أسعار القهوة في إيران ترتفع بوتيرة تفوق الدولار وسط اتهامات باضطراب الاستيراد والاحتكار

توقع نائب رئيس اتحاد المقاهي في طهران أن يظل سوق القهوة في البلاد تحت ضغوط تضخمية خلال الفترة المقبلة، موضحاً أن التقديرات تظهر أن أسعار بعض أصناف القهوة ارتفعت خلال الأشهر الأولى من العام بنسبة تراوحت بين 20 و40 في المئة إضافية.

ميدل ايست نيوز: سجلت أسعار حبوب القهوة في إيران خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعات تجاوزت حتى مكاسب الدولار. ويقول نائب رئيس اتحاد المقاهي في طهران إن غلاء القهوة لا يرتبط فقط بالحرب أو العقوبات أو الأسواق العالمية، بل إن جزءاً مهماً منه يعود إلى اضطراب عمليات الاستيراد وغياب سياسة موحدة للسوق، وحتى إلى تخزين البضائع في المستودعات.

في السابق، كان الذهاب إلى المقاهي نشاطاً ترفيهياً لا يحتاج إلى حسابات معقدة. كان الطلاب يجتمعون حول طاولة واحدة بعد انتهاء الدروس، ويحدد الأزواج مواعيدهم في المقاهي، فيما كان كثيرون يقضون ساعات بعيداً عن صخب المدينة برفقة فنجان من القهوة وكتاب أو حاسوب محمول. أما اليوم، فإن هذا النشاط البسيط يتحول تدريجياً إلى رفاهية مرتفعة التكلفة.

فإذا كان بالإمكان قبل سنوات قليلة شراء فنجان قهوة جيد بنحو 100 ألف تومان، فإن أسعار بعض المشروبات المعتمدة على القهوة في مقاهي طهران تتراوح حالياً بين 200 ألف و500 ألف تومان. والأكثر لفتاً للانتباه هو الارتفاع الكبير في أسعار حبوب القهوة نفسها.

وخلال الأشهر الأخيرة، سجلت بعض أنواع القهوة في إيران مستويات سعرية قياسية جديدة تجاوزت حتى وتيرة ارتفاع الدولار. وأصبح البعض يطلق دعابات بأن من اشترى عدة كيلوغرامات من القهوة العام الماضي بدلاً من شراء الدولار حقق أرباحاً أكبر.

لكن ما أسباب هذه القفزة السعرية؟ وهل الحرب والاضطرابات في مسارات الاستيراد وراء هذا الوضع؟ وهل أدى إغلاق بعض خطوط النقل البحري والقيود التجارية مع الإمارات إلى هذه الأزمة؟ أم أن جزءاً من ارتفاع الأسعار يعود، كما يقول بعض العاملين في السوق، إلى الاحتكار والفوضى في هيكل الاستيراد؟

فبينما يرى البعض أن إغلاق المسار البحري مع الإمارات وتراجع الواردات تسبب في ارتفاع الأسعار، يقول آخرون إن زيادة الاستيراد البري عبر تركيا كانت عاملاً في هذه التطورات.

أما الفرضية الثالثة، المتعلقة باحتكار القهوة في المستودعات، فتُعد الأكثر إثارة للجدل، إذ تشير إلى أن تقلبات سوق القهوة لا ترتبط بالحرب أو بجمارك الإمارات بقدر ما تعود إلى ممارسات داخلية تهدف إلى تحقيق أرباح إضافية.

وفي هذا السياق، أجرى موقع “رويداد 24” حواراً مع علي زعفري، نائب رئيس اتحاد المقاهي في طهران، الذي يرى أن جانباً كبيراً من أزمة القهوة في إيران لا يتشكل في البرازيل أو فيتنام أو الأسواق العالمية، بل داخل البلاد نفسها.

وقال زعفري: “الجميع يعلم أن أسعار القهوة ارتفعت عالمياً، لكن عندما تكون الزيادة العالمية في حدود 40 في المئة، بينما نشهد في إيران ارتفاعات تصل أحياناً إلى أكثر من 460 في المئة، فهذا يعني أن المسألة لا تتعلق فقط بالاقتصاد العالمي، بل إن جزءاً كبيراً من الأزمة داخلي ويرتبط بالسياسات المعتمدة وهيكل الاستيراد وإدارة السوق”.

وأضاف: “لم تعد القهوة مجرد سلعة استهلاكية. ففي ظل العقوبات، أصبحت جزءاً من دورة العملات الأجنبية والتبادلات التجارية. ولسنوات طويلة كان المستوردون يعملون عبر أسعار صرف تفضيلية أو مسارات تجارية متفق عليها، لكن هذه المسارات تقلصت أو أُلغيت اليوم، ما انعكس مباشرة على السوق”.

فوضى الاستيراد… القهوة بلا جهة مسؤولة في إيران

وأوضح زعفري أن إحدى المشكلات الرئيسية تتمثل في غياب جهة حكومية واضحة تتولى إدارة سوق القهوة، إذ لا يتحمل البنك المركزي أو وزارة الزراعة أو وزارة الصناعة بمفردهم مسؤولية هذا القطاع، ما جعل السوق يعيش حالة من الضبابية.

وقال: “غياب سياسة موحدة أدى إلى حالة من الارتباك. ففي بعض الفترات تتم عمليات الاستيراد خارج إطار الأولويات ومن دون رؤية متخصصة. بعض الشركات تستورد كميات ضخمة، ثم يدخل السوق في حالة ركود اقتصادي وتتراجع المبيعات، وبعد ذلك تُطرح البضائع في السوق بشكل تدريجي لتحقيق أرباح أكبر. وهذا يضر بالمستهلك والمقاهي وشركات التحميص وسلسلة صناعة القهوة بأكملها”.

ويرى زعفري أن ارتفاع الأسعار العالمية لا يمكن أن يبرر وحده المستويات الحالية للأسعار في السوق الإيرانية.

وأضاف المسؤول الإيراني: “إذا كان سعر أحد أنواع الروبوستا عالمياً يبلغ نحو 8 دولارات مثلاً، فلا ينبغي أن يصل سعره النهائي في إيران إلى هذه الفجوة الكبيرة. صحيح أن هناك تكاليف للشحن وتحويل الأموال والتصنيع والمخاطر التجارية، لكنها لا تبرر بعض الأسعار الحالية. إن صناعة القهوة في إيران لا تواجه أزمة غلاء فحسب، بل أزمة استدامة اقتصادية أيضاً. وإذا لم تُدار السوق بطريقة أكثر تخصصاً وشفافية وتنسيقاً، فسيتضرر المستهلك والقطاع معاً”.

إيران تسعى لأن تصبح مركزاً إقليمياً للقهوة

ورغم هذه التحديات، أعرب زعفري عن تفاؤله بمستقبل صناعة القهوة في إيران، مؤكداً أن ثقافة المقاهي تشهد انتشاراً متسارعاً، وأن البلاد يمكن أن تتحول خلال السنوات المقبلة إلى أحد المراكز الرئيسية للقهوة في المنطقة.

وقال: “مع السرعة التي تنمو بها صناعة القهوة المتخصصة في إيران، أعتقد أن البلاد يمكن أن تصبح مركزاً إقليمياً للقهوة بحلول نهاية العقد الحالي. ربما يبدو هذا الطرح مبالغاً فيه للبعض، لكن الحقيقة أن المعرفة والخبرة والكوادر البشرية وجودة العمل شهدت تطوراً كبيراً. ولدينا القدرة على التفوق حتى على بعض الدول الأوروبية في مجالات متخصصة من صناعة القهوة”.

وأضاف أن الشباب الإيرانيين يعملون اليوم وفق معايير عالمية في مجالات التحميص وإعداد القهوة والتدريب وإدارة المقاهي والقهوة المتخصصة، وهو ما يمثل تطوراً مهماً للقطاع.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب دعماً حكومياً وسياسات أكثر استقراراً ووضوحاً، مضيفاً: “إذا أصبحت السياسات أكثر شفافية وتخصصاً واستدامة، فإن صناعة القهوة الإيرانية يمكن أن تتحول خلال أربع أو خمس سنوات إلى أحد أهم الأسواق في المنطقة”.

احتكار أم نقص حقيقي؟ ما وراء اضطراب سوق القهوة

وتطرق زعفري أيضاً إلى مسألة الاحتكار والمخزونات الموجودة في المستودعات، وهي قضية تتكرر بشكل متزايد بين العاملين في السوق.

وتوقع أن يظل سوق القهوة تحت ضغوط تضخمية خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن تقديرات العاملين في القطاع تظهر أن أسعار بعض أصناف القهوة ارتفعت خلال الأشهر الأولى من العام بنسبة تراوحت بين 20 و40 في المئة إضافية.

وأوضح أن هذه الزيادات لا تعود بالضرورة إلى نقص فعلي في المعروض، بل ترتبط بظروف السوق والممارسات التجارية. وأضاف أن جزءاً كبيراً من احتياجات البلاد من القهوة كان يفترض أن يكون متوافراً حالياً استناداً إلى طلبات الاستيراد المسجلة خلال العام الماضي، ولذلك فإن الحديث عن نقص السلع يستدعي مراجعة دقيقة لسلسلة التوريد.

وفي ختام حديثه قال زعفري: “استناداً إلى معلومات ومشاهدات العاملين في القطاع، ما زال جزء من مخزون القهوة محفوظاً في مستودعات القطاع الخاص، فيما يخضع جزء آخر لإجراءات التخليص الجمركي لأسباب مختلفة. وكلما ازدادت الشفافية في ما يتعلق بالمخزونات والواردات وآليات التوزيع، أصبح من الممكن ضبط الأسعار بصورة أفضل والحد من اضطرابات السوق”.

 

(سعر الدولار في إيران: حدود 170.000 تومان)

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى