الصحافة الإيرانية: هل خسارة الممرات تعني فعلاً خسارة الحرب؟

إذا لم تتكامل المستويات الأربعة في مسار واحد، فلن تؤتي أي عقيدة أو سياسة ثمارها. أما إذا جرى توحيدها ضمن عقيدة وطنية متماسكة للممرات، فبوسع إيران أن تحافظ على موقعها التاريخي كمحور للاتصال الإقليمي.

ميدل ايست نيوز: تشهد المنطقة في خضم حرب إيران انشغالاً واسعاً بالمشهد العسكري المباشر، إذ يظن كثيرون أن ساحة المواجهة الرئيسية تقتصر على أجواء المنطقة، أو الهجمات الصاروخية، أو مضيق هرمز. غير أن الواقع يكشف عن معركة أعمق وأطول أمداً تجري بالتوازي مع هذه الميادين الظاهرة؛ إنها معركة الممرات والموانئ وخطوط السكك الحديدية ومسارات التجارة وشبكات الطاقة، وهي معركة لا يحدد مآلها ميزان القوى العسكري فحسب، بل ترسم أيضاً موقع إيران في النظام الإقليمي المقبل.

يقول فريد موسوي، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن الولايات المتحدة توصلت منذ سنوات إلى قناعة مفادها أن احتواء إيران لا يمكن أن يتحقق عبر العقوبات وحدها. وانطلقت في اعتماد استراتيجية تقوم على تقليص دور إيران تدريجياً في شبكة التجارة العالمية ورفع كلفة اتصالها بالاقتصاد الدولي، سواء من خلال الضغط على النقل البحري وزيادة مخاطر التأمين، أو عبر تصميم مسارات بديلة تتجاوز إيران في سلاسل التجارة والطاقة. ويتمثل الهدف الواضح في الحد تدريجياً من الميزة الجيوسياسية التي تتمتع بها إيران. غير أن التحدي لا يقتصر على الضغوط الخارجية، إذ لعبت الإخفاقات الداخلية المتراكمة دوراً حاسماً أيضاً. فعلى مدى سنوات جرى الحديث عن الموقع الجيوسياسي المتميز لإيران، لكن هذا الموقع لم يتحول إلى منظومة بنية تحتية واستراتيجية متكاملة. كما أن مشاريع الممرات والترانزيت سارت في كثير من الأحيان بصورة متفرقة وبطيئة ومن دون رؤية شاملة ذات بعد أمني، في وقت دخل فيه العالم عصر “حرب الممرات”، حيث باتت المسارات تضاهي الحدود أهمية، بل قد تفوقها.

تبرز الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى صياغة “عقيدة وطنية للممرات” تحدد بوضوح أن الترانزيت واللوجستيات والموانئ والسكك الحديدية والاتصال الإقليمي ليست مشاريع قطاعية منفصلة، بل أعمدة أساسية للأمن القومي والقوة الاقتصادية. وينبغي أن تقوم هذه العقيدة على ثلاثة مبادئ رئيسية: تعزيز القابلية للاتصال بشكل فاعل، وتنويع المسارات، وتحويل إيران إلى عقدة مركزية في شبكات العبور الإقليمية. ومن دون هذا الإطار، ستظل الإجراءات المتفرقة غير كافية، بل ستفقد فعاليتها في ظل المنافسة الجيوسياسية القائمة.

تتداخل في هذا السياق أدوار أربعة أركان رئيسية في إيران بشكل وثيق. فعلى البرلمان أن يحول هذه العقيدة الوطنية إلى قانون ملزم يرفع تطوير البنية التحتية للترانزيت من مستوى المشاريع المرتبطة بالموازنات المتقلبة إلى أولوية دائمة في إطار الأمن القومي. ويتعين على الحكومة تنفيذ هذه العقيدة عبر سياسات تنفيذية منسجمة، والارتقاء بالتنسيق بين المؤسسات من مستوى إداري إلى مستوى استراتيجي. أما القطاع الخاص، فعليه أن يدخل شريكاً حقيقياً في تطوير اللوجستيات والعبور، متجاوزاً النظرة القصيرة الأجل القائمة على المشاريع المحدودة. كما ينبغي للمجتمع أن يدرك أن مستقبل فرص العمل، وقوة الاقتصاد، وقيمة العملة الوطنية، وقدرة البلاد على الصمود، جميعها ترتبط بمدى حضور إيران في شبكة الممرات العالمية.

إذا لم تتكامل هذه المستويات الأربعة في مسار واحد، فلن تؤتي أي عقيدة أو سياسة ثمارها. أما إذا جرى توحيدها ضمن عقيدة وطنية متماسكة للممرات، فبوسع إيران أن تحافظ على موقعها التاريخي كمحور للاتصال الإقليمي وأن تعيد بناءه. ففي خضم الحرب الأخيرة، لم تقتصر المسألة على الميدان العسكري، بل تعلقت بتشكل النظام الإقليمي الجديد في الوقت ذاته. الدول التي تحجز لنفسها موقعاً في شبكة الممرات ستظل فاعلة في المستقبل، بينما ستتراجع تلك التي تُستبعد منها إلى الهامش. وفي عالم اليوم، لا تُقاس القوة بالقدرة العسكرية وحدها، بل أيضاً بالقدرة على الاتصال، فخسارة الممرات تعني خسارة الحرب.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى