«هلسنكي الخليج».. هل تنجح إيران والسعودية في بناء تفاهم أمني جديد؟

تزايدت خلال الأسابيع الأخيرة التكهنات بشأن مستقبل العلاقات بين إيران ودول الخليج العربية، بعدما تحدثت تقارير إعلامية عن اهتمام المملكة العربية السعودية بإبرام اتفاق عدم اعتداء مع إيران، على غرار «اتفاقيات هلسنكي».

ميدل ايست نيوز: تزايدت خلال الأسابيع الأخيرة التكهنات بشأن مستقبل العلاقات بين إيران ودول الخليج العربية، بعدما تحدثت تقارير إعلامية عن اهتمام المملكة العربية السعودية بإبرام اتفاق عدم اعتداء مع إيران، على غرار «اتفاقيات هلسنكي» الذي أطلق في سبعينيات القرن الماضي بين دول المعسكرين الشرقي والغربي في أوروبا خلال الحرب الباردة.

ورغم عدم صدور تأكيد رسمي من الرياض، أثار تداول الفكرة نقاشاً واسعاً حول إمكانية بناء صيغة جديدة للأمن الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة، خصوصاً بعد المواجهات العسكرية التي استمرت أربعين يوماً وشهدت توتراً غير مسبوق بين إيران وبعض دول الخليج.

وفي هذا السياق، رأى الدبلوماسي الإيراني السابق والمحلل المختص بشؤون الخليج كوروش أحمدي، في حوار مع وكالة إرنا الإيرانية الرسمية أن استنساخ نموذج «هلسنكي» في منطقة الخليج يواجه عقبات معقدة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين دول المنطقة، مشيراً إلى أن التأثير الحاسم للقوى الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، يجعل من الصعب تطبيق نموذج مشابه للتجربة الأوروبية.

وأوضح أحمدي أن اتفاقية هلسنكي لعام 1975 قامت على مبدأ «التعايش السلمي» بين أنظمة سياسية واقتصادية مختلفة، بحيث تتمكن من خفض التوترات والتعاون في بعض الملفات مع الحفاظ على خصوصياتها السياسية والأيديولوجية. وأضاف أن منطقة الخليج تضم اليوم أنظمة سياسية متباينة على ضفتي الخليج، ما يجعل فكرة بناء تفاهمات أمنية وعدم اعتداء بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي أمراً ممكناً من حيث المبدأ.

وأشار إلى أن الهدف الأساسي لأي صيغة مشابهة يتمثل في منع تكرار المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الحرب الأخيرة، وإقامة تفاهمات تضمن عدم لجوء الأطراف إلى سياسات عدائية أو تدخلات متبادلة، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني.

لكن أحمدي شدد على أن الفارق الجوهري بين تجربة أوروبا خلال الحرب الباردة والوضع الحالي في الخليج يتمثل في وجود لاعبين خارجيين مؤثرين في المنطقة. وقال إن دول الخليج ترتبط بتحالفات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، بينما أقامت بعض هذه الدول علاقات أمنية متنامية مع إسرائيل، الأمر الذي يجعل أي ترتيبات إقليمية مرتبطة بصورة مباشرة بمستوى التوتر بين طهران وواشنطن، وكذلك بالصراع الإيراني الإسرائيلي.

وبحسب أحمدي، فإن التوترات الحالية في المنطقة لا تنبع أساساً من خلافات مباشرة بين إيران ودول الخليج، بل من الصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة من جهة، وبين إيران وإسرائيل من جهة أخرى. وأضاف أن استمرار هذا الصراع يجعل من الصعب على دول الخليج وطهران الفصل بين علاقاتها الثنائية وبين الاستقطابات الإقليمية والدولية.

ولفت إلى أن وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف طرح منذ سنوات فكرة اتفاق عدم اعتداء بين إيران ودول المنطقة، إلى جانب الدعوة إلى معالجة الخلافات بين إيران والولايات المتحدة، باعتبار أن حل هذا الملف سيؤدي تلقائياً إلى تخفيف التوتر مع دول الخليج.

وأكد أحمدي أن نجاح أي «مسار هلسنكي» خليجي يتطلب قبولاً متبادلاً بمبدأ التعايش السلمي وعدم السعي إلى تغيير الأنظمة السياسية أو تقويضها. واعتبر أن هذا القبول متوفر بدرجات متفاوتة بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، لكنه لا يزال غائباً في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف أن إيران لا تعترف بإسرائيل، بينما تواصل واشنطن الضغط على طهران عبر سياسات تستهدف تغيير سلوكها الإقليمي، وهو ما يعرقل بناء بيئة مستقرة تسمح بإطلاق ترتيبات أمنية إقليمية دائمة.

ورغم ذلك، رأى أحمدي أن هناك «عقلانية سياسية» لدى الأطراف الإقليمية تدفع نحو التعايش وخفض التصعيد، مستشهداً بمحطات شهدت تقارباً ملحوظاً بين إيران والسعودية، من بينها فترة رئاسة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، حين وصلت العلاقات بين البلدين إلى توقيع اتفاقيات أمنية مشتركة.

وختم بالقول إن نجاح أي مبادرة إقليمية مستقبلية سيبقى رهناً بقدرة الأطراف على إدارة التوترات الخارجية، معتبراً أن وجود أرضية مشتركة للتفاهم بين إيران ودول الخليج يمنح فرصاً واقعية لبناء نظام إقليمي أكثر استقراراً إذا جرى احتواء الصراعات الأوسع في المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى