الحصار البحري على إيران.. هل يوقف إنتاج نفطها؟
تشير تقارير متخصصة وتحليلات فنية إيرانية إلى أن قدرة إيران على مواصلة الإنتاج والتخزين وإدارة حقولها النفطية أكثر تعقيداً مما تعكسه تصريحات ترامب المبسّطة.
ميدل ايست نيوز: تتباين التقديرات بين تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتحذيراته من انهيار سريع في منظومة النفط الإيرانية، وبين معطيات الأسواق الدولية وقراءات خبراء الطاقة التي ترسم صورة أكثر تعقيداً لقدرة طهران على مواصلة الإنتاج وإدارة التخزين في ظل الحصار البحري المتصاعد. وبين الخطاب السياسي والتقييمات الفنية، يبقى مستقبل الصادرات والإنتاج رهناً بتطور الحصار ومرونة البنية التشغيلية لقطاع النفط الإيراني.
وحذّر ترامب من أن الحصار البحري المفروض على صادرات النفط الإيرانية قد يؤدي، خلال أيام، إلى امتلاء خزانات النفط ووضع المنشآت على حافة الانهيار. في المقابل، تشير تقارير متخصصة وتحليلات فنية إيرانية إلى أن قدرة إيران على مواصلة الإنتاج والتخزين وإدارة حقولها النفطية أكثر تعقيداً مما تعكسه هذه التصريحات المبسّطة. وقال ترامب، في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” يوم الأحد 26 إبريل/نيسان، إن “ضخ كميات هائلة من النفط في النظام، مع إغلاق خطوط النقل وعدم القدرة على تحويله إلى خزانات أو ناقلات، قد يؤدي إلى انفجار هذه الخطوط من الداخل”، مضيفاً أن أمام إيران “نحو ثلاثة أيام فقط” قبل الوصول إلى هذا السيناريو.
وفي السياق نفسه، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في 22 إبريل/نيسان، أن طاقة التخزين المتاحة للنفط الخام الإيراني في جزيرة خارج ستصل إلى حدّها الأقصى خلال أيام، ما سيجبر طهران، بحسب تقديره، على وقف جزء من إنتاجها. وفي المقابل، ذكرت وكالة بلومبيرغ أن إيران تواجه أزمة متزايدة في سعات التخزين نتيجة الحصار البحري، موضحة أن الطاقة الاستيعابية المتاحة لا تغطي سوى فترة تتراوح بين 12 و22 يوماً. وأشارت إلى أن الحصار أدى إلى خفض صادرات النفط الإيرانية بنحو 70%، وأن حركة النقل عبر مضيق هرمز شبه متوقفة، إذ لم تعبره أي ناقلة نفط في الفترة الأخيرة.
ووفق التقرير، فإن استمرار هذا الوضع قد يدفع طهران، بحلول منتصف مايو/أيار، إلى خفض إنتاجها بنحو 1.5 مليون برميل يومياً، إضافة إلى التخفيضات التي نُفّذت بالفعل. ومع ذلك، لا يُتوقع أن يكون الأثر المالي فورياً، بسبب الفاصل الزمني بين الشحن والإيرادات، ما يمنح إيران هامش تحرّك، لعدّة أشهر رغم تزايد نقص المعروض في السوق.
في المقابل، تشير بيانات مؤسسة “HFI Research” المتخصصة في تحليل أسواق النفط والغاز إلى أن إيران لا تواجه “مهلة ثلاثة أيام” كما يروّج البيت الأبيض، بل يمكنها الاستمرار في الإنتاج والتخزين لفترة أطول. وذكرت المؤسسة، استناداً إلى بيانات “Tanker Trackers”، أن 20 ناقلة عملاقة من طراز VLCC، إلى جانب طاقة التخزين البرية البالغة نحو 50 مليون برميل، تكفي لتغطية نحو 53 يوماً، على أساس صادرات تبلغ 1.7 مليون برميل يومياً، وهو ما يتعارض مع تقديرات ترامب.
من جهتها، تناولت صحيفة “همشهري” الإيرانية الحصار النفطي من زاوية فنية، معتبرة أن النقاش العام يدور في ثنائية مضللة: إما القول إن توقف الإنتاج سيؤدي إلى فقدان جزء كبير من النفط إلى الأبد، أو الادعاء بأن الإنتاج سيعود سريعاً إلى مستوياته السابقة دون تأثير يُذكر. وترى الصحيفة أن كلا الطرحين بعيد عن الواقع.
وبحسب المعطيات، تنتج إيران حالياً ما بين 3 و3.5 ملايين برميل يومياً، فيما تشير تقديرات عام 2026 إلى نطاق يتراوح بين 3.2 و3.6 ملايين برميل. ويُستهلك داخلياً نحو 1.8 إلى 2 مليون برميل يومياً، بينما تتراوح الصادرات بين مليون و1.5 مليون برميل، أي أن نحو 55 إلى 60% من الإنتاج يُستخدم محلياً، وهو عامل أساسي يحدّ من احتمال توقف الإنتاج بالكامل. وتلفت الصحيفة إلى أن معظم الحقول النفطية الإيرانية تقع في مكامن كربوناتية متشققة قديمة، مثل حقول أهواز ومارون وغجساران وآغاجاري، التي تشهد تراجعاً طبيعياً في الإنتاج بنسبة تتراوح بين 4 و12% سنوياً، وتحتاج إلى عمليات حقن غاز مستمرة للحفاظ على الضغط.
ورغم حساسية هذه الحقول، فإن إدارتها ظلت ممكنة لعقود، مع معدل استرجاع يتراوح بين 20 و25% من النفط الأصلي. تشير المعطيات الفنية إلى ثلاثة سيناريوهات زمنية:
- الأول، توقف قصير الأمد (أسابيع إلى شهرين) ولا يسبب عادة مشكلات كبيرة، وقد يسهم أحياناً في تحسين ضغط المكمن.
- الثاني، توقف متوسط الأمد (شهران إلى ستة أشهر) قد يؤدي إلى مشكلات مثل زيادة المياه المنتجة أو ترسب مواد كالأَسفلتين والبارافين، لكنها تبقى قابلة للمعالجة.
- أما الثالث، توقف طويل الأمد (ستة أشهر إلى عام أو أكثر) فيرفع احتمال انخفاض الضغط واحتجاز جزء من النفط، ما يتطلب استثمارات مكلفة، دون أن يعني فقداناً دائماً للاحتياطات. وترى الصحيفة أن الصورة الواقعية تقع بين النقيضين: فالتوقف يزيد التعقيد والكلفة، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى أزمة غير قابلة للسيطرة.
تحديات التخزين
تشير التقديرات إلى أن شركات النفط لا تملأ خزاناتها عادةً بأكثر من 80% من طاقتها. وبناءً على ذلك، كانت الطاقة المتبقية في جزيرة خارج حتى 20 إبريل/نيسان أقل من 3 ملايين برميل، أي ما يعادل أقل من يومين من الصادرات. إلا أن التجارب السابقة، خصوصاً خلال جائحة كورونا، أظهرت إمكانية رفع مستوى الامتلاء إلى نحو 90%، ما يضيف قرابة 5 ملايين برميل إضافية.
ولا تُعد جزيرة خارج مركز التخزين الوحيد، إذ يمكن توجيه الإنتاج إلى مرافئ أخرى داخل البلاد. وتشير تقديرات إلى أن إجمالي المخزون بلغ نحو 68 مليون برميل حتى 22 إبريل/نيسان، أي ما يعادل 55% من الطاقة الاسمية. وإذا اعتُمد سقف تشغيلي عند 80%، فإن نحو 31 مليون برميل تبقى متاحة للتخزين (ما يعادل 17 يوماً من الصادرات)، وقد ترتفع إلى 20 يوماً في حال زيادة مستوى الامتلاء. ورغم القيود التشغيلية التي تظهر مع اقتراب الخزانات من الامتلاء، تشير تقارير إلى أن إيران دخلت الأزمة بطاقة تخزين أعلى نسبياً من بعض المنتجين الخليجيين، نتيجة استثمارات بدأت منذ عام 2016.
بدائل التصدير
لا تعتمد إيران بالكامل على المسارات البحرية، إذ يمكن نقل جزء من الطاقة عبر خطوط برية وسككية. ومن الأمثلة على ذلك نقل الوقود عبر خط سكك حديد خواف–هرات إلى أفغانستان، إضافة إلى صادرات محدودة إلى باكستان عبر مسارات برية. ورغم أن هذه القنوات لا تعوّض الصادرات البحرية، فإنها تعزز مرونة المنظومة.
وتشير تقارير إلى إمكانية اعتماد سياسات تشغيل تفاضلية بين الحقول، بحيث يُحافظ على الحد الأدنى من الإنتاج في الحقول الأكثر حساسية للحفاظ على الضغط، مقابل إيقاف مؤقت لبعض الحقول الأخرى الأقل تأثراً. كما تُظهر التجارب أن الإغلاق القصير لبعض الآبار قد يؤدي إلى تحسين مؤقت في الإنتاج، مثل خفض نسبة المياه وزيادة المردود، خاصة في حالات “المخروط المائي”. في المقابل، قد يؤدي الإغلاق الطويل إلى ترسبات وانخفاض النفاذية، ما يتطلب معالجات مكلفة.
وتتقاطع التحليلات الفنية عند نتيجة مفادها بأن توقف إنتاج النفط الإيراني، حتى في سيناريوهات صعبة، يبقى قابلاً للإدارة بدرجات متفاوتة من الكلفة والتعقيد. كما أن جزءاً كبيراً من الإنتاج يمكن استعادته خلال أشهر بعد زوال القيود، خاصة في الحقول القديمة التي تتطلب برامج تشغيل تدريجية. وبين التحذيرات القصوى والتقليل من المخاطر، تبدو الصورة أقرب إلى مسألة تشغيلية وفنية معقدة، لا إلى انهيار فوري أو غير قابل للعكس في قطاع النفط الإيراني.



