الصحافة الإيرانية: مستقبل أوبك وأوبك بلس بعد انسحاب الإمارات

تفرض الضغوط المناخية المتزايدة، إلى جانب التحولات السياسية داخل أوبك، على المنظمة إعادة تعريف دورها استنادًا إلى ثلاثة محاور رئيسية هي: المرونة، والتكنولوجيا، وخفض الانبعاثات الكربونية.

ميدل ايست نيوز: يعد القرار الرسمي الإماراتي بالانسحاب من منظمة أوبك وتحالف أوبك بلس اعتبارًا من الأول من مايو 2026، أحد أبرز التحولات الهيكلية في سوق الطاقة العالمي خلال العقد الأخير. فخروج دولة بلغ متوسط إنتاجها النفطي خلال عام 2025 نحو 3.46 ملايين برميل يوميًا، وتسعى لرفع طاقتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يوميًا بحلول 2030، لا يُنظر إليه بوصفه قرارًا فنيًا متعلقًا بحصص الإنتاج فحسب، بل باعتباره إشارة جيوسياسية تحمل تداعيات مباشرة على تماسك أوبك، وأسعار النفط، ومسار التحول الطاقوي في منطقة الخليج.

وأعلنت منظمة الدول العربية المصدرة للنفط “أوابك” أن الإمارات انسحبت منها أيضًا، وذلك بعد إعلان أبوظبي الثلاثاء الماضي خروجها من منظمة أوبك وتحالف أوبك بلس.

وكان محمد الصبان، المستشار السابق لوزير الطاقة السعودي، قد أكد أن قرار الإمارات الانسحاب من أوبك بلس في الظروف الحالية، خصوصًا مع محدودية فائض القدرة الإنتاجية لديها، يثير الكثير من التساؤلات. وأضاف أن هذه الخطوة لن تؤثر على استقرار المنظمة أو دورها في الأسواق العالمية.

وطرح الصبان تساؤلًا رئيسيًا حول ما إذا كان من الأفضل للإمارات الانتظار حتى تصل قدرتها الإنتاجية إلى خمسة ملايين برميل يوميًا قبل اتخاذ قرار الانسحاب. كما أشار إلى احتمال وجود دور أمريكي خلف هذا القرار، معتبرًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرغب في الظهور بوصفه المتحكم في أسواق النفط العالمية. وبحسب الصبان، فإن الهدف من هذه الخطوة يتمثل في إحداث اهتزاز داخل أوبك بلس، لكنه استبعد تحقق ذلك.

وفي هذا السياق، يرى مسعود دشتي درخشان، الخبير في شؤون الطاقة، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، أن قراءة تداعيات الانسحاب تستوجب النظر إلى مستويين متوازيين: مستوى التماسك المؤسسي داخل أوبك، ومستوى قدرة السوق على استيعاب الصدمات والتكيف معها. ومن هذا المنطلق، فإن انسحاب الإمارات لا يُنظر إليه بوصفه “فشلًا في التعاون” فحسب، بل اختبارًا لآليات إدارة الإمدادات وإعادة تعريف الأدوار داخل السوق النفطية.

الأبعاد السياسية والاقتصادية لانسحاب الإمارات.. هل انتهى التقارب النفطي الخليجي؟

تشير بيانات قرارات أوبك بين عامي 2016 و2024 إلى أن متوسط التزام دول مجلس التعاون الخليجي باتفاقات خفض الإنتاج تراجع من 91% إلى 63%، وهو تراجع يعود بدرجة كبيرة إلى الخلافات بين الإمارات والسعودية بشأن خطوط الأساس للإنتاج.

وتفيد تقارير إقليمية، بينها تقارير لشبكة الجزيرة، بأن الانسحاب لا يرتبط فقط بالخلاف حول الحصص الإنتاجية، بل يعكس تصاعد المنافسة بين الرياض وأبوظبي في سياسات الطاقة، واختلاف المقاربات تجاه إيران، إضافة إلى اتساع الفجوة في نماذج التنمية الاقتصادية والصناعية بين البلدين، بما يضع التماسك النفطي التقليدي في الخليج أمام تحديات متزايدة.

وبحسب البيانات، فإن ثقل الإمارات داخل أوبك وأوبك بلس لا يمكن تجاهله، إذ تمثل نحو 9.2% من إنتاج أوبك، وحوالي 14% من فائض الطاقة الإنتاجية في أوبك بلس، إلى جانب 12% من صادرات النفط الخليجية.

ويرى التقرير أن خروج لاعب بهذا الحجم يضعف بصورة مباشرة قدرة أوبك على إدارة السوق والحفاظ على ما يُعرف بـ”أثر التنسيق”. كما أن انسحاب الإمارات من “أوابك” يشير إلى اتساع الفجوات المؤسسية، بحيث لم تعد تداعيات القرار تقتصر على اتفاقات الإنتاج، بل تمتد إلى شبكات التنسيق السياسي والطاقة في المنطقة.

سيناريوهات سوق النفط بعد خروج الإمارات

يعرض التقرير ثلاثة سيناريوهات رئيسية استنادًا إلى نماذج وكالة الطاقة الدولية وأوبك وبيانات “بلومبرغ NEF” لعام 2026.

السيناريو الأول: تصاعد المنافسة والانقسام داخل أوبك

يفترض هذا السيناريو أن ترفع الإمارات إنتاجها بين عامي 2026 و2027 بما يتراوح بين 300 و500 ألف برميل يوميًا بعد الانسحاب، مع احتمال أن تلجأ دول أخرى إلى زيادة الإنتاج للحفاظ على حصصها السوقية.

ويُتوقع في هذه الحالة تراجع سعر خام برنت بين 8 و12 دولارًا، وانخفاض الإيرادات النفطية للدول الأقل دخلًا في أوبك بنسبة تتراوح بين 12 و15%، إضافة إلى ارتفاع مؤشر تقلبات الأسعار بنحو 25%.

ويشير التحليل إلى أن ضعف التنسيق المؤسسي داخل أوبك سيجعل السوق أكثر عرضة للإشارات المتفرقة والتقلبات الحادة في الأسعار.

السيناريو الثاني: تشكيل تحالفات جديدة خارج أوبك

بحسب هذا السيناريو، قد تتجه الإمارات إلى تعزيز التعاون مع منتجين من خارج أوبك، مثل النرويج والولايات المتحدة والبرازيل، ضمن ترتيبات “معلوماتية وتسويقية”.

ومن النتائج المحتملة لذلك تراجع نفوذ أوبك في تحديد الأسعار العالمية من نحو 35% إلى 25%، إلى جانب ظهور تكتلات جديدة تعتمد على تقنيات الإنتاج منخفضة الكلفة في الحقول البحرية والعميقة، فضلًا عن تنامي دور الاقتصادات الصاعدة مثل الهند والصين في رسم أنماط الشراء العالمية.

ويرى التقرير أن هذا التحول يعني انتقال القوة التفاوضية تدريجيًا من التنسيق المؤسسي داخل أوبك إلى مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والطاقة منخفضة التكلفة.

السيناريو الثالث: تسارع التحول نحو الطاقة المستدامة

يفترض هذا السيناريو أن تدفع الضغوط المناخية والمخاطر الجيوسياسية، مثل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، دول الخليج إلى تسريع تنويع مصادر الطاقة.

وتشير التقديرات إلى أن القدرة الإنتاجية للطاقة الشمسية في الإمارات سترتفع من 6.2 غيغاواط حاليًا إلى 23 غيغاواط بحلول عام 2030، فيما سترتفع حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الخليجي من 7% عام 2025 إلى 22% بحلول 2035.

كما يُتوقع أن تستثمر دول المنطقة ما معدله 40 مليار دولار سنويًا في مشاريع الطاقة الخضراء.

وبحسب التقرير، فإن التحول الطاقوي قد يؤدي دور “عامل التوازن السياسي”، بحيث يسهم على المدى المتوسط في تخفيف آثار الخلافات السياسية داخل أوبك، من خلال توجيه الاستثمارات نحو الطاقة البديلة.

التحديات البيئية والالتزامات المناخية

بلغ إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لدول أوبك خلال عام 2025 نحو 7.8 غيغاطن، ما يفرض على هذه الدول التكيف مع المعايير الكربونية الجديدة، مثل آلية تعديل الكربون الأوروبية “CBAM”، ومعايير الاتحاد الأوروبي لعام 2030، إضافة إلى معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية في الأسواق الآسيوية.

ويشير التقرير إلى أن كثافة الانبعاثات الكربونية في بعض الدول الأعضاء تصل إلى 13 كيلوغرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكل برميل نفط، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 9.7 كيلوغرامات.

وفي المقابل، لا تتجاوز حصة تقنيات احتجاز وتخزين الكربون داخل أوبك 1% من القدرة العالمية، ما يعكس تأخر المنظمة نسبيًا في مسار التحول الطاقوي.

كما تُظهر البيانات أن معدلات تسرب غاز الميثان في بعض الحقول تصل إلى 3.5%، بينما توصي وكالة الطاقة الدولية بألا تتجاوز هذه النسبة 0.2%، وهو ما قد يعرّض الدول المنتجة لمزيد من الضغوط التجارية والتنظيمية.

وفي مواجهة هذه التحديات، يوجد عدة سيناريوهات للتكيف، من بينها رفع الاستثمارات الجماعية في مشاريع احتجاز الكربون إلى 10 مليارات دولار سنويًا، وتطوير بعض الدول الأعضاء كمراكز لإنتاج الهيدروجين الأزرق والأخضر بطاقة تصل إلى 25 مليون طن بحلول عام 2035، فضلًا عن توسيع التعاون مع الصناديق المناخية في آسيا وأوروبا لخفض انبعاثات الميثان بنسبة 75% بحلول 2030.

ويخلص التقرير إلى أن خروج الإمارات يجب النظر إليه باعتباره نقطة تحول في هيكل سوق النفط العالمي، وليس مجرد حدث عابر، إذ أدى في الوقت نفسه إلى إضعاف التماسك داخل أوبك وتعقيد إدارة الإمدادات، مقابل تعزيز القدرة التفاوضية للمنتجين المستقلين.

أوبك أمام إعادة تعريف دورها

تفرض الضغوط المناخية المتزايدة، إلى جانب التحولات السياسية داخل أوبك، على المنظمة إعادة تعريف دورها استنادًا إلى ثلاثة محاور رئيسية هي: المرونة، والتكنولوجيا، وخفض الانبعاثات الكربونية.

لن يعتمد مستقبل أوبك وأوبك بلس فقط على اتفاقات الإنتاج، بل أيضًا على سرعة تكيف الأعضاء مع الاقتصاد منخفض الكربون، واعتماد التقنيات النظيفة، والتعامل مع المنافسة الهيكلية المتصاعدة في الخليج.

تؤكد التقارير أن الدول التي تنجح مبكرًا في الانتقال إلى الطاقة النظيفة وبناء اقتصادات أكثر مرونة ستكون الرابح الأكبر في مرحلة التحول المقبلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى