لماذا استطاعت روسيا وأوكرانيا كبح التضخم بعد الحرب، بينما عجزت إيران؟
لم تتمكن إيران، بسبب عزلتها المصرفية والعقوبات المشددة والحصار الاقتصادي، من الحصول على مساعدات، كما لم تتمكن، مثل روسيا، من تحويل عائداتها من العملات الأجنبية دون عوائق.

ميدل ايست نيوز: بعد أربع سنوات على اندلاع الحرب الأوكرانية، عاد معدل التضخم في روسيا وأوكرانيا إلى مستويات تقترب إلى حد كبير من معدلات ما قبل الحرب، في حين اتخذ هذا المؤشر الاقتصادي الحيوي في إيران مسارًا مختلفًا تمامًا.
يقول موقع فرارو، إنه إذا اعتبرنا الظروف الحربية التي تمر بها إيران منذ يونيو 2025 نقطة انطلاق، سنلاحظ أن معدل التضخم تضاعف. وتقول هيئة الإحصاء الإيرانية إن معدل التضخم ارتفع بين يونيو 2025 ونهاية صيف 2026 من نحو 40 في المئة إلى حوالي 87 في المئة.
ويمكن البحث عن أهم أوجه الاختلاف بين الوضع الاقتصادي في إيران وروسيا وأوكرانيا في مفهوم يمكن تسميته «الانضباط الاقتصادي». ماذا يعني ذلك؟ على سبيل المثال، يتعين على المصدرين الروس تحويل عائدات صادراتهم من العملات الأجنبية إلى الروبل داخل البلاد، بينما تتوالى هنا الأخبار عن اختفاء عائدات الصادرات بالعملات الأجنبية. كما أن رفع أسعار الفائدة المصرفية يشجع المواطنين في روسيا وأوكرانيا على إيداع أموالهم في البنوك، بينما تؤدي الرغبة في شراء الدولار هنا إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية، وبالتالي إلى قفزة في معدل التضخم.
كبح التضخم في روسيا بعد اندلاع الحرب
بلغ معدل التضخم في روسيا 9.2 في المئة في فبراير 2022، قبل اندلاع الحرب مع أوكرانيا. وارتفعت أسعار السلع مع بدء القتال وفرض العقوبات الغربية، ليصل معدل التضخم خلال شهرين إلى 17.8 في المئة.
تحرك البنك المركزي والحكومة الروسية بسرعة كبيرة. وبحلول أبريل 2023، أي بعد نحو 14 شهرًا من بدء الحرب، تراجع هذا المؤشر إلى 2.3 في المئة. ومنذ ذلك الحين، جرى احتواء وتيرة ارتفاع الأسعار في روسيا، ولم يتجاوز المعدل لاحقًا 10 في المئة. وتشير التقارير الرسمية حاليًا إلى أن معدل التضخم في روسيا يبلغ 6.3 في المئة.
كبح التضخم في أوكرانيا بعد اندلاع الحرب
دخلت أوكرانيا الحرب في فبراير 2022، بعدما بلغ معدل التضخم فيها 10.7 في المئة. وأدى تضرر المصانع وطرق النقل إلى توجيه ضربة قوية للاقتصاد الأوكراني. وانخفض إنتاج السلع، ليصل معدل التضخم إلى 26 في المئة خلال أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 2022.
وتمكنت الحكومة الأوكرانية، بمساعدة السياسات النقدية، من كبح وتيرة ارتفاع الأسعار. وفي أبريل 2024، تراجع معدل التضخم في أوكرانيا إلى 3.2 في المئة. وبعد ذلك، بلغ أعلى مستوى للتضخم في البلاد 15 في المئة، فيما يبلغ حاليًا نحو 8 في المئة.
ما خطة روسيا لكبح التضخم؟
بدأ احتواء ارتفاع الأسعار في روسيا بقرار من البنك المركزي للحفاظ على الودائع. فعندما بدأت العقوبات، توجه المواطنون إلى البنوك لسحب أموالهم. ورفع رئيس البنك المركزي الروسي، مع بدء العقوبات، سعر الفائدة المصرفية من 9.5 في المئة إلى 20 في المئة، قبل أن يرتفع لاحقًا إلى 21 في المئة. وكان هذا العائد بمثابة حافز للمواطنين على إبقاء أموالهم في البنوك، إذ كان العائد الشهري يحول دون تراجع قيمة أصولهم.
وكانت الخطوة التالية إغلاق منافذ خروج العملات الأجنبية من البلاد. فقد أمرت الحكومة شركات تصدير النفط والغاز بإدخال 80 في المئة من عائداتها بالعملات الأجنبية إلى البلاد وتحويلها إلى الروبل في السوق. وانخفض خروج العملات الأجنبية بدرجة كبيرة على الفور. أي إن استمرار عرض الدولار في السوق المحلية حافظ على قيمة الروبل ومنع أسعار السلع من القفز.
وغيّرت روسيا مسارات بيع النفط والغاز. فبدلًا من أوروبا، اتجهت طاقة البلاد إلى موانئ الهند والصين. وباعت موسكو نفطها وحافظت على تدفق الأموال إلى البلاد. وساعدت هذه الإيرادات في تغطية نفقات الحكومة ومنع حدوث عجز في الموازنة، وبالتالي تجنب لجوء الدولة إلى طباعة النقود.
كما أقرت الحكومة الروسية نظام «الواردات الموازية». وبموجب هذا القانون، تمكن التجار من استيراد مختلف السلع وقطع الغيار من أي مكان، من دون الحصول على إذن من الشركات الأصلية، بهدف إبقاء رفوف المتاجر ممتلئة ومنع نقص السلع من التسبب في ارتفاع الأسعار.
وتدخلت الحكومة أيضًا في قطاع المواد الغذائية. ففرضت روسيا رسومًا على صادرات الحبوب والأسمدة الكيميائية لمنع خروج المواد الغذائية، كما قدمت إعانات للمصانع للسيطرة على أسعار الخبز والزيت واللحوم في السوق.
ما خطة أوكرانيا لكبح التضخم؟
اتخذت أوكرانيا مجموعة من الإجراءات المحددة لتهدئة السوق. فقد رفع البنك المركزي الأوكراني سعر الفائدة المصرفية إلى 25 في المئة. وشجع هذا المعدل المواطنين على إبقاء أموالهم في الحسابات المصرفية وعدم اللجوء إلى شراء العملات الأجنبية.
وأبقت الحكومة الأوكرانية على تعرفة الخدمات العامة ثابتة دعمًا للمواطنين. فلم تتغير أسعار فواتير المياه والكهرباء والغاز، لمنع ارتفاع تكاليف الطاقة من التسبب في زيادة أسعار السلع الأخرى.
وكانت الخطوة التالية فتح الطرق التجارية. فمن خلال الاتفاقيات الدولية وفتح الموانئ البحرية وخطوط السكك الحديدية الحدودية، تمكنت أوكرانيا من تصدير منتجاتها الزراعية وإدخال السلع الأساسية والوقود إلى البلاد، لتجنب حدوث نقص في الأسواق.
لكن هناك عاملًا مهمًا آخر أيضًا، هو المساعدات المالية الغربية. فقد حولت الدول الغربية والمؤسسات الدولية مليارات الدولارات من القروض والمنح إلى حسابات الحكومة. وساهمت هذه الأموال في تمويل النفقات الجارية ورواتب القطاع العام، ومنعت الحكومة من الاقتراض من البنك المركزي وطباعة النقود.
كيف تبدو قصة التضخم في إيران؟
كان معدل التضخم في إيران قبل اندلاع حرب الـ12 يومًا في يونيو 2025، أقل من 40 في المئة. وبعد ذلك، واجه السوق سلسلة من الصدمات الاقتصادية والسياسية، وصولًا إلى حرب استمرت 40 يومًا في فبراير 2026.
وبعد مرور عام وثلاثة أشهر على بدء المواجهات الأولى، وفي وقت لم تكن فيه البلاد تعيش ظروف حرب مباشرة طوال هذه الفترة، بلغ معدل التضخم نحو 87 في المئة، أي إنه تضاعف تقريبًا.
ويمكن اعتبار انهيار قيمة الريال وتراجع قيمة العملة الوطنية السبب الأول. فمع كل توتر، ارتفع الطلب على الدولار وانخفضت قيمة الريال. كما أدى اعتماد الإنتاج والسلع الأساسية على الواردات إلى ارتفاع أسعار جميع السلع مع صعود سعر الدولار.
أما السبب الثاني فهو عجز الموازنة الحكومية وخلق النقود. فقد ارتفعت النفقات العامة، في حين لم ترتفع عائدات بيع النفط بالمقدار نفسه، بل تراجعت حتى. وهو ما نسمعه أحيانًا على لسان الخبراء الاقتصاديين تحت مسمى عجز الموازنة.
والسبب الثالث هو توقعات التضخم وهروب رؤوس الأموال من القطاع المصرفي. فالشخص الذي يخشى انخفاض قيمة أصوله، ويحوّل مدخراته بالريال إلى الدولار والذهب والسلع ذات القيمة، يسهم في دفع التضخم إلى الارتفاع.
أما السبب الرابع فهو غياب الدعم المالي الخارجي، وهو عكس ما حدث في أوكرانيا تمامًا. فإيران، بسبب عزلتها المصرفية والعقوبات المشددة والحصار الاقتصادي، لم تتمكن من الحصول على مساعدات، كما لم تتمكن، مثل روسيا، من تحويل عائداتها من العملات الأجنبية دون عوائق.



