غير أن النموذج الحالي القائم على الحضور العسكري الأمريكي يعاني من اختلالات اقتصادية وسياسية. ورأت أن تحويل الأمن إلى خدمة اقتصادية قائمة على آليات السوق والتعاون الإقليمي يمكن أن يوفر نموذجاً أكثر كفاءة واستدامة، رغم التحديات المرتبطة بانعدام الثقة والعوائق المؤسسية، مؤكدة أن هذه التحديات قابلة للإدارة في ضوء تجارب مماثلة حول العالم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى