الصحافة الإيرانية: أبعاد وتحديات مبادرة إحياء سكة حديد الحجاز
رغم التفاؤل الذي تبديه بعض الأوساط الإعلامية والسياسية في تركيا والسعودية والمنطقة، فإن تنفيذ هذا المشروع يواجه عقبات جدية.

ميدل ايست نيوز: يُعدّ مشروع إحياء سكة حديد الحجاز، إلى جانب كونه مشروعًا للنقل، محاولة لإعادة تعريف الجغرافيا السياسية والاقتصاد والمكانة الإقليمية لتركيا، إلا أن تحقيقه يبدو أنه يواجه تحديات مالية وأمنية ومؤسسية كبيرة.
يقول حميد خوش آيند، خبير في شؤون المنطقة، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إنه في 9 يونيو 2026، وقّعت تركيا والسعودية في الرياض مذكرتي تفاهم؛ إحداهما للتعاون في مجال السكك الحديدية وإحياء سكة حديد الحجاز التاريخية عبر سوريا والأردن، والأخرى في مجال الخدمات اللوجستية، بالتزامن مع خطط لإنشاء مسار بري للألياف الضوئية في المنطقة الجغرافية نفسها. وجاء توقيع المذكرتين استكمالًا للتفاهم الثلاثي بين تركيا وسوريا والأردن في أبريل 2026، فيما يتمثل أفقهما طويل الأمد في تمديد هذا المسار وصولًا إلى عُمان والمحيط الهندي.
الأبعاد المتعددة للمشروع
لا يقتصر مشروع إحياء سكة حديد الحجاز على كونه مشروعًا للنقل، بل ينطوي على ثلاثة أبعاد رئيسية على الأقل. يتمثل البعد الأول في الجانب الاقتصادي، إذ يمكن أن يؤدي تقليص زمن نقل البضائع من الخليج إلى أوروبا من 14 يومًا إلى 5-7 أيام إلى توفير ميزة تنافسية كبيرة في مجال نقل السلع الصناعية والزراعية.
أما البعد الثاني فهو جيوسياسي. فمن خلال استكمال شبكة من الممرات، بدءًا من «طريق التنمية» العراقي مرورًا بـ«الممر الأوسط» ووصولًا الآن إلى سكة حديد الحجاز، تسعى تركيا إلى ترسيخ مكانتها بوصفها مركزًا لوجستيًا يربط بين ثلاث قارات.
ويتمثل البعد الثالث في الجانب الهوياتي لهذا المشروع، وهو جانب لا ينبغي التقليل من أهميته بالنسبة إلى تركيا. فإحياء إرث السلطان عبد الحميد الثاني يمثل عودة رمزية إلى فترة ازدهار الدولة العثمانية، ومحاولة لإعادة تعريف دور تركيا في العالم الإسلامي. وتكشف هذه الأبعاد الثلاثة أن المشروع لا يمثل مجرد مبادرة اقتصادية، بل أداة لإعادة صياغة النظام الإقليمي في إطار توازنات القوى الصاعدة في غرب آسيا.
التحديات المقبلة
رغم التفاؤل الذي تبديه بعض الأوساط الإعلامية والسياسية في تركيا والسعودية والمنطقة، فإن تنفيذ هذا المشروع يواجه عقبات جدية.
يتمثل التحدي الأول في التكلفة الباهظة لتنفيذ المشروع. وتشير التقديرات الأولية إلى الحاجة إلى استثمارات تبلغ نحو 35 مليار دولار، لكن لم يتضح بعد الطرف الذي سيتولى توفير هذه الموارد. ورغم طرح اسم قطر بوصفها ممولًا محتملًا، فإن الأمر لا يزال في إطار التكهنات، ولم تعلن الدوحة حتى الآن عن أي التزام مالي رسمي.
أما التحدي الثاني فيتمثل في مرور المسار عبر سوريا. إذ يمر جزء حيوي من المشروع عبر بلد لا يزال يواجه مشكلات تتعلق بتثبيت مؤسسات الدولة وتأمين الاستقرار وإعادة بناء البنية التحتية. وتمثل إعادة بناء خطوط السكك الحديدية التي تضررت خلال الحرب، واستكمال 30 كيلومترًا من المسار المتبقي بين دمشق والحدود الأردنية، وتأمين الطريق في المناطق غير المستقرة، تحديات تتجاوز قدرات شركة خاصة أو حتى دولة بمفردها.
ويتمثل التحدي الثالث في حوكمة الممر. فلا يزال من غير الواضح الجهة التي ستتولى إدارة هذا النظام، والمعايير التي ستُعتمد في مجالات الجمارك والتعرفة والتأمين وأمن المسار. إضافة إلى ذلك، فإن الواقع الحالي يتمثل في مجموعة من شبكات السكك الحديدية الوطنية ذات المعايير المختلفة في أربع دول، ويتعين توحيدها من حيث عرض السكك والمعايير الفنية والبنية التحتية لتشكيل منظومة متجانسة.
وكما أشار أحد المحللين الأتراك، فإن الموجود حاليًا ليس «خطًا جاهزًا من إسطنبول إلى مكة»، بل مجموعة من الشبكات الوطنية والظروف السياسية المختلفة التي قد ترتبط مستقبلًا لتشكيل ممر موحد.
منافسة الممرات وآفاق المستقبل
تكتسب سكة حديد الحجاز أهميتها، قبل أي شيء، في سياق المنافسة مع ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا المعروف باسم «آيمك» (IMEC)، وهو المشروع الذي كُشف عنه في سبتمبر 2023 بدعم أمريكي، وكان يضع إسرائيل بوصفها مركز العبور الرئيسي.
ومع وصول «آيمك» إلى طريق مسدود في أعقاب حرب غزة وتوقف مسار تطبيع العلاقات مع إسرائيل، برزت سكة حديد الحجاز بوصفها خيارًا يتجاوز إسرائيل بالكامل.
ومع ذلك، فإن التأكيد على «تجاهل إسرائيل» يحتاج إلى قدر من الحذر التحليلي. فالمستندات المتاحة وتصريحات المسؤولين الأتراك تركز في الغالب على المزايا الاقتصادية والاستراتيجية للمشروع، بما في ذلك دعم إعادة إعمار سوريا، وتعزيز الأمن الغذائي للسعودية، وإتاحة وصول تركيا إلى البحر الأحمر.
وعلى الرغم من أن المشروع يمكن عمليًا أن يؤدي إلى تقليص دور إسرائيل في البنية التحتية الإقليمية للترانزيت وإنشاء مسار مستقل عنها، فإن الأمر يبدو أقرب إلى منافسة طبيعية بين ممرين لاستقطاب الاستثمارات وحركة الترانزيت الإقليمية. وفي هذا الإطار، توفر سكة حديد الحجاز، بمرورها عبر سوريا، مسارًا مستقلًا عن إسرائيل، ويمكن أن تسهم في زيادة الاستقلال السياسي المحتمل للدول العربية عن المشاريع الأمريكية والإسرائيلية، إلا أنه يمكن النظر إلى ذلك بوصفه نتيجة محتملة للمشروع، وليس بالضرورة هدفه الأولي.
الختام
من بين القضايا التي تُطرح بشأن إحياء سكة حديد الحجاز إمكانية تجاوز مضيق هرمز عبر هذا المسار. إلا أن الحقيقة هي أن سكة حديد الحجاز لن تتمكن بأي حال من أن تحل محل مضيق هرمز، لأن الجزء الأكبر من نفط وغاز الخليج يُصدر إلى أسواق شرق آسيا، ولا يرتبط الممر البري المذكور بهذا المسار.
كما أن نقل الغاز الطبيعي عبر شبكة السكك الحديدية غير مجدٍ من الناحية الاقتصادية. ومع ذلك، يمكن لسكة حديد الحجاز أن تؤدي دور مسار مكمل، يعزز قدرة سلاسل الإمداد على الصمود في الظروف الحرجة، ويوفر ميزة تنافسية كبيرة للسلع غير النفطية ذات القيمة المضافة المرتفعة، مثل المنتجات الزراعية والأدوية والإلكترونيات.
وتشير استكمال دراسات الجدوى بحلول نهاية عام 2026، واستهداف تنفيذ المشروع خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة، إلى جدية الدول المشاركة في المضي قدمًا به. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا المشروع سيظل مرهونًا بإرادة سياسية مستدامة، وتعاون مالي واسع، والأهم من ذلك، تحقيق الاستقرار الأمني في سوريا.
وقد تحولت سكة حديد الحجاز في مطلع القرن العشرين، بفضل الدعم الشعبي، إلى أحد أهم الإنجازات في عصرها. واليوم أيضًا، يمكن لهذا المشروع، رغم جميع العقبات، أن يتحول إلى رمز للتعاون الإقليمي، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب، أكثر من أي وقت مضى، واقعية وتنسيقًا وتجاوزًا للتعقيدات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.



