من يبقي اقتصاد إيران متصلاً بالعالم؟ خريطة الشركاء في مرمى ترامب
يضع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض عواقب اقتصادية على الدول التي تواصل دعم إيران، شبكة التجارة الخارجية لطهران وليس اقتصادها وحده، في قلب المواجهة المقبلة.

ميدل ايست نيوز: يضع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض عواقب اقتصادية على الدول التي تواصل دعم إيران، شبكة التجارة الخارجية لطهران وليس اقتصادها وحده، في قلب المواجهة المقبلة.
واستخدم وزير الخزانة سكوت بيسنت لغة حادة في تحذيره شركاء إيران الاقتصاديين، مردداً تحذير الرئيس السابق جورج دبليو بوش لحلفاء بلاده بعد هجمات 11 سبتمبر، قائلاً: “إما أن تكونوا معنا، أو ضدنا”.
وذكر بيسنت أن واشنطن تستعد لما وصفه بأنه أكبر جهد منسق لعزل اقتصاد في العالم، وأنها ستطلب من حلفائها عملياً الاختيار بين الانضمام إلى الحملة أو مواصلة التعامل مع إيران. ورغم أن الإدارة لم تحدد بعد الدول أو المعاملات المستهدفة، إلا أنها تعهدت بكشف تفاصيل الحملة في مؤتمر صحفي الإثنين.
وتظهر البيانات أن الصين هي المشتري الأهم للنفط الإيراني ومصدر رئيسي لواردات البلاد، فيما أدت الإمارات، حتى قرار وقف التعاملات الأخير، دور بوابة للتجارة وإعادة التصدير والتمويل. ويشكل العراق وتركيا سوقين مهمتين للصادرات الإيرانية، إلى جانب ارتباطهما بطهران عبر الطاقة والحدود البرية. أما روسيا والهند ودول الجوار، فتمنح إيران مصادر وممرات بديلة يصعب إغلاقها بالكامل.
وتشير أحدث البيانات الهيكلية التي جمعها “البنك الدولي” إلى أن الصين كانت أكبر سوق للصادرات الإيرانية غير النفطية في السنة الإيرانية 2023-2024، بينما جاء العراق والإمارات وتركيا بين الوجهات الرئيسية. وعلى جانب الواردات، جاءت نحو 30.6 % من السلع من الإمارات و26% من الصين، ما يعني أن البلدين وفرا معاً أكثر من نصف واردات إيران.
الصين.. الشريان الأهم
إذا كان النفط المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، فإن الصين هي العقدة الأهم في الاقتصاد الإيراني.
تذهب أكثر من 80% من شحنات النفط الإيرانية إلى الصين، وبلغ متوسط مشتريات بكين نحو 1.38 مليون برميل يومياً خلال 2025، وفق بيانات “كبلر” التي استندت إليها “رويترز”. وتتركز نسبة كبيرة من هذه المشتريات لدى المصافي الصينية المستقلة المعروفة باسم “أباريق الشاي”، والتي تجذبها الخصومات الكبيرة على الخام الإيراني الخاضع للعقوبات.
وقد فرضت واشنطن بالفعل عقوبات على بعض المصافي المستقلة في الصين منذ بدء الحرب في فبراير، لكنها امتنعت عن استهداف البنوك الصينية الكبرى التي تمول هذه التجارة، مخافة الإضرار بالعلاقات الثنائية الهشة أصلاً.
كما أن خريطة التدفقات بدأت بالتغير سريعاً. فقبيل القتال، حمّلت إيران نحو 20.1 مليون برميل من جزيرة “خرج” بين 15 و20 فبراير، بما يعادل أكثر من 3 ملايين برميل يومياً خلال تلك الفترة القصيرة.
وفي منتصف مارس، كانت إيران لا تزال تمرر نحو 1.2 مليون برميل يومياً عبر هرمز، مقارنة بنحو 1.5 مليون برميل قبل الحرب، كما استفادت مؤقتاً من ارتفاع الأسعار وتقلص الخصم على خامها.
لكن التدفقات تقلصت لاحقاً مع تشديد الحصار والعقوبات وتعطل الشحن بفعل الحرب، ما دفع الصين إلى البحث عن بدائل، من بينها زيادة مشترياتها من الخام الروسي. كما اشترت في الأيام الماضية شحنات من النفط العراقي، وأخرى من النفط السعودي في مناقصة نادرة بموجب عقود طويلة الأجل.
ويبدو أن الحصار الأميركي كان أكثر فعالية هذه المرة، إذ قال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي هذا الأسبوع إن التدفقات “توقفت فعلياً”.
وهكذا لم توقف الحرب تجارة النفط الإيرانية دفعة واحدة، لكنها أعادت تشكيل مساراتها واقتصادياتها تدريجياً.
لذلك، وفي حال قررت واشنطن اللجوء إلى سلاح العقوبات، فإنها قد لا تستهدف البرميل وحده، بل المنظومة المحيطة به: المصفاة التي تشتريه، والميناء الذي يستقبله، والوسيط الذي يرتب الصفقة، وشبكات الصرافة والمدفوعات التي تحول العائدات إلى أموال قابلة للاستخدام.
العراق وتركيا.. الطاقة والحدود
يبرز العراق بوصفه أحد أكثر الشركاء حساسية، إذ تتجاوز العلاقة معه التجارة التقليدية.
بلغ حجم التجارة العراقية الإيرانية أكثر من 10 مليارات دولار في 2025، فيما يدفع العراق نحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنوياً مقابل الغاز الإيراني المستخدم في توليد الكهرباء.
وهذا الاعتماد جعل بغداد دائماً معادلة معقدة بالنسبة إلى واشنطن، التي تسعى إلى خفض الإيرادات الإيرانية من دون التسبب في اضطرابات حادة بإمدادات الكهرباء العراقية، خصوصاً بسبب الحساسية السياسية لهذا الملف في الداخل العراقي.
أما تركيا، فتجمع بين التجارة البرية والطاقة. وتبلغ التجارة بين البلدين نحو 5 إلى 6 مليارات دولار سنوياً، فيما يأتي من إيران نحو 13% من واردات تركيا من الغاز.
وتمنح الحدود البرية البلدين مرونة أكبر من التجارة البحرية. وإذا طال إغلاق المسار الإماراتي، فقد تزداد أهمية تركيا بوصفها مورداً للسلع الصناعية وممراً تجارياً، وإن كان ذلك سيرفع تعرض الشركات والبنوك التركية لمخاطر العقوبات الأميركية.
الإمارات.. خسارة البوابة
ربما يكون وقف الإمارات جميع التعاملات الاقتصادية والمالية مع إيران حتى إشعار آخر أبرز ضربة مباشرة لشبكة التجارة غير النفطية الإيرانية منذ اندلاع الحرب.
فوفق أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية، وفرت الإمارات نحو 30% من واردات إيران في 2024، بقيمة تقارب 21 مليار دولار، واستحوذت على نحو 13% من الصادرات الإيرانية.
لكن أهمية الإمارات لا تكمن فقط في حجم التجارة المباشرة. فجزء كبير من السلع المسجلة كواردات منها مصدره دول أخرى، بينها الصين، وأعيد تصديره عبر الإمارات.
ومع قرار وقف التعاملات حتى إشعار آخر، فإن الشركات الإيرانية ستفقد أحد أقصر المسارات وأكثرها كفاءة للحصول على السلع وتسوية المدفوعات، وقد تضطر إلى تحويل جزء من تجارتها إلى تركيا والعراق وعُمان وممرات بحر قزوين. والنتيجة هي شحن أبطأ وتمويل وتأمين أكثر كلفة.
أما الخطر الأكبر بالنسبة إلى طهران فهو أن يتحول القرار الإماراتي إلى نموذج يتبعه شركاء آخرون في المنطقة.
روسيا والهند.. بدائل محدودة
تزداد أهمية روسيا كلما أصبحت مياه الخليج وهرمز أكثر خطورة، بفضل بحر قزوين والممرات البرية شمال إيران، فضلاً عن خبرة البلدين في التعامل التجاري خارج المنظومة المالية الغربية.
لكن روسيا ليست بديلاً عن الصين في شراء النفط، ولا تستطيع البنية التحتية الشمالية بسهولة تعويض شبكات الإمارات التجارية. لذلك تؤدي موسكو دور صمام أمان وممر بديل أكثر من كونها شرياناً اقتصادياً رئيسياً.
أما الهند، التي كانت سابقاً مشترياً رئيسياً للنفط الإيراني، فتغير دورها جذرياً. وتراجعت التجارة الثنائية إلى نحو 1.63 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026، منها نحو 1.3 مليار دولار صادرات هندية إلى إيران.
وتتركز أهميتها حالياً في السلع، خصوصاً المنتجات الغذائية مثل الأرز والشاي وبعض المواد الأساسية، وليس في توفير إيرادات نفطية.
كلما أغلقت بوابة ازدادت أهمية الجوار
تكتسب عُمان وباكستان ودول القوقاز وزناً أكبر مع تقلص المراكز التجارية الكبرى.
بلغت تجارة السلع بين إيران وعُمان نحو 1.5 مليار دولار في 2025، فيما ترتبط باكستان بإيران بتجارة حدودية رسمية وغير رسمية في الوقود والغذاء والماشية والسلع الاستهلاكية.
وفي الشمال، توفر أرمينيا وأذربيجان ممرات إلى القوقاز وما بعده، كما ترتبط أرمينيا بإيران ببرنامج لمبادلة الغاز بالكهرباء.
هذه التدفقات صغيرة مقارنة بالصين أو الإمارات، لكنها تبرز ميزة أساسية لإيران: الجغرافيا تجعل عزلها الكامل بالغ الصعوبة. فالبلاد لديها حدود برية مع سبع دول، إضافة إلى منافذ على الخليج وبحر عُمان وبحر قزوين، كما دفعتها عقود العقوبات إلى بناء شبكات من الوسطاء والمقايضة والتسويات بعملات غير الدولار.
واشنطن لا تحتاج إلى إغلاق كل الحدود
قد يكون “العزل الكامل” المقياس الخطأ لنجاح استراتيجية ترامب. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى وقف كل شاحنة تدخل إيران أو كل برميل يغادرها.
يكفي أن تجعل بيع النفط أصعب، والحصول على العملة الصعبة أكثر تكلفة، وتمويل الواردات أقل كفاءة، وعدد المراكز الوسيطة المتاحة لطهران أقل.
وهنا تصبح الصين والإمارات أهم اختبارين. إذا خفضت بكين مشترياتها النفطية بصورة مستدامة، وتحول القرار الإماراتي إلى نموذج تتبعه مراكز تجارية أخرى، فستواجه إيران مستوى من العزل أشد مما خبرته في جولات العقوبات السابقة.
أما إذا استمرت الصين في شراء النفط، وظلت الحدود التجارية مع العراق وتركيا وباكستان نشطة، ووسعت طهران استخدام روسيا وعُمان وممرات قزوين، فلن تنقطع تجارتها عن العالم. لكنها ستصبح أبطأ وأغلى وأكثر اعتماداً على عدد محدود من الشركاء المستعدين لتحمل مخاطر مواجهة الولايات المتحدة.
وهذه هي العقدة التي تريد إدارة ترامب اختبارها: ليس ما إذا كانت إيران قادرة على مواصلة التجارة، بل كم ستبلغ كلفة إبقائها متصلة بالعالم، ومن سيكون مستعداً لدفع هذه الكلفة؟



