من قناة السويس إلى بحر قزوين.. انهيار معادلة “السرعة والتكلفة” لصالح أمن الطرق التجارية

شدد محللون على أن صادرات النفط عبر مضيق هرمز قد لا تعود أبداً إلى مستوياتها التي كانت عليها قبل الحرب، في تحذير قد يدفع المستثمرين والعملاء إلى إعادة النظر في مسارات تجارة النفط والغاز.

ميدل ايست نيوز: استندت بنية التجارة العالمية خلال العقدين الماضيين إلى قاعدة بسيطة مفادها أن السلع يجب أن تمر عبر المسارات الأقل تكلفة والأسرع زمناً. لهذا السبب، اعتُبرت الممرات البحرية الكبرى مثل قناة السويس ومضيق هرمز، إلى جانب شبكة السكك الحديدية الشمالية عبر روسيا، العمود الفقري لحركة البضائع بين آسيا وأوروبا. غير أن التطورات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة أثبتت أن هذه المعادلة لم تعد مستقرة كما كانت في السابق. فقد جعلت الحروب والعقوبات وحالات عدم الاستقرار الإقليمي من “أمن المسار” عاملاً لا يقل أهمية عن الكلفة والسرعة.

في هذا السياق، بدأ “الممر الأوسط” أو “المسار العابر لبحر قزوين” يتحول تدريجياً من خيار هامشي إلى أحد أهم الشرايين المحتملة للتجارة الأوراسية.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه منطقة الخليج حرباً أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما دفع سعر برميل النفط عالمياً إلى 117 دولاراً. وقبل اندلاع الحرب، كانت أسعار النفط تتراجع باستمرار حتى اقتربت من مستوى 60 دولاراً للبرميل، إلا أن إغلاق المضيق وتعطل حركة ناقلات النفط وسفن الغاز الطبيعي المسال أدى إلى مواجهة السوق العالمية عجزاً يقدر بنحو ثمانية ملايين برميل يومياً.

وأعادت هذه الحرب تسليط الضوء على مسارات بديلة لنقل الطاقة والبضائع؛ وهي مسارات كانت تُقيَّم سابقاً وفق معايير اقتصادية بحتة مثل قصر المسافة وتكاليف النقل والقدرات الإنتاجية، ما جعل بعضها خارج دائرة الأولويات. أما اليوم، فقد أصبحت مسألة الأمن العامل الأول في تقييم ممرات نقل الطاقة والتجارة، وهو ما تحول أيضاً إلى أولوية رئيسية بالنسبة للمستثمرين.

تحول مسارات الاستثمار في النفط والغاز

وفي هذا الإطار، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة أن الصراعات في الشرق الأوسط تدفع نحو إعادة توجيه التدفقات المالية، ما سيرفع الاستثمارات في قطاع الغاز الطبيعي خلال عام 2026 إلى أعلى مستوى لها خلال العقد الأخير.

ونقلت وكالة “رويترز” عن الوكالة الدولية للطاقة قولها في تقرير إن الاستثمارات العالمية في مشاريع الغاز الطبيعي سترتفع هذا العام بأكثر من 10 في المئة لتصل إلى 330 مليار دولار، وهو أعلى مستوى خلال السنوات العشر الماضية.

كما أكد المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة فاتح بيرول أن الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة كثفت جهودها لتنويع طرق التجارة ومصادر الطاقة.

وفي تقرير آخر، شدد محللون على أن صادرات النفط عبر مضيق هرمز قد لا تعود أبداً إلى مستوياتها التي كانت عليها قبل الحرب، في تحذير قد يدفع المستثمرين والعملاء إلى إعادة النظر في مسارات تجارة النفط والغاز.

وفي السياق ذاته، نقلت وكالة “تسنيم” عن شبكة CNBC أن سوق النفط العالمية قد تدخل مرحلة جديدة بعد الحرب مع إيران، بحيث لا تعود صادرات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل النزاع.

ووفق التقرير، يتعين على مالكي السفن أن يأخذوا في الحسبان احتمال اندلاع التوترات مجدداً في الخليج بصورة مفاجئة، بما قد يدفع شركات الشحن إلى تجنب المرور عبر مضيق هرمز.

وأضافت CNBC أن السفن التجارية الغربية ستتعامل بحذر أكبر مع المرور عبر المضيق إذا استمرت إيران في فرض سيطرة فعلية عليه، خاصة إذا اضطرت تلك السفن إلى التنسيق مع طهران لعبوره، وهو ما قد يعرّضها لمخاطر انتهاك العقوبات الأمريكية.

وحذر التقرير من أن تداعيات هذا السيناريو يصعب التنبؤ بها، نظراً إلى أن مضيق هرمز يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

وأشار التقرير إلى أنه قبل اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط، لم تكن حرية الملاحة في مضيق هرمز تواجه تحديات جدية، لكن إيران أقدمت لاحقاً على إغلاق الممر المائي عملياً.

الممر الأوسط يجذب اهتمام المستثمرين

في ظل هذه المعطيات، بدأت ممرات بديلة لنقل الطاقة والبضائع تستقطب اهتمام المستثمرين، ويبرز “الممر الأوسط” كأحد أهم هذه المشاريع.

لماذا أصبح الممر الأوسط مهماً؟

الممر الأوسط عبارة عن شبكة متعددة الوسائط تضم خطوطاً للسكك الحديدية والطرق البرية والممرات البحرية، تبدأ من غرب الصين وتعبر آسيا الوسطى، ثم تصل إلى جنوب القوقاز عبر بحر قزوين، قبل أن تتصل بالأسواق الأوروبية عبر الأراضي التركية.

ويشير تقرير مركز “زاوية” للدراسات إلى أن هذا المسار كان يُنظر إليه حتى سنوات قليلة مضت باعتباره خياراً مكملاً للممرات الرئيسية. غير أن التطورات الجيوسياسية، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا والأزمات الأمنية في البحر الأحمر وتصاعد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، رفعت من أهميته بشكل ملحوظ.

ووفق التقرير، فإن العامل الأول وراء هذا التحول يتمثل في تراجع أهمية المسار الشمالي. فقبل عام 2022، كانت نسبة كبيرة من التجارة الحديدية بين الصين وأوروبا تمر عبر شبكة السكك الحديدية الروسية الواسعة، التي تمتعت ببنية تحتية متكاملة وسرعة عالية وكلفة منخفضة نسبياً.

لكن الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية الواسعة المفروضة على موسكو أدت إلى تعقيد البيئة القانونية والمالية المرتبطة بهذا المسار بشكل كبير، ما دفع العديد من شركات النقل وشركات التأمين الدولية إلى تقليص نشاطها فيه، وبالتالي البحث عن بدائل أخرى.

أما العامل الثاني فهو ازدياد هشاشة الممرات البحرية التقليدية. فقد أظهرت التوترات الأمنية في نقاط استراتيجية مثل البحر الأحمر والخليج العربي مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على عدد محدود من الممرات الحيوية.

ولا يؤدي تعطيل هذه الممرات إلى رفع تكاليف النقل فحسب، بل يطيل أيضاً زمن تسليم البضائع بصورة كبيرة، وهو ما يشكل تحدياً للصناعات التي تعتمد على سلاسل توريد دقيقة ومحددة زمنياً.

ولهذا السبب، اتجهت الشركات والحكومات إلى تنويع طرق النقل والتجارة.

وفي هذا الإطار، تُعد الصين أكثر الدول اهتماماً بإيجاد مسارات بديلة، نظراً لاعتماد اقتصادها الضخم بشكل كبير على التدفقات المستمرة للصادرات والواردات. كما أن مبادرة “الحزام والطريق” صُممت أساساً لإنشاء شبكة واسعة من الممرات البرية والبحرية التي تربط الصين بالأسواق العالمية.

ومن خلال هذه الاستراتيجية، تحول الممر الأوسط تدريجياً من مشروع ثانوي إلى أولوية جيو-اقتصادية.

وتلعب تركيا دوراً محورياً في هذه المعادلة بفضل موقعها الجغرافي الذي يجعلها جسراً طبيعياً بين آسيا وأوروبا.

وخلال السنوات الأخيرة، سعت أنقرة إلى تعزيز موقعها كمركز رئيسي في هذا الممر عبر تطوير البنية التحتية للنقل، بما في ذلك شبكات السكك الحديدية والموانئ الحديثة والمشاريع العمرانية الكبرى.

ومن بين أبرز هذه المشاريع خط السكك الحديدية باكو–تبليسي–قارص، وتطوير موانئ بحر مرمرة، وإنشاء الأنفاق المخصصة لعبور القطارات تحت مضيق البوسفور.

وبالنسبة لتركيا، لا يُعد الممر الأوسط مجرد مشروع نقل، بل أداة لتعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في أوراسيا.

وتسعى أنقرة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً من الصين والاتحاد الأوروبي، بهدف التحول إلى مركز لوجستي إقليمي، بما يتيح لها التعاون مع الشرق والغرب في آن واحد والاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى على تطوير البنية التحتية للنقل.

ومن جهة أخرى، تُعد دول حوض بحر قزوين من كبار منتجي المواد الخام، ولا سيما النفط والغاز. وتسعى تركيا إلى الاستفادة من هذه الموارد عبر ربط مسارات الطاقة بين الشرق والغرب، وكذلك بين الشمال والجنوب، مع العمل على وصل دول الخليج بتركيا، في إطار طموحها للتحول إلى بوابة الطاقة الرئيسية لأوروبا.

الممر الرابح لمنتجي نفط بحر قزوين

في مسار الشرق إلى الغرب، وعلى امتداد منطقة بحر قزوين، ورغم أن منتجي النفط والغاز في هذه المنطقة لا يُصنفون ضمن كبار المنتجين عالمياً، فإن درجة الاستقرار النسبي في هذه المنطقة جعلت الدول المحيطة بها والممرات الترانزيتية الخاصة بها ذات أهمية متزايدة بالنسبة لأوروبا.

وتنتج جمهورية أذربيجان يومياً نحو 600 إلى 630 ألف برميل من النفط (يشمل النفط الخام والمكثفات الغازية)، بينما يصل إنتاجها من الغاز إلى 1.3 تريليون قدم مكعب. وفي المقابل تُعد كازاخستان أكبر منتج للنفط في المنطقة، إذ يبلغ إنتاجها من النفط مع المكثفات نحو 2.1 إلى 2.17 مليون برميل يومياً، بينما يصل إنتاجها من الغاز إلى نحو 21.1 مليار متر مكعب سنوياً. وتُعد الدول الأوروبية، ولا سيما إيطاليا وألمانيا وهولندا، من أبرز مستوردي النفط الكازاخستاني، في حين تُوجَّه بعض صادراته أيضاً إلى الصين.

أما تركمانستان فتُعد من أغنى دول العالم بالموارد الهيدروكربونية، خصوصاً الغاز الطبيعي، إذ تنتج سنوياً نحو 76.5 مليار متر مكعب من الغاز، بينما يبلغ إنتاجها من النفط نحو 8.38 ملايين طن من النفط الخام.

وفي هذا السياق، تظل روسيا القوة الأهم في منطقة بحر قزوين، حيث تخضع لها أجزاء كبيرة من خطوط نقل النفط والغاز القادمة من آسيا الوسطى. وقد سعت موسكو لسنوات إلى منع إنشاء مسارات طاقة تتجاوزها أو تقلل من دورها، ولذلك عارضت بعض المشاريع الغربية مثل خط أنابيب ترانس قزوين. إلا أن تراجع النفوذ الروسي في منطقة القوقاز، مقابل تعزيز حضور الصين وأوروبا، يشير إلى أن معادلات الترانزيت في هذه المنطقة تشهد تحولات مهمة.

وفي ظل هذه الظروف، تُعد مشاريع مثل خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، ومشروع ترانس قزوين، وممر زنغزور، إضافة إلى مسارات شرق–غرب الجديدة، جزءاً من جهود غربية وتركية واسعة لتنويع طرق إمداد الطاقة إلى أوروبا.

وقال الخبير في الطاقة محمد رضا بدیدار لصحيفة “شرق” إن دول حوض بحر قزوين تسعى بطبيعة الحال للاستفادة من التوترات الحالية في مضيق هرمز إلى أقصى حد ممكن، مشيراً إلى أن بعض الدول تبحث بالفعل عن مسارات بديلة لتصدير النفط والغاز.

وأضاف: “على سبيل المثال، في منطقة الخليج، تقوم دول مثل السعودية بتصدير جزء من نفطها عبر خطوط أنابيب تتجه نحو البحر المتوسط، بما يسمح لها بتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. وهذا يوضح أن دول العالم في قطاع الطاقة تعمل اليوم على إيجاد طرق لتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات الحيوية. وينطبق الأمر نفسه على دول بحر قزوين، فكلما ازدادت التوترات في مضيق هرمز وارتفعت احتمالات عدم الاستقرار، ازدادت أهمية الممرات البديلة. وفي هذه الحالة، تستفيد دول مثل أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان من ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، وتتوفر لها فرص اقتصادية أكبر في مجالات التصدير والاستثمار”.

من جانبه، قال خبير الطاقة نرسي قربان إن دول منطقة بحر قزوين، رغم أنها لا تستطيع من حيث حجم الإنتاج أن تحل محل دول الخليج، إلا أن مسارات التصدير البديلة في كل من الخليج وبحر قزوين قد تكتسب ميزة تنافسية مهمة في سوق الطاقة العالمي بعد حرب الخليج.

أما مصطفى دولتيار، المتخصص في قانون البحار، فأوضح للصحيفة أن دول حوض بحر قزوين، في سيناريو تصاعد أزمة مضيق هرمز، ستستفيد بشكل أكبر من ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، دون أن يشهد دورها تحولاً جذرياً في سوق النفط والغاز. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أنه لا يمكن إنكار أن نظرة المستثمرين إلى نفط وغاز دول الخليج ستتغير بشكل أساسي بعد الحرب في المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى