شروط طهران لفتح مضيق هرمز.. نزع الطابع الدبلوماسي أم مفتاح النصر؟

ما يجري اليوم في مضيق هرمز يتجاوز بكثير مجرد نزاع بحري بسيط. فقد ربطت إيران عبور هذا الممر الاستراتيجي بتغيير الولايات المتحدة سلوكها.

ميدل ايست نيوز: في وقت كانت فيه عقارب ساعة الدبلوماسية في منطقة الخليج تتحرك خلال الأيام الأخيرة باتجاه التهدئة، وكانت تصل إشارات إيجابية من طهران ومسقط بشأن الاقتراب من اتفاق نهائي لتحديد آلية جديدة لعبور السفن، أعاد نشر البيان السداسي الأبرز الصادر عن أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني تسليط الضوء مجددًا على التعقيدات الجوهرية لهذا الملف.

الشروط الستة.. نقل ساحة المواجهة من المسار الفني إلى الاستراتيجي

يقول طهمورث كيلاني، الخبير في الشؤون السياسية، في مقال لصحیفة توسعه إيراني، إن محمد باقر ذو القدر، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي سابقًا، قال يوم السبت في بيان: «لن يُفتح مضيق هرمز ما لم تصحح الولايات المتحدة سلوكها». وأكد أن المجلس الأعلى للأمن القومي «لن يتراجع أبدًا، سواء في الحرب أو في المفاوضات».

ثم عدد ذو القدر المطالب الإيرانية الستة لتغيير سلوك الولايات المتحدة، وهي: «أولًا، ألا تهدد إيران بأي شكل أو بأي لغة، وألا تهين مقدسات هذا الشعب. ثانيًا، أن تنهي إلى الأبد الحرب والعدوان ضد إيران وحلفاء إيران في لبنان وفلسطين واليمن والعراق. ثالثًا، أن ترفع الحصار البحري وتسحب قواتها العسكرية، البحرية والجوية، من محيط إيران. رابعًا، أن تدفع بالكامل تعويضات الحربين العدوانيتين والمفروضتين على إيران. خامسًا، أن ترفع العقوبات الظالمة وغير القانونية المفروضة على الشعب الإيراني. سادسًا، أن تفرج دون قيد أو شرط عن أصول الشعب الإيراني المجمدة والمسروقة».

وتضع هذه القائمة في الواقع مجموعة المطالب السياسية والأمنية والاقتصادية لطهران دفعة واحدة في مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، ولذلك فإن أهمية تصريحات ذو القدر لا تقتصر على مسألة الملاحة البحرية، بل ترتبط مباشرة بمستقبل المفاوضات بين طهران وواشنطن.

ويأتي ذلك في وقت كان دونالد ترامب قد قال إن الولايات المتحدة ستقتطع تعويضات الأضرار الناجمة عن الهجمات الإيرانية من الأموال الإيرانية المجمدة. ويعني هذا الموقف الأمريكي عمليًا رفض الشرط الإيراني السادس المتعلق بالإفراج عن جميع أصولها.

أما الشرط الإيراني الثاني، فعلى الرغم من أنه يشبه البند الأول من مذكرة التفاهم، فإنه يختلف عنه بصورة جوهرية. فقد نصت مذكرة التفاهم بين البلدين فقط على الإنهاء الدائم للأعمال العدائية في إيران ولبنان، بينما تطالب إيران هذه المرة بإنهاء الحرب بصورة دائمة في فلسطين واليمن والعراق أيضًا.

الدبلوماسية في مسقط.. اتفاق فني أم مأزق سياسي؟

تزداد أهمية هذا الموقف في ضوء أن أجواء المفاوضات بشأن مضيق هرمز بدت مختلفة قبل أيام قليلة. فقد أجرت إيران وعُمان خلال الأسابيع الماضية مفاوضات بشأن آلية لإدارة حركة مرور السفن.

وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، يوم الأحد، للصحفيين: «لا توجد مفاوضات مع الولايات المتحدة». وأضاف: «هناك تبادل للرسائل عبر وسطاء، ولا يُسمى هذا تفاوضًا، بل هو تبادل للرسائل. ولا يزال الوسطاء يبذلون جهودًا لإعادة تهيئة الظروف اللازمة لاستئناف المفاوضات».

هرمز لن يعود إلى أوضاعه السابقة

وتشير مواقف كبار المسؤولين في إيران إلى وجود توافق عام بشأن كيفية إدارة هذه الأزمة. وقال رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، آية الله آملي لاريجاني: «لن تتراجع إيران عن مضيق هرمز بأي ثمن، ولن يعود مضيق هرمز إلى أوضاعه السابقة. لقد وقف الشعب الإيراني والقوات المسلحة عند مضيق هرمز، والسيادة على هذا الممر المائي تعود إلى الجمهورية الإسلامية. والعدو يسعى بكل قوته إلى حصار إيران، رغم أن الجمهورية الإسلامية راكمت أكثر من 40 عامًا من الخبرة في مواجهة العقوبات».

وفي مجلس الشورى أيضًا، قال نائب رئيس المجلس، حاجي بابائي، في كلمته قبل بدء الجلسة: «لن يكون مقبولًا لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أي طرح أو تصريح ينتهك سيادة الجمهورية الإسلامية على مضيق هرمز».

وتبرز مجمل هذه التصريحات أن إيران تبدو وكأنها قررت تشديد حلقة الضغوط، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيمضي في اتجاه الدبلوماسية أم سيقود المنطقة إلى حرب جديدة.

هرمز.. عنق زجاجة النظام العالمي الجديد

ما يجري اليوم في مضيق هرمز يتجاوز بكثير مجرد نزاع بحري بسيط. فقد ربطت إيران عبور هذا الممر الاستراتيجي بتغيير الولايات المتحدة سلوكها.

يؤكد دانيال بايمان، الباحث البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أن النزاع حول هرمز لم يعد مجرد مسألة تتعلق بالقدرات العسكرية، بل تحول إلى صراع على تحمل التكاليف واستخدام أدوات الضغط والإرادة السياسية. ووفقًا له، حاولت إيران من خلال تعطيل تدفق الطاقة استغلال موقعها الجغرافي لتشكيل أداة ضغط سياسية، بينما حاولت الولايات المتحدة، من خلال فرض حصار بحري على إيران، في الواقع محاصرة الجهة التي تفرض الحصار.

ولن تتحدد إعادة فتح مضيق هرمز بالخرائط الفنية التي يضعها المهندسون في مسقط، بل أصبحت مرتبطة بالإرادة السياسية في واشنطن وطهران.

فهل سيكون ترامب مستعدًا، لإنقاذ اقتصاده وخفض أسعار البنزين، للتخلي عن سياسة الضغط الأقصى وقبول شروط طهران؟ أم أنه سيفوت مرة أخرى فرصة الدبلوماسية من خلال الإصرار على مواقفه؟

ومن جهة أخرى، ربما حددت إيران هذه الشروط بهدف امتلاك اليد العليا والتوصل إلى اتفاق بشأن عدد منها، لكن من المستبعد أن يقبل ترامب جميع الشروط الإيرانية واحدًا تلو الآخر.

وستتضح الإجابات عن هذه الأسئلة خلال الأيام المقبلة، مع ظهور نتائج تبادل الرسائل، لكن أمرًا واحدًا بات مؤكدًا: لن يكون مضيق هرمز بعد الآن ذلك الممر المائي الذي كان عليه سابقًا، وستُرسم قواعد جديدة للعبور منه، ليس للمنطقة بأكملها فحسب، بل للعالم أيضًا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى