تلوث نفطي واسع جنوب إيران يثير القلق بشأن مستقبل النظم البيئية في مياه الخليج
تكمن المخاوف الرئيسية في وصول التلوث إلى واحدة من أكثر البيئات البحرية حساسية في الخليج، حيث تعيش أنواع نادرة ومهددة من الكائنات البحرية.

ميدل ايست نيوز: وصلت بقع نفطية إلى السواحل المرجانية لجزيرة شيدور بعد أسابيع من الهجوم الذي استهدف المنشآت النفطية في جزيرة لاوان الإيرانية، لتطال واحدة من أهم المناطق المحمية في مياه الخليج، والتي تُعد موطناً لسلاحف منقار الصقر والطيور المهاجرة.
وفي وقت تتداول فيه صور لشواطئ مغطاة بالقطران وكائنات بحرية عالقة في التلوث النفطي، تتصاعد انتقادات برلمانيين وخبراء بيئيين لما وصفوه بصمت وتباطؤ منظمة حماية البيئة في مراقبة الأزمة وتوثيق أبعادها.
ولم تقتصر آثار الحرب على استهداف المدن والمنشآت العسكرية، بل امتدت إلى بعض أهم النظم البيئية في مياه الخليج. فبعد أسابيع من الهجوم على المنشآت النفطية في جزيرة لاوان، أظهرت صور ومقاطع مصورة حديثة شواطئ ملوثة بالنفط وشعاباً مرجانية متضررة وكائنات بحرية عالقة في المواد النفطية، ما أثار مخاوف متزايدة من تشكل أزمة بيئية واسعة النطاق في جنوب إيران، قد تستمر تداعياتها لسنوات طويلة، وفقاً لتقديرات الخبراء.
وفي 12 أبريل/نيسان، بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار، تعرضت المنشآت النفطية الإيرانية في جزيرة لاوان لسلسلة من الغارات الجوية. وأشارت تقارير لاحقة إلى أن طائرات إماراتية استهدفت المنشآت النفطية في المنطقة المعروفة ضمن قطاع النفط الإيراني باسم «مناطق الجرف القاري التابعة للشركة الوطنية الإيرانية للنفط».
ووفقاً للتقارير المنشورة، تسببت الهجمات في اندلاع حرائق واسعة وخروج جزء كبير من الطاقة التكريرية في لاوان عن الخدمة، وسط تقديرات بأن أعمال إعادة التأهيل قد تستغرق عدة أشهر. غير أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على الخسائر الصناعية، إذ أظهرت صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو التي نشرها ناشطون بيئيون ووسائل إعلام لاحقاً وصول بقع نفطية واسعة إلى سواحل جزيرة شيدور، ما أدى إلى تلوث أجزاء من السواحل المرجانية والمناطق المحمية.
وأظهرت الصور المتداولة شواطئ مغطاة بطبقات من القطران، وطيوراً وكائنات بحرية عالقة في الملوثات النفطية، إضافة إلى تغير لون المياه المحيطة بالجزيرة، في مشاهد أعادت إلى الأذهان كوارث التلوث النفطي الكبرى في العالم.
وتكمن المخاوف الرئيسية في وصول التلوث إلى واحدة من أكثر البيئات البحرية حساسية في الخليج، حيث تعيش أنواع نادرة ومهددة من الكائنات البحرية.
صمت منظمة البيئة ومخاوف من ضياع الأدلة القانونية
وفي وقت تتكشف فيه أبعاد التلوث بشكل متزايد، تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى منظمة حماية البيئة الإيرانية. وأعربت سمية رفيعي، رئيسة كتلة البيئة وعضو هيئة رئاسة البرلمان، في تصريحات لموقع «رويداد 24»، عن قلقها إزاء الوضع في جزيرة لاوان، مؤكدة أنه لم يتم حتى الآن الإعلان عن أي خطة أو برنامج واضح من قبل المنظمة لمراقبة جزيرة شيدور أو تنفيذ عمليات تنظيف فيها.
وقالت رفيعي: «وفقاً للمعلومات الواردة، فإن منظمة البيئة لم تبدأ حتى الآن عمليات الرصد الميداني في الجزيرة».
وتأتي هذه التصريحات في وقت يحذر فيه خبراء القانون البيئي الدولي من أن توثيق الأضرار في مثل هذه الأزمات يُعد أمراً بالغ الأهمية، نظراً لأن القوانين الدولية تتيح المطالبة بتعويضات عن الأضرار البيئية الناجمة عن النزاعات المسلحة، وتُلزم الجهة المسؤولة عن الهجوم بجبر الضرر.
ولهذا السبب، يرى بعض الناشطين البيئيين أن التأخر في توثيق الأوضاع في جزيرة شيدور قد يحرم إيران مستقبلاً من إمكانية الملاحقة القانونية والمطالبة بالتعويض عن الأضرار البيئية التي لحقت بالمنطقة.
الشعاب المرجانية ستتعرض لأضرار طويلة الأمد
من جانبه، أكد حبيب مسيحي تازياني، المدير العام لحماية البيئة في محافظة هرمزغان، في تصريحات لرويداد 24، خطورة الوضع في جزيرة شيدور، مشيراً إلى أن التلوث الناجم عن الأضرار التي لحقت بالمنشآت النفطية وصل إلى سواحل لاوان وشيدور، وسيترك «آثاراً طويلة الأمد على السواحل الصخرية والشعاب المرجانية».
وأوضح أن الجهات المختصة تواصل عمليات توثيق الأضرار البيئية الناتجة عن الحادث.
وتشير هذه التصريحات إلى أن المخاوف لا تتعلق فقط بالتلوث المؤقت، بل بإمكانية حدوث تدهور طويل الأمد في النظام البيئي للمنطقة. فبينما يمكن إزالة بعض أشكال التلوث السطحي خلال أسابيع أو أشهر، فإن الأضرار التي تصيب الشعاب المرجانية والموائل البحرية الحساسة قد تستمر سنوات طويلة، وقد تؤثر في دورات التكاثر لدى بعض الأنواع البحرية.
شيدور.. جزيرة صغيرة بأهمية بيئية كبيرة
وقدمت الخبيرة البيئية ليدا آشتياني تفاصيل إضافية حول الأهمية البيئية للمنطقة، ووصفت جزيرة شيدور، المعروفة أيضاً باسم «مارو»، بأنها واحدة من أهم المحميات الطبيعية في مياه الخليج، ولا سيما باعتبارها موقعاً رئيسياً لتعشيش السلاحف البحرية وموطناً للطيور المهاجرة.
وقالت آشتياني إن أنظمة الرصد الدولية سجلت تراكم النفط الخام على الخط الساحلي ووقوع أضرار مباشرة للحياة البرية، مضيفة: «تشير التقارير إلى نفوق واختناق بعض الكائنات الحية واحتجاز أخرى داخل التلوث النفطي. كما أن امتداد هذا الشريط الأسود في منطقة تضم سلاحف منقار الصقر والشعاب المرجانية قد يؤدي إلى آثار طويلة المدى على دورات التكاثر لهذه الأنواع».
وأكدت أن التلوث في البيئات الجزرية يتحلل بوتيرة أبطأ بسبب محدودية حركة المياه، ما يعني أن آثاره قد تبقى لسنوات داخل النظام البيئي.
وأضافت: «قد تترك هذه الملوثات آثاراً مدمرة طويلة الأمد على الشعاب المرجانية والأسماك والطيور والسلاحف البحرية».
ويشير خبراء البيئة إلى أنه حتى في حال إزالة البقع النفطية السطحية، فإن الملوثات قد تبقى عالقة في الرواسب البحرية وتدخل تدريجياً إلى السلسلة الغذائية، الأمر الذي يجعل آثارها المحتملة تتجاوز الحياة البرية لتطال جوانب أخرى مرتبطة بالإنسان والبيئة.
الأزمة لا تقتصر على شيدور
وبالتوازي مع أزمة لاوان وشيدور، ظهرت تقارير عن تلوث نفطي في محيط جزيرة خارك. وبينما نسبت بعض وسائل الإعلام التلوث إلى تسرب من منشآت نفطية إيرانية، نفت منظمة حماية البيئة هذه الرواية.
وأوضحت المنظمة أن مصدر التلوث المرصود قرب جزيرة خارك يعود إلى «مياه الاتزان الملوثة التابعة لناقلة نفط متضررة»، مؤكدة عدم وقوع أي تسرب مباشر من المنشآت النفطية المحلية.
ومع ذلك، فإن تزامن عدة حوادث تلوث نفطي في الخليج خلال فترة زمنية قصيرة أثار مخاوف متزايدة بشأن هشاشة البنية التحتية للطاقة وقابلية النظام البيئي الإقليمي للتضرر، خصوصاً في ظل اعتماد جزء كبير من اقتصاد وأمن السكان الغذائي في جنوب إيران على سلامة هذه المياه.
جرح قد يستمر لسنوات
ورغم أن الحجم الدقيق للأضرار البيئية الناجمة عن الهجوم على لاوان لم يتضح بالكامل بعد، فإن المعطيات والصور المتاحة حتى الآن ترسم صورة مقلقة لما قد يكون إحدى أخطر الأزمات البيئية التي شهدها الخليج خلال السنوات الأخيرة.
فالأزمة الحالية لم تنجم هذه المرة عن تقادم البنية التحتية أو خطأ صناعي، بل جاءت كنتيجة مباشرة للحرب، وهي حرب لم تترك آثارها على المنشآت النفطية فحسب، بل امتدت لتطبع بصماتها على الشعاب المرجانية والسلاحف البحرية وسواحل جنوب إيران.



