إسرائيل تدرس خيارا ثالثا لحرب إيران غير استئناف القتال والاتفاق
يعتقد مسؤولون كبار في تل أبيب، أن السيناريو الثالث الذي قد يكون، هو نوع من الوضع القائم، حيث يعلن كل طرف عن "انتصار"، ويُقابل الهدوء بالهدوء، من دون اتفاق، ومن دون قتال.
ميدل ايست نيوز: لا يعرف المسؤولون الإسرائيليون، سوى “القليل جداً” عن المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما سبق أن أكدته عدة تقارير عبرية في الآونة الأخيرة. لكن تفاصيل نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية اليوم الأربعاء، أضافت أن القدر المحدود من المعلومات، يدفع عدداً من كبار المسؤولين في إسرائيل للتفكير في احتمال ثالث لإنهاء جولة القتال الحالية مع إيران، مختلف عن الاحتمالين اللذين يدور الحديث حولهما بالعادة، أي استئناف الحرب، أو التوصّل إلى اتفاق أميركي- إيراني.
ويعتقد مسؤولون كبار في تل أبيب، أن السيناريو الثالث الذي قد يكون، هو نوع من الوضع القائم، حيث يعلن كل طرف عن “انتصار”، ويُقابل الهدوء بالهدوء، من دون اتفاق، ومن دون قتال. وفي هذا السيناريو، تواصل الولايات المتحدة ممارسة نوع من الضغط على إيران، التي من جانبها لن تتخلى عن اليورانيوم أو الصواريخ الباليستية أو دعم وكلائها في المنطقة، لتعود الصورة إلى ما يشبه نقطة الصفر، إلى أن يأتي الدور على الجولة التالية.
ونقلت الصحيفة قول مسؤول أمني رفيع لن تسمّه، إن “القرار بيد الأميركيين، ونحن لا نعرف فعلياً ما الذي يحدث. أحياناً لسنا متأكدين حتى في أي ساحة تجري المحادثات ومع من”، مضيفاً: “في لبنان نحن نتصرف بضبط نفس بسبب الأميركيين، أما على الجبهة الإيرانية، فنحن لا نعرف حقاً إلى أين تتجه الأمور”. ولا يستهان بعدد المسؤولين الذين يعتقدون أنه ينبغي دعم السيناريو الثالث، والذي في نظرهم، “الشرّ الأقل ضرراً”، من بين الخيارات المطروحة. ويبرر هؤولاء المسؤولين دعمهم للسيناريو الثالث مع أنه “لا يحقق أي إنجاز ملموس وواضح للحرب”، باستثناء الأضرار التي لحقت بإيران، بأنه يترك بيد الولايات المتحدة وإسرائيل، أو بيد إسرائيل وحدها إذا لم تعد واشنطن معنية، إمكانية العودة للعمل ضد إيران في المستقبل.
في المقابل، هناك جهات أخرى تعارض هذا السيناريو بشدة، وتقول إن هذا بالضبط ما تعهّدت إسرائيل ألّا تسمح بحدوثه مرة أخرى بعد السابع من أكتوبر 2023، وهو عدم العودة إلى سلسلة لا تنتهي من الجولات المتكررة من الحروب دون حسم.
ما تفاصيل السيناريو الثالث؟
شنّت إسرائيل والولايات المتحدة عدوانهما على إيران، بهدف إسقاط النظام، رغم محاولة قادة الدولتين، إلى جانب بعض كبار المسؤولين في منظومات الجيش والأمن القومي وأجهزة الاستخبارات فيهما، الادّعاء خلاف ذلك، وهو ما يدعمه قول مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع لذات الصحيفة، بأنه “لا أحد يقتل قائد دولة قائمة ما لم تكن لديه نية لإسقاط النظام. ولا أحد كان ليستهدف عناصر الباسيج فقط على أمل أن يقرر الشعب الإيراني يوماً ما التمرّد”.
وجاء في التقرير العبري، أنّه منذ اللحظة التي تبيّن فيها أن النظام في إيران لن يسقط، ومع تبادل الاتهامات بين الجانبين حول من يتحمّل مسؤولية ذلك، أقصت الولايات المتحدة إسرائيل عن المفاوض. ولم تكتف واشنطن بعدم إشراك تل أبيب في النقاشات حول موعد انتهاء الحرب وشروط إنهائها، ولم تكتف بعدم الإصغاء لمعظم ملاحظاتها أو طلباتها المتعلقة بالمفاوضات، بل إنها لم تُطلعها أصلاً على التطورات. ووفق المعلومات التي جمعتها إسرائيل من شركاء دبلوماسيين، ومن متابعة الاتصالات العلنية، ومن القليل الذي يصل من الولايات المتحدة فإن مشروع الصواريخ الإيراني، لم يكن مطروحاً أصلاً على طاولة المفاوضات، بخلاف رغبة نتنياهو. وأعلن الإيرانيون أن هذا الملف خارج نطاق البحث بالنسبة لهم، وأن لا نية لديهم للتخلي عمّا يعتبرونه، في هذه المرحلة على الأقل، وسيلة الردع الوحيدة المتاحة لهم في مواجهة التفوق الجوي المطلق لإسرائيل والولايات المتحدة.
بحسب أحد السيناريو المطروحة، كما يُفهم في إسرائيل، يُفترض أن تتخلّص إيران من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الموجود لديها، ويتم ذلك إمّا عبر تخفيض مستوى التخصيب إلى نسبة منخفضة جداً، أو عبر نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما يُفترض أن تلتزم إيران بوقف التخصيب لفترة طويلة، مع بقاء الخلاف بين ما تقبل به إيران (خمس سنوات) وما تطالب به الولايات المتحدة (عشرون سنة). وقد اقترح الوسطاء في باكستان التوصّل إلى حل وسط بين الطرفين. وفي المقابل، يُفترض أن تحصل إيران على رفع كامل لجميع العقوبات المفروضة عليها، إضافة إلى مزايا اقتصادية أخرى.
لكن وفق ما يُفهم الآن في تل أبيب، لم يكن ذلك السيناريو هو الذي اكتسب زخماً، بل المقترح المحدود الذي نقلته إيران إلى الولايات المتحدة عبر باكستان، وينص على صفقة جزئية، تشمل إنهاء الحرب وفتح المضيق. وبالتوازي، تصدر إيران إعلاناً تتعهد فيه بعدم تطوير سلاح نووي، مقابل رفع العقوبات الأميركية عنها. وبعد الإعلان عن انتهاء الحرب فقط، يبدأ مسار تفاوضي جديد يبحث بقية القضايا النووية. ورغم أن فرص نجاح هذا المسار تراجعت خلال الساعات الأخيرة، فإنه ما يزال مطروحاً.
وبسبب الجمود في المحادثات، بدأت إسرائيل والولايات المتحدة باستعدادات واسعة لاحتمال استئناف القتال، ويشمل ذلك جسراً جوياً ضخماً من طائرات التزويد بالوقود الأميركية التي وصلت مطار بن غوريون. وفي غضون لك، فإنّ التقدير السائد في إسرائيل هو أنه في ظل الأزمة الحادة التي تواجهها هي والولايات المتحدة في مخزون وسائل الاعتراض، فإنه حتى لو أصدر الرئيس الأميركي أمراً بالهجوم، فلن تُنفَّذ الضربة الضخمة التي قال إنها “ستدمّر الحضارة الإيرانية”.
وتشير التقديرات إلى احتمال تنفيذ عملية عسكرية واحدة، تتسم بالقوة والمحدودية، بهدف الضغط للتوصل إلى اتفاق أكثر فاعلية. غير أن مسؤولين إسرائيليين يرون في المقابل أنه في غياب التوجه لعملية شاملة بكل قوة، فإن الامتناع عن أي هجوم هو الخيار الأفضل؛ وهو موقف نُقل صراحةً إلى نظرائهم في القيادة المركزية الأميركية. وتوازياً، تسود حالة من القلق في تل أبيب تجاه مسودتي الاتفاق المطروحتين؛ إذ يرى مسؤولون إسرائيليون أن أي اتفاق لا يعالج جذرياً ملف تخصيب اليورانيوم، والبنية التحتية النووية، ومنظومات الصواريخ، سيكون خطره أكبر من فائدته. ويجادل هؤلاء بأن رفع العقوبات سيمكّن النظام الإيراني من ترتيب أوراقه الاقتصادية، وإعلان النصر، واستعادة نفوذه وتنشيط أذرعه الإقليمية وعلى رأسها حزب الله. ويرون في ذلك خطوة قد تنقذ النظام الإيراني ومحور القوى المرتبط به من انهيار كان يقترب.
وفي مثل هذا الوضع، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إسرائيل ستنهي هذا الصراع في وضع أسوأ مما بدأت به، لأن الاتفاق سيمنح النظام دفعة جديدة، ويوفر له موارد مالية ضخمة، ويمنحه حصانة دبلوماسية من أي هجوم. وعلى خلفية هذا الواقع، يقول أحد كبار المسؤولين إن إسرائيل تجد نفسها “بين السيء والأسوأ”. أي “بين ضربة رمزية تُنفَّذ فقط لأغراض سياسية داخلية في الولايات المتحدة ولن تغيّر شيئاً، وبين اتفاق مهين وقاسٍ مع إيران”. وفي نظره، “ربما يكون الخيار الثالث هو الأفضل، أي نوع من تجميد الوضع القائم، إلى الجولة التالية”.



