“عزلة علمية”… العقوبات تدفع الجامعات الإيرانية إلى مزيد من التراجع العالمي

أدى تراجع تصنيف الجامعات الإيرانية ونقص الإمكانات البحثية والتداعيات المباشرة للعقوبات إلى وضع مستقبل التعليم العالي في إيران أمام تحديات جدية.

ميدل ايست نيوز: أدى تراجع تصنيف الجامعات الإيرانية ونقص الإمكانات البحثية والتداعيات المباشرة للعقوبات، بدءًا من انخفاض الإنتاج العلمي وصولًا إلى الاستبعاد من أنظمة التصنيف الدولية، إلى وضع مستقبل التعليم العالي في إيران أمام تحديات جدية.

تتواصل الأوضاع الصعبة للجامعات الإيرانية، إذ تعاني إما من تراجع في تصنيفها العلمي، أو من عدم السماح لها بدخول التصنيفات الدولية بسبب العقوبات. وقبل فترة، صدر تقرير تصنيف «كيو إس» (QS)، وهو أحد أنظمة التصنيف العالمية للجامعات، وقدّم التقرير صورة مقلقة عن مكانة الجامعات الإيرانية مقارنة بمنافسيها الإقليميين. وبحسب التقرير، تتصدر تركيا دول المنطقة من حيث عدد الجامعات المدرجة في هذا التصنيف، بواقع 25 جامعة، تليها السعودية بـ22 جامعة، ثم الإمارات بـ12 جامعة، فيما لا يتجاوز عدد الجامعات الإيرانية 11 جامعة. كما يظهر الفارق بين الجامعات الإيرانية ومنافسيها الإقليميين بوضوح في المراتب المتقدمة؛ إذ جاءت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في السعودية في المرتبة 63 عالميًا، وحلت جامعة خليفة الإماراتية في المرتبة 147، فيما جاءت جامعة إسطنبول التقنية التركية في المرتبة 279.

وفي المقابل، تراجعت جامعة طهران، باعتبارها أفضل جامعة إيرانية، 45 مرتبة مقارنة بالعام الماضي، لتحتل المرتبة 367 عالميًا. وما يلفت الانتباه أكثر في تقرير هذا العام هو تراجع ترتيب جميع الجامعات الإيرانية مقارنة بالعام الماضي، في اتجاه يشير إلى أن أيًا من جامعات البلاد لم يتمكن من الحفاظ على موقعه العالمي.

البحث العلمي تحت وطأة العقوبات ونقص التمويل

وفي هذا السياق، قال جعفر توفيقي، وزير العلوم الإيراني الأسبق، لوكالة خبر أونلاين: «جزء كبير من هذا التراجع ناتج عن انخفاض الأنشطة البحثية في إيران. فالنخب التي تعمل في الجامعات تحتاج إلى تطوير أعمالها البحثية، لكن هذه الإمكانية غير متاحة لها».

وفي السياق نفسه، قال كارن أبري نيا، الأستاذ في جامعة طهران وأمين نقابة أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الإيرانية: «إن نشر الأبحاث يؤثر من عدة جوانب. فالأبحاث هي نتاج الأنشطة البحثية للأساتذة والطلاب، وهذه الأنشطة تحتاج إلى مواد أولية ومعدات وأجهزة مختلفة. كما أن توفير هذه المعدات أصبح صعبًا بسبب العقوبات، وتضطر الجامعات إلى الالتفاف على العقوبات بطريقة ما أو توفير هذه المعدات بأي وسيلة ممكنة».

وأضاف: «على سبيل المثال، كان نواب الشؤون البحثية في وزارتي الصحة والعلوم يقدمون العام الماضي إحصاءات تشير إلى أن التكلفة الفعلية لتوفير المعدات البحثية للجامعات كانت تبلغ نحو 300 إلى 350 ألف تومان لكل دولار؛ أي إنه إلى جانب سعر شراء الجهاز، كانت تُدفع تكاليف إضافية ناجمة عن العقوبات، لتصل في النهاية تكلفة توفير المعدات إلى هذه المستويات».

وأوضح أبري نيا: «لقد جعلت هذه المسألة العمل صعبًا للغاية. ففي جامعة طهران، معداتنا البحثية ليست محدثة على الإطلاق، بل إنها متأخرة حتى مقارنة بجامعات الدول المجاورة. ومع ذلك، تمكن باحثونا من تحقيق إنتاج علمي ملحوظ، ما جعلنا نحتل، في بعض المجالات، مكانًا بين أفضل 20 جامعة. هذا يدل على أن جودة وكم العمل الذي ينجزه باحثونا مرتفعان للغاية».

عندما تستبعد العقوبات الجامعات الإيرانية من التصنيفات العالمية

وكما أُشير سابقًا، أدت القيود الناجمة عن العقوبات إلى جعل توفير الإمكانات اللازمة للبحث العلمي في الجامعات أمرًا صعبًا، بل مستحيلًا في بعض الحالات، وفي ظل هذه الظروف لا يبدو تأخر الجامعات الإيرانية عن جامعات دول المنطقة أمرًا مستغربًا. لكن علاقة الجامعة بالبحث العلمي وإنتاج المعرفة لا تقتصر فقط على نقص الإمكانات أو المعدات، إذ تؤثر العقوبات أحيانًا بشكل مباشر، وترفض مؤسسات التصنيف الدولية إدراج الجامعات الإيرانية، وهو ما حدث للجامعات الإيرانية في تصنيف «تايمز».

وفي أعقاب استبعاد الجامعات الإيرانية من تصنيف «تايمز للاستدامة والتأثير» (Sustainability Impact Ratings)، والذي حظي باهتمام خلال الأيام الأخيرة، أعلنت مؤسسة تايمز أن العقوبات هي السبب وراء عدم قبول المؤسسات الإيرانية في هذا التصنيف. ووفقًا لوكالة «إیسنا»، اعتبر بهروز رسولي، الأستاذ المساعد في معهد إيرانداك والمتخصص في علم قياس العلوم، أن استبعاد الجامعات الإيرانية من تصنيف «التأثير» التابع لـ«تايمز» نتيجة مباشرة للعقوبات.

وأوضح أن مؤسسة تايمز كانت قد اشترطت العضوية في شبكة الاستدامة والتأثير للمشاركة في هذا التصنيف، لكنها امتنعت، بسبب العقوبات، عن قبول الجامعات الإيرانية. وأكد رسولي أن المشكلة لم تكن في تحويل الأموال أو دفع رسوم العضوية، إذ كانت جامعات مثل جامعة طهران مستعدة لدفع الرسوم، كما كان من الممكن إجراء المدفوعات الدولية. ووفقًا له، امتنعت الجهة المنظمة للتصنيف عن قبول الجامعات الإيرانية بسبب مخاوفها من تبعات التعاون مع المؤسسات الإيرانية.

وفي السياق ذاته، كان جعفر توفيقي قد قال في وقت سابق لـ خبر أونلاين: «للأسف، تعلن بعض المجلات العلمية الأجنبية التي كانت تستقبل أبحاث الإيرانيين أنها مضطرة إلى الامتناع عن قبول الأبحاث الإيرانية بسبب العقوبات. من المؤسف أن يتم الربط بين القضايا العلمية والسياسية، لكنهم يتصرفون بهذه الطريقة على أي حال، وهذا أمر غير عادل».

كلفة باهظة للاستبعاد من التصنيفات العالمية

وفي إشارة إلى هذا الوضع، قال أبري نيا: «تؤثر العقوبات بشكل مباشر على نشر الأبحاث من جانب آخر أيضًا. فعلى سبيل المثال، لوحظ في بعض الحالات أن بعض المجلات ترفض الأبحاث من دون أي سبب، حتى قبل إخضاعها للتحكيم. ويكتفون بالإعلان ببساطة عن أن البحث لا يندرج ضمن مجال عملهم، في حين يبدو أن هذا التعامل قد يكون أيضًا ناتجًا بطريقة ما عن العقوبات أو قضايا مماثلة، وأنه يُطبق بصورة غير مباشرة».

وأضاف: «أما أن تعلن المؤسسة التي تشيرون إليها بشكل مباشر أنها لا تقبل الجامعات الإيرانية بسبب العقوبات، فهذا يدل على أن مشكلة سياستنا الخارجية يجب أن تُحل بطريقة ما، لأن هذه القضية تؤثر على الجامعات والاقتصاد ومختلف المجالات في البلاد».

وقال الأستاذ في جامعة طهران: «عندما ننظر إلى هذه التصنيفات، نرى أن جميع جامعات العالم تقريبًا تسعى إلى المشاركة فيها وتحسين ترتيبها، لأن هذه التصنيفات تُعد نوعًا من المعايير العلمية، وتُظهر المكانة التي تحتلها الجامعة. وإذا خرجنا بشكل كامل من أنظمة التصنيف هذه، فإننا نكون قد قطعنا صلتنا بالعالم، وكأننا نبني جدارًا حول أنفسنا ولا نعود على اتصال بأحد. وفي مثل هذه الظروف، سنشهد تراجعًا تدريجيًا. فهذه التصنيفات تمثل مؤشرًا يوضح المستوى الذي تحتله جامعات بلادنا. وإذا أردنا زيادة عدد الطلاب الدوليين في المستقبل، فإن هذه التصنيفات تؤثر في استقطابهم. وإذا لم نكن مرئيين، فمن الطبيعي أن يصبح جذب الطلاب الدوليين أكثر صعوبة».

اقرأ ايضا

بسبب انقطاع الإنترنت: غياب إيراني غير مسبوق عن تصنيف “التايمز” للجامعات لعام 2026

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى