عامان من المصائب.. بزشكيان ومواجهة الأزمات المتلاحقة
لم ينعم «بزشكيان البرلماني»، الذي أصبح «بزشكيان الرئيس»، بالهدوء الذي رافقه طوال 16 عاماً في البرلمان. وبدأت أكثر مراحل ولايته اضطراباً قبل مرور 24 ساعة على مراسم تنصيبه في البرلمان.
ميدل ايست نيوز: لطالما وصفت وسائل إعلام إيرانية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بـ«أكثر رؤساء الجمهورية سوءاً للحظ»، بعدما دخل الرئاسة وهو يعتزم رفع القيود عن الإنترنت عبر التوافق مع القوى السياسية، والتفاوض مع الولايات المتحدة لمعالجة المشكلات الاقتصادية، إلا أن سلسلة من الأزمات، شملت الحرب واغتيال مسؤولين بارزين، إضافة إلى الأزمات الداخلية والصدام مع التيار المتشدد، غيّرت مسار ولايته.
ورغم أن رؤساء سابقين، مثل حسن روحاني وحتى إبراهيم رئيسي، وُصفوا في فترات معينة بأنهم «سيئو الحظ»، فإن مسيرة بزشكيان الرئاسية تظهر أنه وجد نفسه في مواجهة أزمات متلاحقة. وقد اشتكى هو نفسه من ظروف البلاد قائلاً: «نحن عالقون بشدة. فمنذ اليوم الذي تولينا فيه المسؤولية، تتوالى علينا المصائب ولا تتوقف».
أيام بزشكيان الصعبة
لم يكن العام الماضي عاماً جيداً للشعب الإيراني، ولا لمسعود بزشكيان. فقد شهد، إلى جانب الغلاء والمخاوف من انقطاع المياه والكهرباء، احتجاجات وأحداثاً دامية في يناير/كانون الثاني 2026، ثم حرباً استمرت 12 يوماً في يونيو/حزيران 2025، أعقبتها حرب استمرت 40 يوماً، ما ضاعف من قسوة تلك المرحلة.
وربما يمكن القول إن سوء حظ بزشكيان بدأ منذ اليوم الذي دخل فيه القصر الرئاسي، ويستشهد على ذلك برواية الاستخارة الشهيرة التي أجراها عند دخوله مكتب الرئاسة، إذ قال مخاطباً محمد مخبر بعد التفاؤل بالقرآن: «هذا سيئ جداً».
اغتيال مفاجئ لضيف في إيران
لم ينعم «بزشكيان البرلماني»، الذي أصبح «بزشكيان الرئيس»، بالهدوء الذي رافقه طوال 16 عاماً في البرلمان. وبدأت أكثر مراحل ولايته اضطراباً قبل مرور 24 ساعة على مراسم تنصيبه في البرلمان، عندما اغتالت إسرائيل إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الذي كان ضيفاً في مراسم التنصيب، داخل مقر إقامته في طهران، في عملية كانت إيذاناً ببداية مرحلة مضطربة للرئيس الجديد.
وبعد اغتيال إسماعيل هنية في طهران، استهدفت إسرائيل شخصيات بارزة أخرى في محور المقاومة، من بينها حسن نصر الله ويحيى السنوار. وهكذا وجد بزشكيان، الذي كان خلال حملته الانتخابية أمام سعيد جليلي يمثل خطاب السلام والتفاوض مع الغرب، نفسه بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي مطالباً بمتابعة ملفات التصعيد والرد العسكري.
وفي الفترة نفسها، سقط نظام بشار الأسد، الذي كان حتى سنوات قليلة مضت حليفاً لإيران في ملفات محور المقاومة، ومع فرار الرئيس السوري إلى روسيا، اكتسبت التطورات الإقليمية طابعاً مختلفاً بالنسبة إلى حكومة بزشكيان.
«الحصان المسروج» يثير الجدل داخل الحكومة
في الأيام الأولى لتولي مسعود بزشكيان رئاسة السلطة التنفيذية، ظل أنصار الحكومة الثالثة عشرة، الذين لم يتوقعوا خسارة الانتخابات الرئاسية، يؤكدون أن الحكومة الرابعة عشرة تسلمت «حصاناً مسروجاً» وجاهزاً.
ورغم أن بزشكيان كان يرد بصورة غير مباشرة على ما وصفه بتضخيم إنجازات الحكومة السابقة، فإن وزير الاقتصاد آنذاك، عبد الناصر همتي، وصف «الحصان المسروج» بأنه اقتصاد يعاني تضخماً بنسبة 40% وسعر صرف يبلغ 60 ألف تومان للدولار، مع عجز في الموازنة يتراوح بين 20 و30%، ومعدل بطالة بين 12 و13%، ونمو اقتصادي يبلغ 4.5%.
الإنترنت… وإخلاف وعود الرئيس
كان عام 2025 عاماً مليئاً بالمشكلات بالنسبة إلى بزشكيان، إذ فرضت الأحداث غير المتوقعة عليه كلفة سياسية مرتفعة، وتحولت تباعاً إلى عقبات أمام تنفيذ وعوده الانتخابية.
وكان رفع القيود عن الإنترنت من أبرز تعهداته خلال المناظرات الانتخابية، لكنه واجه معارضة واسعة. ومع ذلك، نجح في المرحلة الأولى بإلغاء الحظر عن منصتي «واتساب» و«غوغل بلاي» في يناير/كانون الثاني 2025.
لكن بينما كان الجميع ينتظر تنفيذ المرحلة الثانية من رفع القيود، والمتمثلة في رفع الحظر عن «تلغرام» و«يوتيوب»، لم يتحقق ذلك، بل شهدت البلاد ثلاث فترات طويلة من قطع الإنترنت بقرارات من الأجهزة الأمنية؛ الأولى خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً، والثانية عقب احتجاجات يناير/كانون الثاني، والثالثة مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
احتجاجات يناير الصعبة
كان النصف الثاني من عام 2025 فترة مضطربة بالنسبة إلى الحكومة الرابعة عشرة. فقد شهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، واعتماد نظام جديد لتسعير البنزين بثلاث فئات، ما أدى إلى احتجاجات من التجار والناشطين الاقتصاديين، وانتهى بالأحداث التي وقعت يومي 8 و9 يناير/كانون الثاني 2026.
ورغم أن الحكومة الرابعة عشرة اعترفت للمرة الأولى في خطابها الرسمي بوجود «احتجاجات شعبية»، فإن سقوط عدد كبير من القتلى بين المواطنين ضاعف من مرارة ذلك الشهر الحافل بالأحداث.
شهدت تلك الفترة إلغاء العمل بسعر الصرف التفضيلي للسلع الأساسية، وصرف دعم بقيمة مليون تومان لكل فرد، في واحدة من أبرز خطوات الحكومة، وهي خطوة أثارت ردود فعل واسعة بين الخبراء. فقد أيدها بعضهم ووصفها بأنها قرار شجاع، فيما رأى آخرون أن توقيت تنفيذ هذه الإصلاحات لم يكن مناسباً.
الحرب وآلية الزناد وتداعياتها
ربما عندما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض للمرة الثانية رئيساً للولايات المتحدة، لم يكن أحد يدرك معنى اسم «دونالد ترامب» أكثر من حسن روحاني؛ الرئيس الذي ظهر خلال السنوات الذهبية لحكومة «التدبير والأمل»، ثم أطاح بكل ما بناه روحاني.
ومع ذلك، عندما وجّه ترامب رسالة إلى المرشد الراحل، وصدر الإذن بإجراء مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة بوساطة سلطنة عُمان بشأن الملف النووي الإيراني، لم يكن كثيرون يتوقعون أن تقدم إسرائيل، في خضم تلك المفاوضات، على قصف إيران ومدن أخرى خلال ربيع عام 2025.
وتكرر ذلك مرة أخرى خلال المفاوضات الإيرانية الأميركية في شتاء العام الجاري، إذ استهدفت الولايات المتحدة وإسرائيل، في اليوم الأول من الهجوم على إيران، مقر إقامة القيادة الإيرانية بغارات عدة، ما أدى إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين وكبار المسؤولين وبعض المدنيين.
كما زادت العقوبات المتكررة على إيران، وتفعيل آلية الزناد، والإجراءات العسكرية التي اتخذتها دول عربية ضدها، إضافة إلى الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة، من صعوبة إدارة البلاد بالنسبة إلى رئيس الحكومة.
ومع ذلك، تحولت أبرز محطة في عهد رئاسة بزشكيان إلى توقيعه مع الرئيس الأميركي مذكرة تفاهم لمدة 60 يوماً، في خطوة قيل إنها الأولى من نوعها منذ قيام الجمهورية الإسلامية.
ورغم المعارضة الواسعة من عدد من أعضاء البرلمان، صوّت أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي، بإذن من المرشد، لصالح تفاهم مدته 60 يوماً مع الولايات المتحدة، أدى جزئياً إلى الإفراج عن أصول إيرانية، وإنشاء صندوق استثماري داخل البلاد، وتعليق جزء من العقوبات النفطية.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت مذكرة التفاهم، التي تلقى بزشكيان بسبب توقيعها تهديدات بالقتل، ستتحول إلى اتفاق نهائي يفضي إلى إنهاء العقوبات المفروضة على إيران.



