تصدير النفط العراقي يكسر حاجز الـ70 مليونا: الموانئ تسترد أنفاسها وتحدي البدائل يسرق الفرحة
رغم هذا الانتعاش وتجاوز الإيرادات 4.5 مليارات دولار، يحذر خبراء اقتصاد من هشاشة هذا التعافي، مؤكدين أن الأزمة الهيكلية المتمثلة بالاعتماد على مضيق هرمز تتطلب حلولاً جذرية ومنافذ تصدير بديلة وآمنة.

ميدل ايست نيوز: سجلت صادرات النفط العراقية ارتفاعاً لافتاً في آب بتجاوزها 70 مليون برميل، بفضل خطط تسويقية جديدة وخصومات سعرية “كبيرة” . ورغم هذا الانتعاش وتجاوز الإيرادات 4.5 مليارات دولار، يحذر خبراء اقتصاد وطاقة من هشاشة هذا التعافي ومخاطر تقلبات الأسعار، مؤكدين أن الأزمة الهيكلية المتمثلة بالاعتماد على مضيق هرمز تتطلب حلولاً جذرية ومنافذ تصدير بديلة وآمنة.
البيع في الموانئ
ويقول المتحدث الرسمي باسم وزارة النفط سليم فرهود الركابي، إن “الوزارة اتخذت أسلوب بيع النفط الخام مطروح في الموانئ بأفضل سعر يقدم لها، على أن تتحمل الشركات المشترية مسؤولية إخراجه عبر ممرات آمنة خارج المضيق، والوزارة تعمل على إدامة معدلات التصدير، فضلاً عن محاولة رفعها بكميات أكبر”.
وعن خطط الوزارة بهذا الشأن، يوضح بأن “النقاشات والاجتماعات ما تزال جارية بين الجانب العراقي، ممثلا بوزارة النفط، وائتلاف الشركات الأمريكية القطرية، لدراسة الموديل الاقتصادي والجوانب الفنية واللوجستية”.
وبدأت صادرات النفط العراقية خلال آب أغسطس 2026 باستعادة جزء من مستوياتها بعد التراجع الذي رافق اندلاع الحرب في المنطقة وأزمة مضيق هرمز، لتسجل خلال الشهر أعلى معدل تصدير منذ بدء الأزمة، في تطور انعكس مباشرة على حجم الإيرادات النفطية للدولة.
70 مليون برميل
وأعلنت وزارة النفط، الجمعة (4 أيلول سبتمبر)، أن صادرات العراق النفطية خلال آب بلغت قرابة 70 مليون برميل من النفط الخام، بإيرادات وصلت إلى نحو 4.5 مليارات دولار، وهي الأعلى منذ اندلاع الحرب وأزمة مضيق هرمز، كما جاء في تصريحات المتحدث الرسمي باسم الوزارة سليم الركابي لوكالة الأنباء العراقية.
وبحسب الركابي، تجاوز معدل إنتاج العراق من النفط الخام 3 ملايين برميل يومياً، فيما بلغ معدل التصدير خلال آب أكثر من مليونين و200 ألف برميل يومياً، إلى جانب تصدير نحو 30 ألف متر مكعب يوميا من منتج زيت الوقود.
خصومات إيرادات
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي عامر الجواهري، إن “ارتفاع الصادرات العراقية يعني عملياً زيادة عوائد الإيرادات، رغم ارتفاع الكلف الإضافية المترتبة على عمليات الشحن، فضلاً عن الخصومات”، متوقعاً أن “تنتهي مرحلة الخصومات قريباً، بما يسهم في تحسين الإيرادات النفطية التي تمثل الأساس في دخل العراق”.
ويضيف، أن “تحسن الإيرادات يمكن أن يغطي بعض التزامات الحكومة”، مشيرا إلى أن “الإيرادات المتوقعة لشهر آب بلغت نحو 4.5 مليارات دولار، فيما تحدث بعض المسؤولين عن مصروفات شهرية تبلغ 7.7 تريليونات دينار، ما يعني أن الإيرادات المحققة يمكن أن تحسن مستوى تغطية بعض الالتزامات، لكنها لا تكفي لتغطيتها جميعاً”.
ويتابع، أن “التزامات الحكومة أكبر بكثير من الإيرادات المتاحة، إذ تشمل مشاريع خدمية وبنى تحتية جديدة يفترض تنفيذها، إلى جانب استكمال المشاريع التي بدأ العمل بها ثم توقفت، فضلاً عن مشاريع أخرى تعثرت أو يجري تنفيذها بوتيرة بطيئة، وهذه المشاريع تمثل التزامات أساسية على الحكومة أداؤها”.
نفقات والتزامات
ويشدد الجواهري على “ضرورة البحث عن وسائل لتقليص المصروفات والهدر والازدواجية في الرواتب، فضلاً عن النفقات التي لا تحقق استفادة فعلية وكثرة الحمايات، بالتوازي مع البحث عن مصادر تمويل جديدة”، مبيناً أن “التزامات الحكومة لا ينبغي أن تعتمد على الإيرادات النفطية فقط، بل تتطلب توفير أدوات تمويل وشراكات جديدة”.
ويلفت إلى أن البرلمان سيناقش في 7 أيلول الحالي القراءة الأولى لقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، عاداً هذه الشراكة إحدى وسائل تمويل الالتزامات.
حقوق مسلوبة
وفي ما يتعلق بتعافي الصادرات العراقية، يرى الخبير الاقتصادي، أن “ارتفاعها خلال آب يؤشر إلى استقرار نسبي في الأسواق وتحسن مقارنة بالفترة السابقة، لكنه لا يعني انفراجاً دائماً، كما أن الأزمة الحالية لا يمكن اعتبارها دائمة”.
ويبين، أن “التطورات الأخيرة أعادت التأكيد على ضرورة إيجاد منافذ تصدير بديلة، وهي قضية مطروحة منذ عشرات السنين، ولا سيما خلال العشرين عاماً الماضية، لذا من الأهمية إعادة النظر في مسارات التصدير عبر الجوار، ومن بينها الاتجاه نحو بانياس السورية وينبع، باعتبار ذلك حقاً عراقياً أصبح عملياً شبه مسلوب”.
أزمة جديدة
أما بشأن انعكاس الصادرات العراقية على الأسواق العالمية، يوضح الجواهري، أن “العراق قد يواجه أزمة جديدة تتمثل في لجوء بعض أسواقه التقليدية إلى جهات تجهيز أخرى خلال الفترة الماضية، ما يستدعي استعادة الأسواق التقليدية والبحث عن أسواق جديدة، خصوصاً مع توجه العراق إلى زيادة حصته من الإنتاج، ومراعاة أعداد السكان والاحتياجات وما عاناه خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات”.
ويحذر من أن “زيادة المعروض قد تدفع إلى منافسة بين المنتجين تسهم في انخفاض الأسعار خلال الفترات المقبلة”، داعيا “مجموعة أوبك+ إلى أخذ هذا الاحتمال بنظر الاعتبار لتجنب منافسة قد تضر بالجميع، إذ إن تراجع الأسعار سينعكس على إيرادات جميع المنتجين”.
ويختتم الجواهري بالتأكيد على “ضرورة وضع مخطط استراتيجي شامل للعراق والبدء بتنفيذه فعلياً، بدلاً من تصاعد وتيرة التصريحات والاجتماعات عند وقوع الأزمات ثم تراجعها عند انفراجها”.
ومع ارتفاع الصادرات، اتجه العراق إلى محاولة تعظيم العائد من الكميات المصدرة، إذ أوضحت وزارة النفط أن خطتها الاستراتيجية تتضمن تصدير النفط الخام بحرا من خارج مضيق هرمز، بهدف زيادة القيمة التسويقية للنفط العراقي ورفع أسعار البيع وتعظيم الإيرادات، إلى جانب تعزيز مرونة المنافذ التصديرية وضمان استدامة عمليات التصدير.
خصومات كبيرة
بدوره، يقول رئيس مركز العراق للطاقة فرات الموسوي، ، إن “الارتفاع الكبير في صادرات العراق النفطية خلال آب لا يعود إلى نجاح البلاد في إيجاد بديل كامل عن مضيق هرمز، وإنما جاء نتيجة ثلاثة عوامل متزامنة، أولها التحسن النسبي في إمكانية عبور الناقلات المحملة بالنفط العراقي عبر المضيق، بعد ترتيبات واتصالات سياسية عراقية، إذ أعلنت إيران في 22 آب السماح لعدد من الناقلات التي تحمل النفط العراقي بالعبور”.
ويضيف، أن “العامل التجاري أدى دوراً مهماً أيضاً، إذ قدمت شركة تسويق النفط سومو خصومات سعرية كبيرة تراوحت، بحسب رويترز، بين 25 و30 دولاراً للبرميل، ما عزز جاذبية خام البصرة للمشترين الصينيين والهنود وشركات التجارة العالمية، رغم ارتفاع مخاطر وكلف النقل، وأسهم في زيادة الصادرات من نحو 1.35 مليون برميل يومياً في تموز إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً في آب”.
ويتابع، أن “توفر الشحنات والناقلات تحسن مقارنة بالأشهر السابقة، رغم بقاء كلف النقل مرتفعة جداً، إذ وصلت كلفة استئجار إحدى الناقلات العملاقة لنقل مليوني برميل من الخام العراقي خلال آب إلى نحو 23 – 25 مليون دولار للرحلة الواحدة”، مبيناً أن “معدل 2.34 مليون برميل يومياً يعادل نحو 72.5 مليون برميل خلال 31 يوماً”.
إدارة الأزمة
ويؤكد الموسوي، أن “العراق لم يتجاوز أزمة هرمز خلال آب، لكنه نجح في إدارتها بصورة أفضل، إذ أسهم تحسن عبور الناقلات والمرونة التسويقية والخصومات السعرية وعودة جزء من الطلب الآسيوي في رفع الصادرات إلى نحو 72 مليون برميل خلال الشهر”، منبهاً إلى أن “المسارات البديلة لم تكن العامل الرئيسي وراء هذه القفزة، وأن معظم الزيادة بقيت مرتبطة بالصادرات الجنوبية ومرورها عبر هرمز”.
وفي ما يتعلق باستدامة التعافي، يعتبر خبير الطاقة أن “معدل آب يمثل تعافياً قوياً، لكنه لا يعني عودة كاملة ومستدامة للقدرة التصديرية، فالعراق كان يصدر قبل الأزمة أكثر من 3.3 مليون برميل يومياً، مقابل نحو 2.34 مليون برميل يومياً في آب، أي إنه ما يزال دون مستوياته الاعتيادية بنحو مليون برميل يومياً”.
أمن الصادرات
ويستطرد الموسوي، أن “المشكلة الهيكلية لم تتغير، إذ لا يزال الجزء الأكبر من النفط العراقي يخرج عبر الموانئ الجنوبية، ما يبقي وصوله إلى الأسواق مرتبطاً بمضيق هرمز، حيث أظهرت بيانات Kpler في 4 أيلول مرور أربع سفن تجارية فقط عبر المضيق في ذلك اليوم، مقابل متوسط لعشرة أيام بلغ نحو 15 سفينة، وبفارق كبير عن مستويات الحركة قبل الحرب”.
ويقر، أن “العراق استعاد جزءاً من صادراته خلال آب، لكنه لم يستعد أمن صادراته بعد، وأي تصعيد جديد في هرمز يمكن أن يعيد الضغط عليها بسرعة، وأن المشكلة لا تتعلق بعدد البراميل التي يستطيع العراق تصديرها في الظروف الجيدة، وإنما بحجم الصادرات التي يستطيع ضمان استمرارها عند تعطل المضيق”.
وعن إمكانية زيادة الصادرات، يعتقد الموسوي أن “العراق يستطيع تجاوز مستوى آب إذا استمر عبور الناقلات المحملة بالنفط العراقي وتواصل الطلب الآسيوي وتوفرت الناقلات والتغطية التأمينية، إلا أن ذلك يرتبط بالإنتاج المتاح وسقوف أوبك+ والقدرة الفعلية على نقل النفط إلى الأسواق”، متوقعاً “إمكانية الاقتراب مجدداً من مستويات ما قبل الأزمة التي تجاوزت 3.3 مليون برميل يومياً، لكن استمرار التصعيد الأمريكي – الإيراني والمخاطر البحرية يجعل المحافظة عليها غير مضمونة، ولا سيما مع التطورات العسكرية في 5 أيلول”.
مسارات بديلة
وينوه رئيس مركز العراق للطاقة إلى أن “العراق وتركيا وقعا في 2 آب أغسطس 2026 اتفاقية جديدة لمدة عام، تضمنت حداً أدنى مستهدفاً يبلغ 750 ألف برميل يومياً عبر الأنبوب العراقي – التركي إلى ميناء جيهان”، مستدركاً بأن “هذا الرقم يمثل هدفاً أو التزاماً وارداً في الاتفاقية، ولا يعني أن العراق يستطيع حالياً تصدير هذه الكمية فعلياً، إذ يتطلب الوصول إليها توفير كميات كافية من كركوك وإقليم كردستان واستكمال الجوانب الفنية والتجارية والتشغيلية”.
ويفيد، أن “أهمية جيهان تكمن في أن نقل ما بين 500 و750 ألف برميل يومياً شمالاً مستقبلاً يعني إخراج كمية مماثلة من دائرة الاعتماد على مضيق هرمز”، موضحاً أن “البدائل تنقسم زمنياً إلى زيادة مرونة الشحن والتسويق من البصرة في المدى القصير، وتوسيع التصدير عبر جيهان في المدى المتوسط، ثم مشاريع حديثة – بانياس والمسارات باتجاه الأردن والعقبة وربط الجنوب بالشمال بأنابيب استراتيجية على المدى الطويل”.
ويعتقد الموسوي، أن “المسار السوري المقترح لا يمثل حلاً فورياً، إذ تشير تقديرات نقلتها رويترز إلى أن المشروع الجديد المقترح يحتاج إلى نحو أربع سنوات على الأقل، بكلفة تقارب 15 مليار دولار”.
ويختتم بالتأكيد على أن “صادرات آب تمثل نجاحاً مهماً في إدارة الأزمة، لكنها ليست دليلاً على انتهاء أزمة هرمز، والأولوية الاستراتيجية للعراق لا تتمثل في زيادة الصادرات فقط، وإنما في زيادة الصادرات الآمنة عبر تعزيز جيهان في المديين القريب والمتوسط، وتطوير مسارات سوريا والأردن على المدى الأطول، بما يمنع بقاء الاقتصاد العراقي مرتبطاً بممر بحري واحد”.
ويأتي تسجيل قرابة 70 مليون برميل خلال آب في وقت ما يزال فيه إنتاج العراق يتجاوز 3 ملايين برميل يومياً، ما يجعل الفارق بين الإنتاج والتصدير مرتبطاً بقدرة البلاد على إيصال خامها إلى الأسواق وسط المخاطر التي فرضتها أزمة المضيق.
وبذلك، يمثل ارتفاع صادرات آب تحسناً في قدرة العراق على إدارة تدفقات نفطه خلال الأزمة، إلا أن الرقم يضع في الوقت نفسه مسألة استدامة التصدير في الواجهة، إذ لم تعد القضية مرتبطة بحجم ما ينتجه العراق فقط، بل بقدرته على ضمان وصول هذا الإنتاج إلى الأسواق من دون أن يبقى مصيره مرتبطاً بممر بحري واحد.



