الصحافة الإيرانية: مضيق هرمز… من أداة ردع إلى فخ استراتيجي

المشكلة الأهم تتمثل في التداعيات السياسية لهذا الإجراء. فإغلاق هرمز قد يُظهر على المدى القصير قدرة إيران على التأثير في الاقتصاد العالمي، لكنه قد يمهد على المدى الطويل لتشكيل إجماع دولي ضدها.

ميدل ايست نيوز: لا يُعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل هو أحد أهم نقاط الاختناق الجيوسياسية في العالم، إذ ترتبط به أمن الطاقة والتجارة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب في هذا الممر المائي لا يؤثر على دول الخليج وحدها، بل تمتد تداعياته إلى أسواق الطاقة وسلاسل إمداد السلع وأسعار المواد الغذائية واقتصادات دول بعيدة عن المنطقة.

يقول علي أصغر بصيري جم، الخبير في القانون الدولي، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إنه خلال السنوات الماضية، تحول البرنامج النووي الإيراني إلى أحد أهم محاور السياسة الخارجية للولايات المتحدة وإسرائيل. وشكل القلق من احتمال امتلاك إيران أسلحة نووية أساسًا لسلسلة من الضغوط السياسية والاقتصادية والقانونية والإعلامية على طهران، وهي ضغوط أفضت إلى فرض عقوبات واسعة وقيود اقتصادية وتكبيد إيران تكاليف باهظة على المستويين الداخلي والدولي. إلا أن النزاع النووي، بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر بشأن أبعاده وأهدافه، تجاوز في نهاية المطاف مستوى الخلاف الفني والقانوني، ليتحول إلى أداة لإعادة تعريف موازين القوى في المنطقة.

وفي ظل دخول الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل مرحلة عسكرية تحت عنوان معلن يتمثل في مواجهة البرنامج النووي الإيراني، تحول مضيق هرمز إلى أهم أداة لدى إيران لنقل تكاليف الحرب من المستوى الإقليمي إلى المستوى العالمي. وقد أدى تقييد أو وقف عبور السفن عبر هذا الممر المائي إلى تعطيل صادرات النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية، وسرعان ما ظهرت تداعيات ذلك في أسواق الطاقة والنقل العالمية. كما حذرت الأمم المتحدة من أن اضطراب حركة الملاحة في المضيق سيؤثر، إلى جانب سوق الطاقة، على التجارة وتكاليف النقل وإمدادات الغذاء والدول الهشة.

وهنا، يمكن النظر إلى الإجراء الإيراني باعتباره محاولة لتغيير جغرافيا تكاليف الحرب. فطالما ظلت آثار الحرب محصورة إلى حد كبير في الأراضي الإيرانية وبنيتها التحتية وحياة المواطنين الإيرانيين، فقد لا تضطر الدول الأخرى إلى دفع تكاليف سياسية واقتصادية إضافية لمواصلة الصراع. لكن عندما يُغلق مضيق هرمز أو تتعطل حركة العبور فيه، تتجاوز الحرب كونها أزمة إقليمية لتتحول إلى قضية عالمية، لأنها تؤثر في أمن الطاقة والمصالح الاقتصادية لعدد كبير من الدول.

والمنطق السياسي وراء هذا الإجراء واضح: إذا كانت إيران غير قادرة، بسبب الحرب والعقوبات، على الاستفادة من قدراتها الاقتصادية ومواردها من الطاقة، فلا ينبغي للآخرين أيضًا أن يتمكنوا من استخدام البيئة الجغرافية نفسها لتصدير مواردهم وتحقيق مصالحهم الاقتصادية من دون دفع ثمن. ويمكن اعتبار هذا التوجه نوعًا من الردع الاقتصادي ومحاولة لإحداث ضغط متبادل، بهدف زيادة تكاليف استمرار الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، فإن تحويل مضيق هرمز إلى أداة في الحرب يواجه تحديات قانونية واستراتيجية جدية.

في القانون الدولي للبحار، يُعد مضيق هرمز ممرًا مائيًا دوليًا تمر عبره نسبة مهمة من حركة الملاحة العالمية. وتعترف القواعد المتعلقة بالمرور العابر بمبدأ استمرار عبور السفن وعدم عرقلته. لذلك، فإن الإغلاق الكامل وغير المحدود للمضيق أو منع جميع السفن من العبور يواجه إشكالات قانونية كبيرة. لكن ذلك لا يعني تجاهل حالة الحرب أو حق الدفاع المشروع. إذ يمكن لإيران أن تجادل بأن لها، في مواجهة الهجمات العسكرية، الحق في استخدام الوسائل التقليدية والضرورية للدفاع عن نفسها، إلا أن حق الدفاع المشروع ليس مطلقًا في القانون الدولي، ويجب تقييمه وفق معياري الضرورة والتناسب.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل منع السفن التجارية التابعة لدول ثالثة من العبور يُعد إجراءً ضروريًا ومتناسبًا للدفاع عن إيران، أم أنه توسيع لآثار الحرب لتشمل دولًا ليست طرفًا مباشرًا في النزاع؟ تتوقف الإجابة عن هذا السؤال على تفاصيل الإجراءات المتخذة، ونوع السفن، ومدى ارتباطها بأطراف الحرب، والظروف الفعلية في الميدان. ومع ذلك، كلما اتسع نطاق القيود وطالت مدتها، أصبح الدفاع عنها من الناحية القانونية أكثر صعوبة.

لكن المشكلة الأهم تتمثل في التداعيات السياسية لهذا الإجراء. فإغلاق المضيق قد يُظهر على المدى القصير قدرة إيران على التأثير في الاقتصاد العالمي، لكنه قد يمهد على المدى الطويل لتشكيل إجماع دولي ضدها. فالعديد من الدول التي ربما اتخذت موقفًا محايدًا أو حذرًا من الحرب قد تطالب بإعادة فتح المضيق، بل وقد تدعم إجراءات سياسية أو عسكرية لضمان حرية الملاحة، عندما تواجه ارتفاعًا في أسعار الطاقة أو اضطرابًا في الواردات أو نقصًا في السلع أو أضرارًا باقتصاداتها.

وعلى ضوء هذا، ستتغير أيضًا رواية الحرب. فالولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان ركزتا حتى الآن في تبرير إجراءاتهما على البرنامج النووي والتهديدات الأمنية الناجمة عن إيران، يمكنهما الآن تقديم إغلاق المضيق باعتباره تهديدًا للاقتصاد العالمي وحرية الملاحة. وبذلك، ستتحول القضية التي كانت تُعرّف في السابق أساسًا ضمن إطار النزاع النووي والأمن الإقليمي إلى أزمة عالمية تشعر فيها دول إضافية بالضرر والتهديد.

يحظى هذا التحول في الرواية بأهمية دبلوماسية كبيرة. فقد تتمكن إيران، باستخدام المضيق، من نقل تكلفة الحرب إلى خارج حدودها، لكنها في الوقت نفسه تعرض جزءًا من رصيدها السياسي والتعاطف الدولي الذي اكتسبته نتيجة أضرار الحرب والهجمات العسكرية للتآكل. ما قد يحول القوة التي كان يفترض أن تكون أداة للردع إلى عامل يؤدي إلى زيادة الضغوط ومنح مزيد من الشرعية لاتخاذ إجراءات ضد إيران.

ومن جهة أخرى، فإن استمرار إغلاق المضيق يفرض تكاليف باهظة على إيران نفسها. فالاقتصاد الإيراني يعتمد على استمرار الاتصالات البحرية لتأمين عائداته من النقد الأجنبي واستيراد السلع الأساسية والأدوية والمعدات والمواد الأولية. وإذا ردت الولايات المتحدة أو قوى أخرى على إغلاق المضيق بفرض قيود بحرية أوسع على إيران ومنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها، فلن تقتصر التداعيات على انخفاض صادرات النفط، بل ستتعرض واردات السلع الضرورية أيضًا للاضطراب.

وفي مثل هذا السيناريو، يمكن أن يتحول مضيق هرمز من أداة ضغط على الآخرين إلى مصدر ضغط إضافي على الاقتصاد الإيراني. فمن جهة، ستفقد إيران إمكانية بيع النفط والحصول على عائدات النقد الأجنبي، ومن جهة أخرى ستواجه صعوبات في تأمين السلع التي تحتاج إليها. وقد يؤدي استمرار هذا الوضع في نهاية المطاف إلى تحول الضغط الاقتصادي إلى أزمة اجتماعية وإنسانية، سيكون المواطنون العاديون أكثر المتضررين منها.

ولهذا السبب، لا يمكن اعتبار إغلاق المضيق استراتيجية مستدامة وطويلة الأمد. فقوة مضيق هرمز لا تكمن بقدر كبير في إغلاقه بصورة دائمة، وإنما في قدرته على التحول إلى أداة للمساومة. يمكن لإيران استخدام هذه القدرة لدفع الأطراف المقابلة إلى التفاوض، وخفض الضغوط العسكرية والاقتصادية، وضمان أمن الملاحة، والحصول على تنازلات متبادلة، لكن استمرار هذا الإجراء بلا حدود سيؤدي على الأرجح إلى تقليص المصالح الاستراتيجية لإيران.

وفي العلاقات الدولية، يعتمد نجاح أي أداة ضغط على أن تكون تكلفتها على الطرف المقابل أكبر من تكلفتها على الطرف الذي يستخدمها. فإذا أدى إغلاق المضيق إلى الإضرار بالاقتصاد العالمي، لكنه أضعف الاقتصاد الإيراني بوتيرة أسرع في الوقت نفسه، فإن هذه الأداة ستفقد تدريجيًا وظيفتها الردعية. وعندها، لن تستفيد إيران بالكامل من ميزتها الجغرافية فحسب، بل قد تواجه أيضًا مزيدًا من الضغوط وتراجعًا في الدعم الدولي.

وبالتالي، فإن القضية الرئيسية اليوم لا تتمثل فقط في بقاء مضيق هرمز مفتوحًا أو مغلقًا، وإنما في كيفية تحويل القوة الجغرافية إلى مكاسب سياسية. فالمضيق يمكن أن يكون أداة للدفاع والردع والضغط، لكن استخدامه من دون أفق سياسي واضح ومسار تفاوضي قد يحوله إلى فخ استراتيجي.

ولا يكمن الحل المستدام في التخلي الكامل عن هذه الأداة، ولا في استمرار إغلاقها بلا حدود، وإنما في ربط أمن المضيق باتفاق سياسي متبادل المصالح. يمكن لإيران أن تربط إعادة فتح المضيق وضمان العبور الآمن فيه بالحصول على تنازلات محددة، بدءًا من وقف الهجمات أو خفضها، ورفع الحصار البحري، وضمان أمن الموانئ، وصولًا إلى إنشاء آلية لخفض التوتر والعودة إلى المفاوضات.

وفي نهاية المطاف، لا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر لعبور الطاقة، بل هو نقطة تتحول فيها الجغرافيا إلى قوة. غير أن القوة الجغرافية لا تتحول إلى مكسب استراتيجي إلا عندما يمكن نقلها من ساحة الحرب إلى طاولة المفاوضات. وإلا فإن الأداة التي صُممت لزيادة تكاليف الحرب قد تتحول هي نفسها إلى عامل يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب، وزيادة الضغوط الدولية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في إيران.

اقرأ ايضا

خبير إيراني: إيران عالقة في صراع أمريكي أوسع مع الصين وروسيا

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى