استراتيجية الصين تجاه الحرب على إيران

تحولت الصين إلى طرف من الأطراف الساعية إلى وقف الحرب الإيرانية دافعة باتجاه المرونة ووقف القتال، مع تشديدها على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً.

ميدل ايست نيوز: تحولت الصين إلى طرف من الأطراف الساعية إلى وقف الحرب الإيرانية منذ اندلاعها في 28 فبراير/شباط الماضي، دافعة باتجاه المرونة ووقف القتال، مع تشديدها على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. ولم تستغل الصين ظروف الحرب، إذ لم تبحر أي سفن حربية صينية إلى الخليج العربي، ولم تُصدر أي بيانات عن بنية أمنية جديدة. بل على العكس، استضاف الرئيس شي جين بينغ نظيره دونالد ترامب في بكين في مايو/أيار الماضي، في إشارة إلى أن الصين لا تسعى إلى إزاحة الولايات المتحدة، بل إلى استقرار منطقة تنزلق نحو الفوضى.

إشادة ترامب بالصين

وكان مشهد ترامب وهو يشكر الصين على التزامها الحياد في ما يتعلق بالحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، أمراً لا يمكن تصوره قبل عام. تكرر ذلك في قمة مجموعة الدول السبع بفرنسا في 17 يونيو/حزيران الحالي، إذ أشاد ترامب ببكين، إلى جانب موسكو، لدورهما في منع كارثة شاملة. ولخصت ملاحظته أن الصين “كان بإمكانها إرسال سفينة نفطية برفقة ست مدمرات على كل جانب” لكنها اختارت ضبط النفس. أيضاً في السياق نفسه، كان امتنان طهران واضحاً، فقد أعرب المسؤولون الإيرانيون، من وزارة الخارجية إلى السفارة في بكين، علناً عن تقديرهم لدور الصين.

وكانت الصين قد بذلت جهوداً دبلوماسية حثيثة منذ فبراير الماضي، حيث أجرى وزير الخارجية وانغ يي، عشرات الاتصالات الهاتفية مع نظرائه في طهران وإسلام أباد وعواصم دول الخليج العربي، وغيرها. وفي مارس/آذار الماضي، قام المبعوث الخاص تشاي جون، بجولة إقليمية للدفع نحو الحوار. وفي الأمم المتحدة، قالت بكين إن الأزمة تتطلب إدارة متعددة الأطراف، وإن الصراع تجاوز حدود الصدام الثنائي بين إيران والولايات المتحدة. ودأبت وسائل إعلام حكومية في الصين، خلال الأسابيع الماضية، على تسويق نهج بكين البراغماتي في معالجة الأزمة الإيرانية، وقالت إنه بعد أن سئم حلفاء واشنطن من حالة الشك، باتوا أكثر تقبلاً لرسالة الصين الداعية إلى الاستقرار. ولفتت إلى أن الولايات المتحدة التي تتعثر علناً في الشرق الأوسط، غارقة في تناقضاتها الاستراتيجية، وهذا قد يُنذر بمزيد من عدم القدرة على التنبؤ بسلوكها. وكرر متحدثون باسم الصين أن التدخّلات الأميركية غالباً ما تولد استياءً وردات فعل سلبية، بينما دبلوماسية الصين، التي تتسم بالصبر والهدوء وعدم الإكراه، تقدم نموذجاً مغايراً. وبحسب تلك الأصوات ووسائل الإعلام الحكومية، فإن الصين لا تفرض الولاء ولا تُلزم الدول بأنظمة محددة، بل تُعزز الترابط وتحافظ على العلاقات. وأشارت تلك المواقف إلى أن هذا ليس سلوك قوة مهيمنة تقليدية أو قوة تسعى لتغيير النظام، بل عقلية أنتجت قوة تكتفي بتشكيل النتائج من دون الهيمنة عليها، وتلعب لعبة محصلتها الفوز المشترك في عالم اعتاد على التفكير بمحصلة صفرية.

وفي قراءته لدور الصين في الأزمة الإيرانية، قال الباحث في معهد جيانغ شي للدراسات السياسية لين وي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن الصين لعبت دوراً محورياً بكونها منسقاً دبلوماسياً، وملاذاً آمناً للطاقة، ومُعيداً لتشكيل النظام الدولي. ومنذ الهجوم المفاجئ الذي شنه التحالف الأميركي الإسرائيلي على إيران والاتفاق المؤقت الذي تلاه، نجحت بكين في تحويل هذه الأزمة إلى ميزة استراتيجية لتوسيع نفوذها العالمي وتعزيز رؤيتها لنظام متعدد الأقطاب. وتابع: تجلّى ذلك في استضافة سلسلة من الزيارات من قادة أجانب، وقدمت نفسها داعيةً للسلام. بل إن بكين تلقت إشادة صريحة من الرئيس الأميركي في عدة مناسبات لإدارتها للأزمة.

كيف استغلت الصين تراجع الولايات المتحدة؟

ولفت لين إلى أن تورط الولايات المتحدة العميق في حروب الشرق الأوسط كشف عن نقاط ضعف في تحالفاتها الغربية، فضلاً عن تراجع قدرات الردع وعدم كفاية مخزونات الأسلحة، وهذا ما أثار مخاوف أقرب الحلفاء في الشرق الأوسط، خصوصاً منطقة الخليج العربي، وكذلك بالنسبة للحلفاء في شرق آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وحتى تايوان. ولكن في المقابل، استغلت الصين هذه الفرصة لعرض صعودها السلمي، واحترامها لسيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ما يجعل رؤيتها للعالم أكثر جاذبية للدول النامية، ودول الجنوب العالمي. وأشار لين إلى أن جوهر التوازن الاستراتيجي لبكين، يكمن في أن إظهار القوة لا يحتاج بالضرورة إلى استعراض علني، بل يمكن فعل ذلك من خلال التحفظ واستثمار النفوذ بشكل هادئ ومن خلال دبلوماسية مكثفة وغير استعراضية. وقال إن هذا النهج يمنح الصين مكانة تؤهلها لتكون لاعباً لا غنى عنه في الأزمات الدولية، كما أنه بفضل سياساتها الحكيمة والمدروسة بعناية تخدم مصالحها بصمت دون لفت الأنظار، من دون الإخلال بالنظام الإقليمي. وأشار إلى أن دخول بكين المتزن على خط الوساطة منح واشنطن سلّماً للنزول عن الشجرة. كما أنها بدعم الجهود الباكستانية، ساعدت في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات. وبذلك أصابت عصفورين بحجر واحد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 + إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى