اتفاق غير مكتمل: هدنة جيوسياسية مؤقتة بانتظار الحسم النووي خلال 60 يوماً

يمثل هذا الاتفاق فصلاً جديداً من “الواقعية السياسية”. فقد أظهرت إيران قدرتها، تحت الضغط العسكري، على استخدام أدواتها الجيوسياسية مثل السيطرة على مضيق هرمز والجاهزية الصاروخية لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات.

ميدل ايست نيوز: أعلنت إيران والولايات المتحدة التوصل إلى مذكرة تفاهم سلام أعادت تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي في المنطقة وفتحت مرحلة جديدة من إعادة التموضع الإقليمي. جاء هذا الاتفاق بعد أشهر من التصعيد العسكري المتواصل، ليؤسس لمسار أولي لاحتواء الأزمة، غير أن استمراره يبقى مرهوناً بمفاوضات نووية شديدة التعقيد خلال الستين يوماً المقبلة، والتي ستحدد بشكل حاسم مسار المرحلة التالية.

إيران وأميركا تتوصلان إلى مذكرة تفاهم. كانت هذه الرسالة القصيرة التي أعلنها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مساء أمس الأحد، والتي أحدثت صدمة كبيرة في الأسواق العالمية والأوساط السياسية. هذه التفاهمات الطارئة، التي جاءت بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التوتر العسكري الحاد والحصار البحري وحروب الوكالة، من المقرر أن تُوقَّع رسمياً يوم الجمعة 19 يونيو في سويسرا، بحضور نائب الرئيس الأمريكي فانس ورئيس البرلمان الإيراني قاليباف.

وقد رافقت عملية إتمام الاتفاق تقلبات دراماتيكية، إذ في اللحظات التي كان فيها الوسطاء القطريون والباكستانيون يجرون مفاوضات مكثفة في طهران، أدت غارات جوية مفاجئة شنها الجيش الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت إلى دفع مسار المفاوضات إلى حافة الانهيار. وذكر موقع انتخاب في تقرير حصري من كواليس تلك الساعات أن قاليباف قرر تعليق المفاوضات بين الفريق الإيراني والوفد القطري، بالتزامن مع استعداد القوات المسلحة الإيرانية لإطلاق منصات الصواريخ. وعلى إثر ذلك، قام دونالد ترامب بإلغاء الحصار البحري المفروض على إيران فوراً، والذي كان من المقرر رفعه خلال 30 يوماً.

وقد أظهر هذا التحول الميداني أن طهران تمكنت، بالاعتماد على استراتيجية “الردع النشط”، من الحفاظ على أفضلية تفاوضية في اللحظات الأخيرة وإجبار واشنطن على تقديم تنازلات فورية.

تفاصيل التفاهم المكون من 14 بنداً؛ من جغرافيا هرمز إلى حزمة 300 مليار دولار

ورغم أن النص الكامل لمذكرة التفاهم لم يُنشر رسمياً بعد، فإن تقارير وسائل الإعلام المحلية تشير إلى أنها تتضمن مسودة من 14 بنداً، أبرزها: وقف فوري ودائم للحرب وإنهاء العمليات العسكرية في جميع الجبهات بما فيها لبنان، والالتزام بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله؛ إعادة فتح مضيق هرمز مع إلغاء الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية من قبل الولايات المتحدة ومنح إدارة حركة الملاحة والخدمات البحرية في هذا الممر الحيوي لإيران وعُمان؛ حزمة إعادة إعمار اقتصادية تتعهد فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها ببرنامج بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني؛ والتعهد بالاحترام المتبادل للسيادة الوطنية وعدم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية الإيرانية.

ترامب ووهم النصر الحاسم

في المقابل، حاول دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” تقديم الاتفاق باعتباره انتصاراً مطلقاً لعقيدة “أمريكا أولاً”. وكتب قائلاً: “الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية اكتمل الآن. التهاني للجميع! أصدرتُ أمراً بإعادة فتح مضيق هرمز دون رسوم، وبالتوازي مع ذلك رفع الحصار البحري فوراً عن الموانئ الإيرانية من قبل البحرية الأمريكية. سفن العالم، شغّلوا محركاتكم. دعوا النفط يتدفق!”

لكن تحليلات غربية قدّمت قراءة أكثر واقعية، إذ أشارت وكالتا رويترز وPBS إلى أن ترامب كان، قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، بحاجة ملحة للخروج من حرب مكلفة في الشرق الأوسط وخفض أسعار الطاقة العالمية. وذكرت PBS أن “إنهاء العمليات العسكرية سيعيد الهدوء إلى الاقتصاد العالمي، لكن أهداف ترامب الأولية المتعلقة باستسلام إيران الكامل لا تزال بعيدة المنال”.

ماراثون أصعب في الأفق؛ مهلة 60 يوماً نووياً

النقطة الأهم هي أن الاتفاق الحالي يُعد أقرب إلى “وقف إطلاق نار جيوسياسي واسع” واتفاق أولي لعدم الانتشار، وليس سلاماً دائماً. وأكد كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية، في حديث للتلفزيون الإيراني، أن اتفاق الجمعة يقتصر على ترتيبات إنهاء الحرب، يعقبه مسار تفاوضي مكثف لمدة 60 يوماً. وأوضح أن محور هذه المفاوضات سيكون الملف النووي حصراً، مع أربعة محاور رئيسية: إنهاء العقوبات، القضايا النووية، برنامج إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، وآلية مراقبة تنفيذ الالتزامات.

في المقابل، ذكرت صحيفة الغارديان أن ترامب هدد في حديثه لصحيفة نيويورك تايمز بأنه إذا لم تتوصل طهران خلال 60 يوماً إلى اتفاق نووي شامل مع واشنطن، فقد يتم استئناف العمليات العسكرية، ما يشير إلى مرحلة دبلوماسية شديدة الحساسية.

غضب تل أبيب وترحيب لندن؛ الخاسرون والرابحون

أدى الإعلان عن التفاهم إلى تغيير سريع في موازين القوى الإقليمية. إسرائيل، التي رأت نفسها خارج مسار المفاوضات السرية بين إسلام آباد وطهران، لم تُخفِ غضبها. وهاجمت وسائل إعلام عبرية ترامب بشدة، حيث علّقت القناة 14 الإسرائيلية بلهجة حادة: “ما فعله دونالد ترامب بنا سيئ إلى درجة يصعب حتى شرحها”.

في المقابل، رحبت العواصم الأوروبية بالتطور، إذ وصف رئيس الوزراء البريطاني في بيان رسمي هذا التفاهم بأنه “خطوة حيوية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة وضمان أمن الأسواق العالمية”.

إشارات إيجابية للأسواق؛ هبوط الدولار وارتفاع الذهب

لم يكد يجف الحبر على بيان رئيس الوزراء الباكستاني حتى شهدت الأسواق المالية في إيران والعالم تفاعلاً حاداً. فقد تراجع سعر التيثر (الدولار الرقمي) في السوق المحلية بشكل كبير، بينما انخفض سعر النفط إلى 80 دولاراً، ما خفف العبء عن الاقتصاد العالمي على المدى المتوسط. ويعكس هذا التفاعل السريع توجه التوقعات الاقتصادية نحو “خفض التوتر” و”الانفراج الدبلوماسي”.

فرصة استراتيجية أم سلام مستدام؟

يمثل هذا الاتفاق فصلاً جديداً من “الواقعية السياسية”. فقد أظهرت إيران قدرتها، تحت الضغط العسكري، على استخدام أدواتها الجيوسياسية مثل السيطرة على مضيق هرمز والجاهزية الصاروخية لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات. وقد يشكل تعهد إعادة الإعمار البالغ 300 مليار دولار متنفساً مهماً للاقتصاد الإيراني المتعثر.

ومع ذلك، فإن مصير الاتفاق مرتبط ارتباطاً مباشراً بمفاوضات نووية تمتد 60 يوماً. والدبلوماسية الإيرانية مطالبة بالانتقال من مرحلة احتواء الحرب إلى مرحلة تثبيت المكاسب ورفع العقوبات بشكل دائم، في مسار يتطلب قدراً عالياً من الانضباط السياسي وتجنب التصعيد الداخلي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية − 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى