صراع السيطرة على شريان النفط العالمي: من يفرض إيقاع الأزمة؟

دخلت المواجهة مع إيران مرحلة أكثر خطورة؛ لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل حالة تعليق ثقيل تُجمّد البحر وتُبقي العالم على حافة انفجار مؤجّل.

ميدل ايست نيوز: دخلت المواجهة مع إيران مرحلة أكثر خطورة؛ لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل حالة تعليق ثقيل تُجمّد البحر وتُبقي العالم على حافة انفجار مؤجّل. مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل صار نقطة اشتعال تتحكم بإيقاع الاقتصاد العالمي.

قد تكون الصواريخ التي تبادلتها الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران قد خفت حدّتها مؤقتًا بعد إعلان دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير محدد، إلا أن جوهر الصراع لم يُحسم. المعركة الحقيقية تدور حول السيطرة على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم. توترٌ أربك الأسواق، وأثار قلق التجار، ودفع أسعار النفط إلى تجاوز مئة دولار للبرميل.

تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال نقل عن مصادر مطلعة أن قوات إيرانية استهدفت ثلاث سفن شحن، في وقت كثّفت فيه البحرية الأمريكية جهودها لخنق صادرات النفط الإيرانية ومنع تدفق الواردات إليها. وبين ضغط متبادل في البحر، يتزايد الخوف من انزلاق غير محسوب نحو مواجهة أوسع.

مسار دبلوماسي متآكل

ألغى الوفد الإيراني في اللحظة الأخيرة مفاوضات كانت مقررة في إسلام آباد، مؤكّدًا أن أي عودة إلى التفاوض مشروطة برفع الحصار البحري. وصرّح المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي بأن الدبلوماسية ليست سوى أداة لحماية المصالح والأمن القومي.

أما محلل السياسي للشؤون الإيرانية في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ فاختصر المشهد بقوله إن وقف إطلاق النار هش بطبيعته. في البحر، لا واشنطن ولا طهران تتجهان إلى تهدئة فعلية، بل تختبران حدود الضغط المتبادل. وفي ظل حصار مزدوج، قد تكفي شرارة واحدة—سفينة محتجزة أو طلقة تحذيرية—لإشعال مواجهة أوسع.

ترامب أقرّ بأن الحصار سيستمر حتى نهاية المفاوضات، فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني إبقاء المضيق مغلقًا في وجه ما يصفه بسفن العدو. وبين الموقفين، يبدو التراجع بعيد المنال في المدى المنظور.

جبهة بحرية

في المياه الإقليمية تتشكل حرب استنزاف بطيئة. هجمات إيران على سفن تجارية قرب المضيق جاءت بعد يوم من احتجاز القوات الأمريكية ناقلة نفط في المحيط الهندي بذريعة خرق العقوبات. مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني أكد تعرض سفن، بينها «إپامينونداس» و«فرانجسكا»، لأضرار جسيمة قبل اقتيادها إلى المياه الإيرانية.

ورغم الضربات التي تلقتها القوات الإيرانية، ما زال ما يُعرف بأسطول القوارب السريعة، أو «الأسطول البعوضي»، قادرًا على تهديد الملاحة العالمية، والنتيجة كما تقول المعطيات شلل شبه كامل في حركة الشحن والملاحة البحرية، وسط غياب أي ضمانات للأمان.

الجمود البحري لا يهدد الأمن فحسب، بل ينذر بصدمة اقتصادية واسعة. إغلاق المضيق لأشهر يعني تضخمًا متصاعدًا وانكماشًا أعمق في الاقتصاد العالمي. الباحثة راشيل زيمبا حذّرت من أن استمرار الأزمة سيقود إلى مزيد من ارتفاع أسعار النفط وضغوط إضافية على المستهلكين.

أكثر من عشرة ملايين برميل نفط يوميًا—نحو عُشر الإمدادات العالمية—تمر عبر هذا الممر. ومع تصاعد التكاليف بدأت صناعات عدة تخفض استهلاكها للطاقة. وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الأزمة قد يدفع نمو الاقتصاد العالمي في عام 2026 إلى حدود اثنين في المئة، وهو مستوى لا يُسجَّل إلا في فترات ركود حاد.

ليس هذا فحسب، فالأزمة تجاوزت النفط، حيث تعطلت سلاسل إمداد الهيليوم، الضروري لصناعة الرقائق الإلكترونية. وأسعار الألمنيوم اقتربت من أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات. والأسمدة، ركيزة الأمن الغذائي، دخلت دائرة الاضطراب. إنها صدمة طاقة تمتد إلى عمق البنية الصناعية العالمية.

في واشنطن، قد يبدو هامش التحمل أوسع بفضل وفرة الطاقة المحلية، إلا أن الضغوط التضخمية تضع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة صعبة: كبح التضخم برفع الفائدة أم حماية النمو الاقتصادي. ترامب أقرّ بدوره بأن أسعار الطاقة لن تنخفض قريبًا، وقد تبقى مرتفعة حتى الانتخابات المقبلة.

الضغوط الأشد تتجه شرقًا. آسيا، التي تستقبل أكثر من ثمانين في المئة من نفط وغاز هذا الممر، بدأت تشعر بالاختناق. مصانع تقلص إنتاجها، ومحطات وقود في سريلانكا وميانمار تعود إلى نظام التقنين. أما أوروبا فتواجه تباطؤًا متزايدًا ونقصًا في وقود الطائرات، ما دفع شركة لوفتهانزا إلى إلغاء آلاف الرحلات.

في الخليج والدول العربية، حيث كان الاستقرار ميزة نادرة، تتكشف الخسائر. قطر تواجه أضرارًا كبيرة في منشآت الغاز قد يستغرق إصلاحها سنوات. تقديرات شركة ريستاد إنرجي تشير إلى أن كلفة إعادة بناء البنية التحتية المتضررة قد تصل إلى 58 مليار دولار. أما السعودية والإمارات، فبرغم محاولاتهما الالتفاف عبر مسارات بديلة، فقد تلقتا ضربة مباشرة لرهانهما على الاستقرار وتنويع الاقتصاد.

حتى القطاعات البعيدة عن الطاقة لم تسلم. فعاليات كبرى أُلغيت، من مؤتمرات مالية إلى سباقات الفورمولا واحد، فيما تعرضت بنى تكنولوجية حساسة، بينها مراكز بيانات تابعة لشركة أمازون في الخليج، للاستهداف.

هكذا تحوّل مضيق هرمز من ممر مائي متنازع عليه إلى عقدة تختصر صراعًا أوسع: اقتصاد عالمي معلّق على حافة الاختناق، وحرب تُقاس آثارها لا بحجم الدمار الفوري، بل بقدرتها على إنهاك العالم ببطء.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − 17 =

زر الذهاب إلى الأعلى