أوبك على مفترق طرق: من سلاح النفط إلى صراع البقاء في عالم متغير

هل تستطيع أوبك التكيف مع التحولات العالمية واستعادة تماسكها، أم أن دورها التاريخي في سوق النفط يتجه نحو إعادة تعريف؟

ميدل ايست نيوز: شهد صيف عام 1960 في بغداد ولادة واحدة من أبرز التكتلات في تاريخ الطاقة العالمية، حين قررت خمس دول هي إيران والعراق والسعودية والكويت وفنزويلا تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، في خطوة هدفت إلى كسر هيمنة الشركات النفطية الكبرى واستعادة نصيب الدول المنتجة من عائدات النفط.

تمرد على «الأخوات السبع»

في تلك الحقبة، كانت سبع شركات متعددة الجنسيات تُعرف باسم “الأخوات السبع” — Esso وRoyal Dutch Shell وBP وMobil وChevron وGulf Oil وTexaco — تهيمن على سوق النفط العالمي، مستفيدة من الامتيازات الواسعة التي حصلت عليها في ظل النفوذ الاستعماري.

وفي 14 سبتمبر 1960، قررت الدول المؤسسة التمرد على هذه الهيمنة عبر التنسيق فيما بينها. ورغم أن هذا التحرك لم يحظَ باهتمام عالمي كبير في بدايته، فإن أوبك واصلت توسيع عضويتها لتشمل لاحقًا دولًا مثل قطر وإندونيسيا وليبيا والإمارات والجزائر ونيجيريا وأنغولا والغابون وغيرها، حتى أصبحت لاعبًا مؤثرًا في سوق الطاقة.

صعود تاريخي ونقطة التحول

بلغ نفوذ أوبك ذروته خلال حرب أكتوبر 1973، عندما استخدمت الدول العربية المنتجة للنفط سلاح خفض الإنتاج وفرض الحظر النفطي، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنحو خمسة أضعاف وحدوث أول صدمة نفطية عالمية.

في تلك الفترة، كانت أوبك تنتج أكثر من نصف نفط العالم، وتمكنت من فرض نفسها كقوة رئيسية في تحديد الأسعار والتأثير في الاقتصاد العالمي.

رد الفعل الدولي وتحولات السوق

في المقابل، تحركت الدول الصناعية لتقليل نفوذ أوبك، فأنشأت تكتلات مثل مجموعة السبع، كما أدى التقدم التكنولوجي إلى صعود إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، التي تحولت لاحقًا إلى أحد أكبر منتجي النفط والغاز عالميًا.

كما برزت روسيا كقوة طاقة كبرى، ما أضعف احتكار أوبك للسوق. وفي محاولة لاستعادة التوازن، توسعت المنظمة عام 2016 عبر تحالف أوبك+ الذي يضم منتجين من خارجها، وعلى رأسهم روسيا، بهدف تنسيق الإنتاج والتأثير في الأسعار.

تراجع النفوذ بالأرقام

رغم هذا التوسع، تشير التقديرات الحديثة إلى أن حصة أوبك+ من الإنتاج العالمي تدور حول 40–50%، بعدما كانت تتجاوز النصف في سبعينيات القرن الماضي، كما تراجعت حصة أوبك في تجارة النفط العالمية.

في المقابل، لا تزال دول أوبك تمتلك نحو ثلثي الاحتياطيات المؤكدة عالميًا، ما يمنحها ثقلًا استراتيجيًا طويل الأمد رغم تراجع تأثيرها الفوري في السوق.

التحول الطاقي وتحديات جديدة

يواجه النفط تحديات متزايدة مع توجه دول الاتحاد الأوروبي وغيرها نحو الطاقة المتجددة، في وقت يتغير فيه نمط الطلب العالمي، حيث باتت الصناعات البتروكيماوية تمثل جزءًا متزايدًا من نمو الطلب.

كما أن نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية يمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل التوترات الجيوسياسية في المنطقة عاملًا حاسمًا في استقرار الأسواق.

تراجع التماسك وخروج الأعضاء

داخليًا، تعاني أوبك من تراجع في التماسك، مع خروج أو تعليق عضوية عدد من الدول مثل قطر وأنغولا والإكوادور، إضافة إلى صعوبات في الالتزام بحصص الإنتاج.

وفي أحدث تطور، أعلنت الإمارات العربية المتحدة انسحابها من المنظمة، رغم كونها من الأعضاء المؤثرين بإنتاج يبلغ نحو 3.4 ملايين برميل يوميًا واستثمارات ضخمة لزيادة طاقتها الإنتاجية.

أبعاد اقتصادية وسياسية

يرى مراقبون أن خروج الإمارات يعكس رغبتها في زيادة إنتاجها بحرية بعيدًا عن قيود الحصص، إلى جانب وجود توترات مع السعودية بشأن سياسات الإنتاج وملفات إقليمية.

في المقابل، تصف أبوظبي القرار بأنه “استراتيجي”، يهدف إلى تعزيز مرونتها في سوق يشهد تحولات سريعة.

سوق متغير وأسئلة مفتوحة

تتزامن هذه التطورات مع تحولات عميقة في سوق الطاقة، في ظل الحرب بين روسيا وأوكرانيا والتصعيد في الشرق الأوسط، ما أدى إلى تقلبات حادة في الأسعار وتغير موازين القوى.

ويرى خبراء أن أوبك لم تعد تملك التأثير ذاته الذي كانت تتمتع به سابقًا، لكنها لا تزال لاعبًا مهمًا بفضل احتياطياتها الضخمة. وبينما يعتبر البعض أن المنظمة تدخل مرحلة تراجع، يرى آخرون أنها تمر بمرحلة إعادة تموضع.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع أوبك التكيف مع التحولات العالمية واستعادة تماسكها، أم أن دورها التاريخي في سوق النفط يتجه نحو إعادة تعريف؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى