الصحافة الإيرانية: درس مختلف من ملف مضيق هرمز

إن ملف مضيق هرمز، وإبراز المصالح المشتركة بين إيران وبعض الدول المؤثرة، يحمل درسًا واضحًا لصناع القرار في إيران مفاده أن بناء مواقع ومشاريع تقوم على مصالح متبادلة مع العالم يشكل عنصرًا أساسيًا لاستدامة أمن البلاد والمنطقة.

ميدل ايست نيوز: تشهد وسائل الإعلام الداخلية والخارجية وحتى أحاديث الرأي العام الإيراني والعالمي هذه الأيام تكرارًا لافتًا لعبارة «مضيق هرمز». وقد حظيت القضايا القانونية المرتبطة بالمضيق، وآثاره على الاقتصادين الوطني والعالمي، وحالة الارتباك وسوء التقدير لدى الطرف المقابل، إضافة إلى قدرة إيران المؤكدة على الحفاظ على سيادتها على هذا الممر المائي، باهتمام المتحدثين والمحللين.

ورغم أن كل محور من هذه المحاور يستحق نقاشًا معمقًا، فإن هذه المقالة تتناول القضية من زاوية مختلفة وتسلط الضوء على الدروس المستفادة منها.

وقال ناصر ذاكري، الخبير في الشؤون الاقتصادية، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية، إن إغلاق المضيق جاء ردًا منطقيًا من إيران على الهجوم العسكري الذي شُنّ بدعم وتنظيم انطلاقًا من أراضي وأجواء دول في المنطقة. وقد ألحق هذا الإجراء أضرارًا واسعة بالدول المعنية، سواء في المنطقة أو في الاقتصادات الكبرى والصغرى حول العالم، إذ أدى تقييد حركة الملاحة والانخفاض الحاد في صادرات النفط إلى تسارع موجة التضخم في الاقتصاد العالمي. وبذلك لم يقتصر الضرر الناتج عن التحرك العسكري الأمريكي على إيران، بل امتد ليصيب الاقتصاد العالمي بأسره، مهددًا المصالح المشتركة بين إيران والاقتصادات الكبرى ودول المنطقة.

ولو افترضنا أن صناع القرار في الاقتصادات الكبرى كانوا يدركون قبل الهجوم الأمريكي والإسرائيلي احتمالية إغلاق المضيق وتداعياته، وأيقنوا بأن اندلاع الحرب سيقود إلى إغلاقه مع قدرة إيران على الحفاظ على سيطرتها عليه، لكانوا بادروا بجدية إلى الضغط على الطرف الآخر ومنعه من أي مغامرة عسكرية في المنطقة.

إن وجود مصالح مشتركة بين إيران وهذه الدول كان سيدفعها، إلى جانب سعيها لحماية مصالحها الوطنية، إلى الدفاع عن مصالح إيران أيضًا. وحتى في الوقت الراهن، تسعى هذه الدول إلى الحيلولة دون اتساع نطاق الأزمة، أملًا في استئناف حركة الملاحة عبر المضيق في أقرب وقت. إن تلاقي المصالح بين إيران والاقتصادات الكبرى المستفيدة من حرية الملاحة يمنح الدفاع عن المصالح الوطنية الإيرانية تأثيرًا أكبر. فلو لم تكن هذه المصالح المشتركة قائمة، لما أولت تلك الدول اهتمامًا يُذكر لما يحدث في هذه المنطقة من العالم.

ولو كانت هناك ملفات أو مجالات أخرى تتقاطع فيها مصالح إيران مع القوى الاقتصادية الكبرى، لخرجت هذه الدول من حالة السلبية وتحركت بفاعلية أكبر للدفاع عن مصالحها، بما يتقاطع مع مصالح إيران. فعلى سبيل المثال، لو أن السياسات المعتمدة خلال العقود الماضية جعلت الجزء الأكبر من خطوط الطيران بين شرق آسيا وغرب أوروبا يمر عبر الأجواء الإيرانية بدلًا من الساحل الجنوبي للخليج، لكان أي تهديد لأمن الأجواء الإيرانية يمس مصالح مشتركة لإيران ولجزء كبير من سكان العالم.

غير أن المسار الذي سلكه النظام الدولي خلال العقود الماضية أفضى إلى نوع من العزلة الاستراتيجية بالنسبة لإيران، بحيث إن تدهور أمن أجوائها لا يسبب مشكلة حقيقية لكثير من الدول، كما أن تعطيل خطوط السكك الحديدية أو أنابيب الطاقة عبر أراضيها لا يحدث اضطرابًا كبيرًا في التجارة العالمية، بل إن استبعاد نفطها وغازها من سوق الطاقة العالمية قد لا يشكل صدمة مؤلمة للأسواق. ويعكس ذلك أن استمرار سياسات خاصة والتقليل من شأن العقوبات، كما تجلى في تصريحات سابقة تقلل من تأثيرها، إلى جانب التأكيد على عدم الحاجة إلى التفاوض أو الاتفاق، أوصل البلاد إلى وضع تفتقر فيه إلى شراكات استراتيجية مؤثرة، بحيث لا يبدو تجاهلها أمرًا بالغ الصعوبة.

وخلال تلك السنوات، دعا سياسيون وخبراء حريصون على مصلحة البلاد إلى ضرورة مراجعة النهج المتبع، مؤكدين أن المطلوب هو رفع كلفة العقوبات أو أي عمل عسكري محتمل عبر إطلاق مشاريع ذات مصالح مشتركة مع بقية العالم. وقد أتاح الاتفاق النووي فرصة تاريخية لإطلاق مجموعة واسعة من هذه المشاريع، بما يمهد لرفع مستوى «الأمن الاقتصادي» للبلاد.

غير أن هذه الفرصة واجهت منذ البداية معارضة شديدة من التيار المتشدد، الذي اعترض على انفتاح واسع أمام الأوروبيين للدخول إلى السوق الإيرانية. لينجح خصوم إيران في نهاية المطاف في حرمانها من الاستفادة من تلك الفرصة، بحيث أصبح انسحاب الإدارة الأمريكية من الاتفاق لاحقًا منخفض الكلفة بالنسبة لها.

إن ملف مضيق هرمز، وإبراز المصالح المشتركة بين إيران وبعض الدول المؤثرة، يحمل درسًا واضحًا لصناع القرار في إيران مفاده أن بناء مواقع ومشاريع تقوم على مصالح متبادلة مع العالم يشكل عنصرًا أساسيًا لاستدامة أمن البلاد والمنطقة، وهو أمر لم يحظ بالاهتمام الكافي حتى الآن.

من هذا المنطلق، ينبغي عدم النظر إلى ملف المضيق بوصفه مجرد قضية كشفت قصور أقوى آلة عسكرية في العالم، بل باعتباره تنبيهًا إلى أن العزلة الاستراتيجية تمثل الخطر الأكبر على الأمن القومي، وأن المرحلة الجديدة من السياسات الاقتصادية والتنموية بعد الحرب تتطلب مسارًا يجعل تجاوز إيران أو فرض العقوبات عليها مكلفًا، بل مستحيلًا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى