ما كلفة إغلاق الإنترنت على الاقتصاد الرقمي الإيراني؟
تُظهر التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في الحفاظ على هذه البنية وإدارتها خلال الظروف الصعبة، حققت أداءً أكثر استقرارًا أمنيًا واقتصاديًا.

ميدل ايست نيوز: يتحول الإنترنت في لحظات الأزمات والتوترات الأمنية إلى الهدف الأسرع للتقييد، تحت عناوين براقة مثل حماية الأمن وضبط التهديدات وإدارة المشهد العام. غير أن هذا الإجراء، رغم ما يُمنح له من مبررات، يطرح معضلة جوهرية: هل يشكّل قطع الإنترنت فعلًا أداة فعالة لتعزيز الأمن، أم أنه قرار قصير النظر يفتح الباب أمام تداعيات أكثر تعقيدًا وكلفة، تتجاوز بكثير ما يُفترض أنه يعالجه؟
تُظهر مراجعة التجارب العالمية ومبادئ الأمن السيبراني أجراها موقع ميدل ايست نيوز أن هذا الإجراء، بدل أن يكون حلًا دقيقًا وموجّهًا، قد يتسبب في تعطيل البنى التحتية الحيوية، وزيادة هشاشة الأنظمة، وفرض أعباء اقتصادية واسعة. وفي عالم أصبح فيه الإنترنت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية والاتصالات وحتى إدارة الأزمات، فإن تقييده قد يرفع من مستويات عدم اليقين وعدم الاستقرار. وعليه، يبرز سؤال أساسي: في عصر الاتصالات هل يتحقق الأمن عبر قطع الوصول إلى الإنترنت، أم من خلال إدارته بشكل ذكي ومستدام؟
في ظل أوضاع أمنية حساسة، بل وحتى عند الاقتراب من نزاع أو الانخراط فيه، تصبح القرارات المتعلقة بالبنى التحتية الحيوية، ومنها الإنترنت، من أكثر مجالات صنع السياسات تعقيدًا وحسمًا. في هذا السياق، تُطرح روايات تبرّر تقييد أو قطع الإنترنت بالاستناد إلى مفاهيم مثل “الأمن” و”إدارة الأزمة” و”التحكم بالتهديد”. لكن تحليل هذه الادعاءات من منظور تقني واقتصادي وتجريبي يكشف صورة مختلفة؛ صورة تُظهر أن القطع الواسع للإنترنت لا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز الأمن، بل قد يفضي إلى نتائج عكسية ومكلفة.
أمن البنى التحتية: قضية تتجاوز الإنترنت العام
في إيران، يُطرح تقييد الإنترنت عادة كوسيلة لمنع الاختراقات التي تستهدف أنظمة حيوية مثل البنوك والبنى المالية أو الخدمات الحكومية. غير أن مبادئ هندسة الأمن السيبراني تفترض أصلًا ألا تعتمد هذه الأنظمة بشكل مباشر على الإنترنت العام. ففي معظم الدول، تعمل الأنظمة الحيوية ضمن شبكات معزولة، ومراكز بيانات خاصة، وطبقات متعددة من التحكم بالوصول.
وتشير تقارير مؤسسات دولية إلى أن العوامل الأساسية لأمن هذه الأنظمة تتمثل في إدارة الوصول، والتحديث المستمر، والمراقبة، وبنية الشبكات السليمة، وليس مجرد الاتصال أو عدم الاتصال بالإنترنت العام. وبعبارة أخرى، فإن أي ضعف في هذه الأنظمة يعود غالبًا إلى تصميمها الداخلي أو سياسات الوصول أو نقص التحديثات، لا إلى استخدام الجمهور للإنترنت.
بل إن تقييد الإنترنت قد يعطل عمليات أمنية أساسية مثل تلقي التحديثات البرمجية، وتحديث قواعد البيانات الأمنية، ومزامنة معلومات التهديدات. ويُعرف هذا في أدبيات الأمن السيبراني بمخاطر “العزل غير المقصود”، حيث تصبح الأنظمة، مع مرور الوقت، أكثر عرضة للتهديدات بدل أن تكون أكثر أمانًا.
فعالية تقييد الاتصالات في مواجهة الجهات المنظمة
تستند حجة أخرى إلى أن قطع الإنترنت يمنع تواصل الجهات المعادية أو التخريبية مع الجواسيس في إيران. ورغم أن هذه الفكرة تبدو منطقية في ظاهرها، فإن التجارب العالمية تشير إلى أن مثل هذه القيود تؤثر أساسًا على المستخدمين العاديين، لا على الجهات المنظمة.
ففي العديد من الحالات المسجلة عالميًا، واصلت الجهات المستهدفة استخدام بدائل مثل الشبكات الخاصة، والاتصالات المشفرة، والتقنيات الفضائية للحفاظ على تواصلها، بينما تكبد المستخدمون العاديون والشركات الخسائر الأكبر. ويُظهر هذا النمط أن تقييد الإنترنت ليس أداة دقيقة لاحتواء التهديدات، بل إجراء واسع النطاق ذو آثار جانبية مرتفعة، تتحمل تكلفته المجتمعات والاقتصادات بشكل غير متناسب.
في هذا السياق، أعلن رئيس لجنة البلوك تشين في منظمة نقابة الحاسوب في إيران منذ أيام أن انقطاع الإنترنت خلال الخمسين يومًا الماضية ألحق خسائر بالاقتصاد الرقمي الإيراني تُقدّر بنحو مليار دولار.
الإنترنت: بنية تحتية حيوية في الأزمات والحروب
لم يعد الإنترنت في أدبيات إدارة الأزمات أداة ترفيهية أو وسيلة اتصال فحسب، بل أصبح جزءًا من البنية التحتية الحيوية، على غرار الكهرباء والمياه والنقل.
وفي أوقات الأزمات أو الحروب، لا يتراجع الاعتماد على الإنترنت، بل يتزايد. إذ يعتمد المواطنون عليه للحصول على المعلومات الفورية، وتحديد المسارات الآمنة، والتواصل مع ذويهم، والوصول إلى الخدمات الطبية، وحتى لتنظيم شؤونهم اليومية. ويؤدي قطع هذا الوصول إلى زيادة الغموض، وانتشار الشائعات، وتعطيل اتخاذ القرارات الحيوية.
اقتصاديًا، ازدادت أهمية الإنترنت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مع توسع الاقتصاد الرقمي واعتماد ملايين الأشخاص عليه بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد أظهرت تجارب سابقة في إيران أن أي انقطاع واسع يمكن أن يتسبب بخسائر يومية كبيرة للشركات وموجة بطالة وانهيار رأس المال البشري، فضلًا عن تأثيراته غير المباشرة على النشاط الاقتصادي، وهذا ما أكدت عليه تقارير وتصريحات حكومية رسمية في إيران، حيث جاء على لسان وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني أن نحو 10 ملايين شخص في إيران، معظمهم من الطبقات المتوسطة والدنيا، يعتمدون بشكل مباشر على إنترنت مستقر لممارسة أنشطتهم المهنية، وأن استمرار الاضطرابات في الوصول إلى الشبكة قد يهدد وظائف هذه الشريحة.
الرواية والثقة وإدارة المعلومات
يبقى جانب إدارة المعلومات والثقة العامة من أبرز الأبعاد غير التقنية لهذه القضية.
في أوقات الأزمات، يسهم التدفق النسبي للمعلومات في خفض التوتر، وتعزيز التنسيق المجتمعي، وتقوية قدرة المجتمع على الصمود. في المقابل، يؤدي التقييد الشديد للمعلومات غالبًا إلى ارتفاع مستويات الشك، وانتشار الروايات غير الرسمية.
وهنا، حتى لو كان الهدف من التقييد هو ضبط الوضع، فقد تكون النتيجة تعقيد بيئة اتخاذ القرار بالنسبة للمواطنين والفاعلين الاقتصاديين، خاصة في ظل اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاتصالات الرقمية، ما يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات السلبية المتراكمة.
تشير هذه المعطيات مجتمعة إلى نتيجة واضحة: لم يعد الإنترنت أداة ثانوية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن والاقتصاد والحياة اليومية. وأي سياسات واسعة وغير دقيقة تؤدي إلى تعطيله تفرض كلفة تفوق الفوائد المرجوة، سواء من حيث تقليص قدرة المجتمع على الصمود، أو إضعاف الأداء الاقتصادي، أو حتى زيادة المخاطر الأمنية على المدى البعيد.
ضمن هذا الإطار، يمكن اعتبار “الوصول المستقر والموثوق إلى الإنترنت” جزءًا من متطلبات الحوكمة الفعالة في أوقات الأزمات. وتُظهر التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في الحفاظ على هذه البنية وإدارتها خلال الظروف الصعبة، حققت أداءً أكثر استقرارًا أمنيًا واقتصاديًا.
وعليه، فإن التوجه نحو الحفاظ على أقصى قدر ممكن من الوصول، مع إدارة ذكية وموجّهة للتهديدات، يُعد خيارًا أقل كلفة وأكثر فعالية، قائمًا على تحسين إدارة الشبكات، وتعزيز مرونة البنى التحتية، وتقوية الثقة العامة، بما يخدم استقرار الدول في البيئات المعقدة وعالية المخاطر.
اقرأ ايضًا
التقرير السادس لوضع الإنترنت في إيران: سرعة بطيئة وجودة ضعيفة



