حرق الأصفار في العراق: هل تحول التغييرات النقدية أموال الفساد المكتنزة إلى رماد؟
يبدو أن العراق يتجه نحو خيار حذف الأصفار واستبدال عملته لمواجهة اكتناز الأموال المنهوبة وإجبارها على دخول المصارف أو فقدان قيمتها.
ميدل ايست نيوز: يبدو أن العراق يتجه نحو خيار حذف الأصفار واستبدال عملته لمواجهة اكتناز الأموال المنهوبة وإجبارها على دخول المصارف أو فقدان قيمتها، في المقابل يرى مراقبون سياسيون واقتصاديون أن الخطوة قد تثير فوضى سوقية وتدفع نحو شراء الدولار، مشددين على أن النجاح يتطلب إصلاحاً مصرفياً شاملاً، ورعاية لمحدودي الدخل، وتطبيقاً تدريجياً أو التحول نحو التعاملات الرقمية لضمان عدم استغلال الاستبدال في غسيل الأموال.
وفي تصريح لوزير الاتصالات مصطفى سند، السبت، كشف عن قرار حكومي يقضي بحذف الأصفار من العملة العراقية وتغييرها، لمواجهة مشكلة الأموال المنهوبة من الدولة، والتي تُقدَّر بـ8 تريليونات دينار عراقي، وذلك حتى تكون بلا فائدة، مبيناً أن قرار حذف الأصفار واستبدال العملة سيؤدي إلى التعامل مع الأموال الموجودة خارج النظام المالي، بما فيها الأموال المخزنة أو المخفية، والأموال التي لا يتقدم أصحابها بها أو لا يتم تسليمها لن تكون قابلة للاستبدال بالعملة الجديدة.
تخبط وفوضى
ويقول النائب عماد يوخنا، إن “عملية حذف الأصفار من العملة العراقية ليست فكرة جديدة، وإنما كلما ظهرت أزمة تتجه الحكومة إلى هذا الحل، الذي لا يمثل حلاً للأزمة، وإنما يعد إجراء اقتصادياً لتقليل حجم الكتلة النقدية الموجودة خارج المصارف، فهذه الخطوة تحتاج إلى إصلاح مصرفي وإداري في البنوك”.
ويقر يوخنا، أن الخطوة “قد تسهم في إجبار مكتنزي العملة على إخراجها وتسليمها إلى المصارف، أو تبقى لديهم وتفقد قيمتها، خوفاً من المحاسبة، فيما يخص الفاسدين”.
ويضيف، أن “المواطنين يتجهون حالياً إلى شراء الدولار وتحويل أموالهم إليه، بالتزامن مع بدء سعر الصرف بالتصاعد”، معتبراً أن “هناك فوضى وتخبطاً في هذا القرار الذي قد يتخذه مجلس الوزراء”.
حلول بديلة
ويقترح النائب يوخنا، أن “يكون استبدال العملة تدريجياً، وذلك سيكون أفضل”، مشيراً إلى أن “مجلس النواب سيعمل على دراسة الموضوع في اللجنة المالية ومناقشته، وفي حال كان حلاً مناسباً وقدمت الحكومة ضمانات بعدم تضرر المواطن وأصحاب الدخل المحدود، فسيتم إقراره”.
ويؤكد، أن “الحلول الواقعية والبديلة والآمنة تتمثل في التوقف عن استعمال التعاملات النقدية، وذلك يحقق الأهداف التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها من خلال هذا الإجراء، وهذا هو الأفضل والأسهل”.
مصادر الأموال
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي منار العبيدي، إن “القرار اتخذه مجلس إدارة البنك المركزي قبل أكثر من سنة أو سنتين، لذا هذا الموضوع في الأسعار ليس جديداً، فيما يتطلب القرار تشريعاً من مجلس النواب، فالموضوع لا يزال قيد الدراسة والبحث مع الجهات المسؤولة”.
ويوضح، أن “القرار لن يمثل حلاً للأموال، لأن استبدال الأموال يتطلب وجود بيانات لمصادرها، في حين أغلب من يمتلكون الأموال لا يمكنهم إظهار مصادرها، وبالتالي قد لا تعود نسبة كبيرة من الأموال الموجودة إلى القطاع المصرفي ولا يمكن استبدالها”.
ويتساءل العبيدي: “هل سيوافق البنك المركزي على استقبال الأموال من دون تبيان مصادرها أم لا؟”.
مشروع حذف الأصفار
وتعود فكرة حذف الأصفار من العملة العراقية إلى مشروع إصلاح نقدي طرحه البنك المركزي منذ أعوام بهدف تبسيط التعاملات المالية وتقليل حجم الأرقام المتداولة، إلا أن المشروع بقي قيد الدراسة ولم يحدد له موعد للتنفيذ، في ظل تحديات تتعلق باستقرار سعر الصرف والظروف السياسية والاقتصادية.
وفي عام 2020، عاد ملف حذف الأصفار إلى الواجهة ضمن النقاشات المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي والنقدي، ليبقى طرحاً متداولاً من دون انتقاله إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
وبتاريخ 19 تموز يوليو 2024، عادت فكرة حذف الأصفار إلى النقاش، مع طرحها كإجراء يهدف إلى إعادة تقويم العملة وتبسيط التعاملات المالية، عبر إزالة عدد محدد من الأصفار من القيمة الاسمية للعملة، بحيث تظهر الأرقام المتداولة بصورة أقل وأكثر استقرارا.
وتشير التقديرات المطروحة حينها إلى أن حذف الأصفار قد يسهم في تسهيل العمليات الحسابية والمعاملات المالية وتعزيز الثقة بالعملة الوطنية، إلا أن نجاحه يرتبط بإصلاحات اقتصادية ومؤسسية أوسع، إذ إن تغيير شكل العملة من دون معالجة أسباب الأزمة قد لا يؤدي إلى تحول اقتصادي حقيقي.
ما الهدف؟
إلى ذلك، يقول ماجد أبو كلل الخبير بالشؤون الاقتصادية، إن “مناقشة حذف الأصفار من العملة العراقية تتطلب أولا تحديد الهدف من هذا الإجراء، فحذف الأصفار لا يمثل إصلاحاً اقتصادياً بحد ذاته، وإنما إعادة ترقيم للعملة بهدف تسهيل التعاملات والحسابات”.
ويضيف، أن “اعتماد ألف دينار قديم مقابل دينار جديد واحد يعني انخفاض الرواتب والأسعار رقمياً بالنسبة نفسها، من دون أن تتحسن القوة الشرائية للمواطن لمجرد تغيير الأرقام”، مشيراً إلى أن “الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى معالجة أعمق تشمل ضبط الإنفاق، وتنويع الاقتصاد، وإصلاح القطاع المصرفي، ومكافحة الفساد، وتحسين كفاءة مؤسسات الدولة”.
نافذة لغسيل المال
ويوضح أبو كلل، أن “استبدال العملة يمكن أن يكون فرصة لكشف الأموال غير المشروعة بشكل جزئي، إلا أن ذلك لا يرتبط بحذف الأصفار نفسه، وإنما بطريقة الاستبدال”، مشدداً على أن “المبالغ الكبيرة يجب أن تمر عبر المصارف، مع التحقق من هوية أصحابها ومصادر الأموال، وتطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال والإبلاغ عن العمليات المشبوهة”.
ويردف، أنه “في المقابل، إذا كانت مؤسسات الرقابة ضعيفة أو مخترقة بالفساد، فقد تتحول عملية استبدال العملة إلى نافذة جديدة لغسل الأموال وإدخال الأموال المنهوبة إلى النظام المصرفي بصورة تبدو قانونية”.
ولذلك، يؤكد أبو كلل على ضرورة ضمان حماية أموال المواطنين قبل الإقدام على أي خطوة من هذا النوع، ووضع قواعد واضحة للاستبدال، وتشديد الرقابة على المبالغ الكبيرة، وربط المصارف بهيئة النزاهة ومكتب مكافحة غسل الأموال والجهات الضريبية والرقابية، إلى جانب فرض رقابة صارمة على طباعة العملة الجديدة وتوزيعها وجمع العملة القديمة وإتلافها.
ويختتم الخبير الاقتصادي حديثه بالقول: “إذا غيرنا العملة وأبقينا البيئة التي سمحت بسرقة المال العام كما هي، فنحن لم نعالج المشكلة؛ نحن فقط غيرنا شكل النقود التي يمكن أن تُسرق”.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الدينار العراقي تراجعاً في قيمته مقابل الدولار، بالتزامن مع ارتفاع معدلات التضخم وأسعار السلع والخدمات، ما يعيد طرح السؤال الأهم: هل يكون حذف الأصفار بداية لإصلاح نقدي فعلي، أم مجرد تغيير في شكل الأرقام؟
فالأصفار التي قد تختفي من واجهة العملة لا تختفي معها تلقائياً أسباب التضخم أو تراجع القوة الشرائية، والاختبار الحقيقي لأي تغيير نقدي يبقى في ما يرافقه من إصلاح اقتصادي ومصرفي يحافظ على قيمة الدينار، لا في عدد الأصفار المطبوعة عليه، بحسب الخبراء.



