ما وراء كواليس أزمة البنزين في إيران.. هل تفرض الحكومة آلية جديدة للتوزيع بحلول نهاية سبتمبر؟

يرى خبير في شؤون الطاقة أن الآثار التضخمية الناجمة عن إصلاح أسعار البنزين في إيران ترتبط إلى حد كبير بالتوقعات التضخمية السائدة في المجتمع.

ميدل ايست نيوز: يرى خبير في شؤون الطاقة أن الآثار التضخمية الناجمة عن إصلاح أسعار البنزين في إيران ترتبط إلى حد كبير بالتوقعات التضخمية السائدة في المجتمع، مؤكداً أنه لا يمكن تجاهل هذه التوقعات أو التعامل معها بسهولة. وأضاف أن البلاد لا تمتلك خيارات أخرى في الوقت الراهن، لأن زيادة إنتاج البنزين تتطلب استثمارات ضخمة تصل إلى نحو 30 مليار دولار، فضلاً عن فترة زمنية تتراوح بين 4 و7 سنوات، في وقت لا تتوافر فيه الإمكانات المالية أو الفنية اللازمة لتحقيق ذلك.

ومنذ الإعلان عن التطبيق التجريبي لبيع البنزين من دون دعم بسعر 87 ألفاً و200 تومان في محافظة كرمان، ثم تعليق الخطة ونفي تنفيذها، ازدادت الشكوك بشأن احتمالات رفع أسعار البنزين في باقي المحافظات الإيرانية. وفي الوقت نفسه، طُرحت عبر التلفزيون تفاصيل خطة جديدة للبنزين والسيناريوهات التي تدرسها الحكومة لمعالجة اختلال التوازن في قطاع الوقود، بدءاً من فرض قيود على التوزيع ووصولاً إلى تعديل آلية الحصص، وذلك على لسان إسماعيل سقاب أصفهاني، معاون الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

وأوضح هاشم أورعي، الخبير في شؤون الطاقة، آخر تطورات أزمة نقص البنزين في البلاد والخطط المقترحة لمعالجة اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.

وأشار إلى أن النقص الحاد في البنزين تفاقم نتيجة تعطل مسارات الاستيراد من الإمارات وروسيا، معتبراً أن تدخل الحكومة بات أمراً لا مفر منه، ومتحدثاً عن الخطة الأكثر ترجيحاً، والتي يُتوقع أن تدخل حيز التنفيذ بحلول نهاية سبتمبر.

عجز يومي يبلغ 14 مليون لتر.. الإنتاج لا يواكب الاستهلاك

وقال أورعي: “تبلغ القدرة الحالية لإنتاج البنزين في المصافي 112 مليون لتر يومياً، فيما تنتج شركات البتروكيماويات نحو 9 ملايين لتر إضافية. ورغم ذلك، فإن هذا الوضع يلحق بنا أضراراً، لأننا نضطر إلى إنتاج البنزين على حساب منتجات أخرى مخصصة للتصدير. وبذلك يصل إجمالي الإنتاج إلى 121 مليون لتر يومياً، في حين بلغ متوسط الاستهلاك خلال الشهر الماضي 135 مليون لتر يومياً، ما يعني أننا نواجه حالياً عجزاً يومياً يقدر بـ14 مليون لتر”.

وأكد أن استهلاك البنزين في إيران يسير في منحنى تصاعدي، مضيفاً: “إذا لم تُتخذ إجراءات جديدة، فإن الطلب سيواصل ارتفاعه. ففي العام الماضي ارتفع الطلب على البنزين بنسبة 6%، بينما بلغ متوسط الزيادة السنوية خلال السنوات الخمس الماضية نحو 10%. وبالتالي، فإن العجز الحالي البالغ 14 مليون لتر سيتفاقم إذا لم تتم معالجته”.

استيراد البنزين من الإمارات وروسيا لم يعد ممكناً

وتحدث الخبير في شؤون الطاقة عن التحديات المرتبطة باستيراد البنزين، قائلاً: “كنا نعوض العجز عبر الاستيراد، لكن هذا الخيار لم يعد متاحاً. وحتى لو افترضنا توفر الأموال، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن واردات البنزين كانت تصل عبر جنوب البلاد من الإمارات، إلا أن التوترات في مضيق هرمز أوقفت هذا المسار. كما كنا نستورد البنزين من روسيا، لكن موسكو تحولت حالياً إلى استيراد البنزين من الهند بسبب الحرب في أوكرانيا والهجمات التي استهدفت مصافيها خلال الأسابيع الأخيرة. وبالتالي، لم يعد الاستيراد خياراً متاحاً بالنسبة إلينا”.

وأضاف أن الاعتماد على الاحتياطي الاستراتيجي هو الوسيلة الوحيدة التي سمحت باستمرار الوضع حتى الآن، لكنه حذر من أن هذه الاحتياطيات تتراجع تدريجياً، وأن مواصلة استنزافها أمر غير ممكن على المدى الطويل.

ما حقيقة الإعلان عن رفع أسعار البنزين في كرمان؟

وقدم أورعي توضيحات لموقع “اقتصاد أونلاين” بشأن الجدل الذي أثير في محافظة كرمان بعد الإعلان عن رفع سعر البنزين إلى 87 ألف تومان، مشيراً إلى أنه شارك في الاجتماع الذي انطلقت منه هذه الخطوة.

وقال: “تعود القضية إلى اجتماع عقده المجلس الاقتصادي الأسبوع الماضي، حيث قدم الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية لتكرير وتوزيع المشتقات النفطية مقترحاً حظي بموافقة الحاضرين تمهيداً لإصداره بشكل رسمي. غير أن القرار اتخذ من دون علم النائب الأول للرئيس ورئيس منظمة تحسين استهلاك الطاقة. ونتيجة لذلك، بدأ تطبيق خطة البنزين بسعر 87 ألف تومان في كرمان، لتظهر على الفور مشكلات تتعلق بالازدحام والطوابير وحالة الاستياء الشعبي، قبل أن يتم إلغاء استمرار تنفيذها مباشرة”.

وأضاف أن ما حدث في كرمان لا يرتبط بالاعتبارات الاقتصادية أو التضخم أو الأسعار، بل كان نتيجة غياب كامل للتنسيق، وهو ما أقر به المسؤولون أنفسهم.

خطط حكومية لتجاوز أزمة البنزين

وأوضح أورعي أن منظمة تحسين استهلاك الطاقة تدرس حالياً ثلاث خطط مختلفة.

وقال إن الخطة الأولى تقوم على توزيع كمية البنزين المتوافرة حالياً، والبالغة 121 مليون لتر يومياً، على المواطنين، مع الإعلان عن انتهاء الحصص عند استنفادها، معتبراً أن هذه الخطة لا تحمل أهمية كبيرة.

أما الخطة الثانية، فتقوم على توزيع البنزين على أساس عدد السيارات، بحيث تُمنح كل مركبة حصة محددة، في حين لا يحصل الأشخاص الذين لا يمتلكون سيارات على أي حصة.

وأشار إلى أن المشكلة الرئيسية في هذه الخطة تكمن في ابتعادها عن مفهوم العدالة الاجتماعية، لأن جميع المواطنين يتحملون كلفة إنتاج البنزين، بينما يستفيد أصحاب السيارات وحدهم من الدعم.

وفي ما يتعلق بالخطة الثالثة، التي وصفها بأنها الأكثر منطقية في الظروف الحالية، قال إنها تملك الحظوظ الأكبر للحصول على الموافقة، مع التأكيد على أنها لم تعتمد رسمياً حتى الآن، إلا أن القرار النهائي بشأنها قد يصدر خلال أسبوع أو أسبوعين.

حصة شهرية تبلغ 120 لتراً لكل أسرة مطروحة على طاولة الحكومة

وأوضح أورعي تفاصيل الخطة الثالثة، قائلاً إنها تقوم على تخصيص نحو 30 مليون لتر يومياً لقطاع النقل العام، بما يشمل سيارات الأجرة التقليدية وسيارات الأجرة العاملة عبر التطبيقات الإلكترونية وغيرها.

وأضاف أن هذه الحصة ستبقى ثابتة لمدة عام، على أن تُمنح الجهات المستفيدة مهلة للتحول خلال هذه الفترة إلى المركبات الكهربائية أو العاملة بالغاز.

وأشار إلى أنه بعد خصم 30 مليون لتر مخصصة للنقل العام من إجمالي الإنتاج اليومي البالغ 121 مليون لتر، ستتبقى نحو 90 مليون لتر. وإذا اعتُمد عدد السكان عند مستوى 90 مليون نسمة، فإن حصة كل فرد ستبلغ لتراً واحداً يومياً.

وأضاف: “وفقاً لهذه الآلية، ستحصل الأسرة المكونة من أربعة أفراد على 120 لتراً من البنزين شهرياً بالسعر المدعوم، الذي قد يبلغ مثلاً 5 آلاف تومان للتر. وبعد ذلك ستنشأ مجموعتان؛ الأولى تضم من يستهلكون أكثر من 120 لتراً ويحتاجون إلى شراء كميات إضافية، والثانية تشمل من لا يمتلكون سيارات أو يستهلكون كميات أقل ويرغبون في بيع حصصهم”.

وأوضح أن منظمة تحسين استهلاك الطاقة تعمل على إنشاء منصة إلكترونية لتحديد سعر السوق الحرة، الذي سيطبق على الكميات الخارجة عن إطار الدعم، وقد يصل إلى 22 ألف تومان أو أكثر، على أن تتم عمليات البيع والشراء وتحويل الحصص عبر تطبيق إلكتروني.

الآثار التضخمية الناجمة عن إصلاح أسعار البنزين

وأكد أورعي أن رفع أسعار البنزين يؤدي بالفعل إلى زيادة التضخم، إلا أن تأثيره الاجتماعي يفوق بكثير تأثيره الاقتصادي المباشر.

وأضاف: “تشير الدراسات والتحليلات التي أجراها خبراء اقتصاديون، من بينهم مسعود نيلي، إلى أن البنزين يمثل 1% من إنفاق الأسر، بينما يتراوح تأثيره المباشر في قطاع النقل العام بين 2 و3%. كما تشير التقديرات إلى أن مرونة التضخم المرتبطة بأسعار البنزين تبلغ نحو 5%، ما يعني أن مضاعفة أسعار البنزين ستؤدي إلى زيادة التضخم الإجمالي بنحو 5% فقط”.

وأشار إلى أن الأجواء النفسية السائدة في المجتمع تؤدي إلى اعتقاد خاطئ بأن تضاعف أسعار البنزين يعني تضاعف معدلات التضخم، مؤكداً أن هذا التصور غير صحيح.

وأضاف: “للأسف، فإن التوقعات التضخمية موجودة في المجتمع، ولا يمكن فعل الكثير حيالها. ولا نملك بديلاً آخر، لأن زيادة إنتاج البنزين تتطلب استثمارات ضخمة تصل إلى 30 مليار دولار، فضلاً عن فترة زمنية تتراوح بين 4 و7 سنوات، في وقت لا نمتلك فيه الموارد المالية أو الإمكانات اللازمة. وتبلغ قدرتنا الإنتاجية حالياً 121 مليون لتر يومياً، كما لا يمكن الاعتماد على الاحتياطي الاستراتيجي إلى ما لا نهاية”.

هل تدخل الخطة الجديدة للبنزين حيز التنفيذ بحلول نهاية سبتمبر؟

وقال أورعي إن الميزة الأساسية للخطة المقترحة تتمثل في تحميل الأعباء المالية للفئات الأكثر ثراءً، في حين ستتمكن الفئات الأكثر هشاشة، التي تشكل وفق الإحصاءات نحو 80% من المجتمع ولا تمتلك سيارات، من تحقيق دخل إضافي عبر بيع حصصها من البنزين.

وأضاف أن جزءاً من هذا الدخل قد يتآكل بفعل التضخم، لكنه سيبقى أفضل بالنسبة لهذه الفئات مقارنة بالوضع الحالي.

وأشار إلى أن العيب الرئيسي للخطة يكمن في تعقيدها وصعوبة تنفيذها عملياً، موضحاً أنها لا تزال قيد الدراسة والنقاش داخل الاجتماعات الدورية التي تعقدها منظمة تحسين استهلاك الطاقة بحضور خبراء ومتخصصين، والتي يشارك فيها شخصياً.

واختتم بالقول إنه في حال عدم حدوث تطورات غير متوقعة، وعدم تراجع الحكومة عن تنفيذها، فمن المتوقع أن تدخل الخطة الجديدة حيز التطبيق بحلول نهاية سبتمبر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى